تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

العهد الثوري وممارسة الديمقراطية..

أغسطس ٧ - ٢٠١٩ الخرطوم - راديو دبنقا
عبداللطيف علي الفكي
عبداللطيف علي الفكي

بقلم: عبداللطيف علي الفكي

العهد الثوري مرتبط بأرواح الشهداء. فبذل الروح هو أقصى وضوح في مواجهة خراب الوطن. ولهذا الوضوح في بذل الروح يصبح العهد الثوري واضحاً نحو عمار الوطن، المرتبط بتلك الأرواح. جزء من معاني ’العهد‘ في جملة ’عَهِدَ إليه، واستعهد منه‘ إذا وصاه وشرط عليه. من هنا فالعهد الثوري هو وصية الشهداء. تتحول هذه الوصية نحو:

أ‌- عمل تحقيق عدالة كل تلك الهتافات الداوية.

ب‌- ترتيب بناء الدولة، مع القدرة على حل كل أنشوطات حِيل المعوقات التي تعوق ذلك البناء، ولكن بحزم. بناءٍ يليق بديمقراطية تأتي فيما بعد أن قطعت البشرية للقرن الحادي والعشرين وعياً آخر.

2- هناك منطق لنجاح هذا العهد الثوري هـــو: أن تحرسه نفس الإرادة الشعبية التي أتت بالثورة والتغيير. بحكم أن من المعقول إمكانية دولة بدون جيش؛ ولكن ليس من الإمكانية في شيء أن تكون هناك دولة بدون شعب، بدون إرادة شعبية، هذا محال السبق إليه. ما يحقق هذا المنطق الملايين التي شهدناها، تخرج، والإصرار على الفداء، والوعي الشبابي فيما هم يريدون، وسيريدون.

3- العهد الثوري مع عمار البلد يجعلنا وجهاً لوجه مع ذاكرة سياسية خربة هي الثلاثين التي مضت في خراب البلاد، وخراب سيادتها. لذلك مهما طال العهد الثوري السلمي لا يصبح هذا الطـَّوْل مثل ذرة من ذرات ما طال من لحظات في تلك الثلاثين. إنها الثلاثون في التدليس، والكلام السخيف، والخداع، والكذب، وهلم هو الفساد، والخيانة في بيع الوطن. وفوق ذلك، ومع كل أفعالهم هذه، وتلك، هم لا يختلفون فيما بينهم، رغم الكبائر، واختراق الشرائع الإنسانية والقانونية. نعم، لا يختلفون في كونهم مجرمين: في انتهاكات دارفور، النيل الأزرق، جنوب كردفان، كجبار، سبتمبر ٢٠١٣، وديسمبر ٢٠١٨ وحتى الآن. لا يختلفون، نعم، لماذا وفي أي شيء هم لا يختلفون: بالجملة، هم لا يختلفون في (العدم: حيث خراب الوطن وموت المواطن). لا يختلفون في حذق صناعة هذا العدم. وقد وصل بهم انعدام الاختلاف في حذق صناعة العدم إلى درجة أن خلقت ملامحاً لهذا الكائن في شكله وخطابه. إنها كائنات دولة العدم.

4- دولـة العدم لا شعب لها سودانيين. قد تُرضي آخرين ليسوا بسودانيين (إيران، تركيا، الخليج، السعودية) وبالتالي دولة العدم ليست لها إرادة سيادة، وليس لها ما يبرر وجودها الآن؛ مهما جاءت بذاكرة الثلاثين في التدليس، والكلام السخيف، والخداع، والكذب، وهلم هو الفساد، والخيانة في بيع الوطن، بكلمات ذاكرتها هي حيث هو الدين لا التدليس، وحيث هو المشروع لا الكلام السخيف، وحيث هو خصخصة لا السرقة والنهب، وحيث هو التحلل لا الفساد، وحيث هو الاستثمار وليس بيع وطن. فذاكرة الثلاثين هذه سمجة لأنها لا تفهم أن أس الإرادة الشعبية والمحرك الأساسي للعهد الثوري هو: الوعي. إنه الوعي من حيث جئته أقبل عليك، من جهة الوطن أو من جهة الدين، أو من جهة الدولة هو يأتيك يُقبل عليك ويقول لك بكل احترام (لبيك، أيها المكان).

5- العهد الثوري إذا أنت فيه، وفي فتلات حبله العظام الجسام، لا يقبل منك النكران والتخوين؛ بل يقبل الاختلاف والنقد، لا التنقيص والمماحكة والارتباك. لسببٍ أساسي هو أن العهد الثوري فكرة عمار وليس بأشخاص أفراد. فكلما انتقدت أو اختلفت تتسع الفكرة في فتلات حبلها العظيم. أما إذا تحوَّل النقد إلى نكران وتخوين وانتقاص لأفراد، فإنك بذلك تتجه/ تتجهين إلى دولة العدم حيث الثلاثين قابعة، وتريد استئنافها.

6- العهد، كلمةٌ ليست تحتمل الصدق أو الكذب. إنها حية في التحقيق وفي تأديتها عند كل لحظة. إنها الكلمة الوحيدة التي نتنفسها. وتجري مجرى الدم. عبارة (لديَّ عهد) في العمل العام والعمل الخاص أول خطواتها الالتزام الذي هو أقل من العهد. لأن الالتزام يمكنك أن تغيره، أما العهد فلا يمكن. لأنه هو هو في تغيير التزامك وتطورك. من هنا نقول، من جميع مشاربك وأنت تقبض على العهد الثوري، القبض فيه يفوق التزامك. فإذا كان العهد هو الكل، فإن الالتزام هو الذي ليس شيئاً سوى مركز الجزء. هبني من حزب ما، (هذا التزام)، وأنا الآن ماسك بحبل العهد الثوري، (فهذا عهد)؛ واكتملت المدنية، وجاءت الديمقراطية الحزبية، هذا لا يعني أن الالتزام سيصبح الكل في الكل في فكاكي لحبل العهد. لا، هذا ليس هو منطق العهد الثوري. لماذا؟

7- لأن المسك بحبل العهد الثوري (الكل)، يجعلك أن تدحض تماماً النصر والهزيمة لالتزامك الحزبي (الجزء) في الممارسة الديمقراطية. خلاف ذلك، حيث ترمي حبل العهد الثوري، تصبح مثل كائنات دولة العدم حيث لا عهد لهم مع المسك بحبل التزام العدم. أما المسك بحبل العهد الثوري في الممارسة الديمقراطية تجعل من هو في حزب( س)، وذاك في حزب( ص)، وهذا في حزب( ك) كلهم ضد دولة العدم. بكلمات أخر، أنا لست ضدك (في الممارسة الديمقراطية)، ولكن أنا وأنت ضد دولة العدم.

8- لقد مورس العكس في التجارب الديمقراطية السابقة كلها؛ حيث الالتزام الحزبي هو الكل في نفي تام للعهد الثوري، ثورة الاستقلال، وثورة أكتوبر، وثورة مارس-أبريل. فكانت الأزمة هي أزمة أن ينتصر هذا الالتزام في هزيمة التزام حزبي آخر. وقد عُرِفَ هذا عند المؤرخين السودانيين بالكيد السياسي. ولهذا الكيد السياسي نرى أن كل الديمقراطيات ما كانت تحتفل بيوم تاريخ تحقيق الثورة في وقتها. ولأني أعرف تماماً أن هذا الجيل الذي تغذى وعياً سياسياً في ساحة الاعتصام المغدورة لا يهمه ذلكم الكيد السياسي في الماضي؛ وإنما يهمه هذا الديالكتيك المكاني: (رفع الماضي، واستظهار الحاضر، واستبصار المستقبل). فرفع الماضي هو رفع المربعات الحية فيه ألا وهي أن هناك ثورات شعبية سلمية تحققت في هذا المكان ونجحت في عزل استعمار وديكتاتوريات عسكرية. فهذا هو المجمل في رفع الماضي. أما استظهار الحاضر فاكتمال وعيهم ووعيهن بالمدنية التي هي ستبقى سيادة كل الأحزاب. وهو وعي كبير؛ يلتحم باستبصار المستقبل حيث الممارسة الديمقراطية تخلو من الكيد السياسي. كيف؟

9- بوساطة أساسية جداً هي وساطة: الوعي بالمكان، في أن يحل ذلك الوعي محل التزامٍ أعمى بالطائفة أو الأيديولوجيا أو الأممية. الوعي بالمكان تفكير جديد، وحديث عهد إذا ما قورن بالالتزام الأعمى. الشاهد على ذلك الكلمة التي ألقاها محمد عشري الصديق بمناسبة تخرجهم في كلية الهندسة بكلية غردون عام ١٩٢٩ حيث يشير إلى التعصب. ولأن ذلك كان قبل تكوين الأحزاب السياسية، فإن التعصب المشار إليه في كلمته هو انعكاس للقبيلة أو الطائفة. التعصب شيء مُعطى بالنسبة إلى الإنسان، شيء بدهي، فطري كالأمية. ولأنه كذلك، انتقلت جرثومته نحو أن تسري في الانتماء الحزبي بطريقةٍ عمياء، فيما بعد. فطرية التعصب يمكن التخلص منها، كما يتخلص الإنسان من الأمية. أما الفرق بين الخلاصين، هو أن التخلص من العصبية هو تخلص لا ينتهي – كالأمية – باكتساب التعليم؛ بل باكتساب الوعي بالمكان. التعصب الناتج من الالتزام الأعمى يقفل الفرد في دائرة الحزب وفي دائرة أعضائه، إذ يجعلك قــُفلُ التعصب هذا أن تمدح بصورةٍ مطلقة هاتين الدائرتين، وتعيب بصورة مطلقة كل ما هو خارجهما.

10- مجال الجملة السياسية مجالٌ خفاء؛ ولا يُظهِرُ هذا الخفاء إلا العلاقات المكانية. لذلك يجب أن تكون الجملة السياسية معبَّـأة بتلك العلاقات؛ جملة تخلو من (سوف. . . نعمل كذا) حتى لا تقع الأعمال في التسويف. مما يجعل البرامج الحزبية ذات سيادة مكانية، لا تعلوها أيةُ مجالات أخرى خاوية لا يملؤها إلا التعصب.


عودة الي النظرة العامة