تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

السودان: تعثر مسيرة الفترة الانتقالية

يناير ٣٠ - ٢٠٢١ الخرطوم / راديو دبنقا
أبكر محمد أبوالبشر
أبكر محمد أبوالبشر

 

 بقلم: أبكر محمد أبوالبشر


مضى عامان من عمر حكومة ثورة ديسمبر 2018م الانتقالية، ورغم عظمة الثورة الشعبية الشاملة التي عمت الريف والحضر، ما زالت الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية برمتها في تردي مستمر، يصبح السؤال الموضوعي والملح: ما الذي يجري في السودان؟ ايجازاً، ربما تكمن الإجابة في أننا لا ننظر إلى تاريخ تكوين الدولة السودانية الحديثة بتمعن لنتصور المستقبل، لذلك ظللنا نتخبط في تصوراتنا لأمر البلاد بمشاعر مختلفة لا علاقة لها بالوطن، خاصة في رقعته الجغرافية التي صنعها الاستعمار.
هنا قد تتبادر أسئلة فرعية كثيرة في شأن الأزمة السودانية المستفحلة؛ منها: قد يسأل أحدنا أهي أزمة فكر أو أزمة رؤية لماهية الدولة الحديثة؟ في الواقع لا أخال ذلك، فقد لاحظنا أن عدداً من المفكرين الوطنيين والأكادمين قد كتبوا وصححوا تاريخ السودان المزيف، فنقضوا الزعم الجزافي للتكوين الإثني الآحادي للمجتمعات السودانية، وأجمعوا على أن الدولة الحديثة، يجب أن يتم تأسيسها على دستور لا يميز بين أبناء الوطن الواحد إذ هم جميعاً مواطنون متساوون في القيمة البشرية. مثال ذلك، رؤية الراحل المقيم الدكتور، جون قرنق دي مابيور الذي طرح مشروع "السودانيوية" لعموم البلاد وسعى منظرها إلى تطبيقها إلا أن قوى الضلال وقفت حجر عثرة قوية أمامها مما أدى إلى إنشطار الدولة الواحدة إلى قطرين. وفضلاً عن هذه الرؤية الوطنية هناك الكثير من الأفكار النيرة لانقاذ الوطن إلا أن السياسيين أهملوها بتعمد ولم يأخذوا بها، وكلنا نعلم أن الأوطان تُبنى بالعلم.
من جانب آخر، أهي أزمة ضمير؟ هذا الجانب ربما يشكل إحدى الأضلع الرئيسية في الأزمة السودانية. لذلك يمكن أن نبرر زعمنا هذا بعدد من الأمثلة على رأسها العنصرية البغيضة وتوابعها من نهب مال الدولة، المحسوبية، التطهير العرقي والثقافي، الإبادة الجماعية، التنصل من الاتفاقيات. كل هذه وغيرها كثير الذي مُورِسَ في حقب كل الحكومات الوطنية المتعاقبة، تدل على أن الغالب من القائمين على أمر إدارة البلاد منذ الاستقلال، قد غاب عنهم صفاء الضمير فلا يملكون أي حس وطني نحو الوطن، فقط هم يستغلون السلطة السياسية لتحقيق مصالحهم الذاتية.
في موقع آخر يمكن أن نسأل، أهي أزمة قيادة؟ نعم، قد نجزم أنها الأساس في عدم استقرار البلد رغم أن السودان يعد ثاني دولة في إفريقيا ينال استقلاله من المستعمر الأجنبي. ففي باكورة الاستقلال، ضلت القيادة السودانية غير الرشيدة طريق التوجه الوطني نحو الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي، فبدلاً من أن يلبي الأزهري طلب الإمبراطور هيلا سلاسي - الذي وصفه بمارد إفريقيا – لعقد قمة بينهما بغرض تبشير تجربتهما في نيل الاستقلال السلمي حتى يحذو بها بقية الدول الإفريقية، سافر الأزهري في الموعد نفسه إلى القاهرة وتقدم بطلب لانضمام السودان إلى جامعة الدول العربية، وبالتالي قسم المواطنين السودانيين إلى عرب وغير عرب فلم نجد العافية لهذا المرض المصطنع منذ 65 عاماً إلى يومنا هذا.
أما في ظل حكومة الفترة الانتقالية الحالية، فإنه توجد ثلاثة رؤوس تتحكم في أمر قيادة الدولة السودانية: البرهان، قيادة الجيش والشرطة والأمن والمجلس السيادي. حميدتي، قيادة الدعم السريع – الذي يوازي الجيش السوداني – ونيابة المجلس العسكري والمجلس السيادي. حمدوك، مجلس الوزراء بوجود وزيري الدفاع والداخلية بصفة إسمية إذ لا سلطة فعلية لرئيس الوزراء عليهما. في المبتدأ، ورغم وجود دستور الفترة الانتقالية المؤقت الذي يحدد مهام كل رئيس، لا نعلم بوجود تجربة حول العالم قاد فيها ثلاثة رؤوس حكومة ناجحة ناهيك عن قيادة دولة ذات مشاكل متشعبة كالسودان، وبالتالي لا وجود لهذا الدستور في السودان على أرض الواقع. ألم يفعلها البرهان بفعله إنشاء ما يسمى ب"مجلس شركاء الفترة الانتقالية"، وهو مجلس يمكن أن يطغى على المجلس التشريعي – الذي لم ينشأ بعد. على كل حال يمكن أن نسوق عدة أمثلة لنبرهن بها على الخلل الموجود في القيادة السياسية للفترة الانتقالية، منها: الإنفلاتات الأمنية التي تجري في طول البلاد وعرضها – بورتسودان، كسلا، القضارف، الكنابي في الجزيرة، كادقلي، نيالا، كاس، فتابورنو، كتم، نيرتتي، مورني، الجنينة – ويبقى السؤال من المسئول من الرؤساء الثلاث في استتباب الأمن؟ حميدتي يتفق مع الحلو في إقامة ورش عمل – بوجود خبراء في المجالات المختلفة – ليهتدوا بها في العملية التفاوضية، وهذه أفضل وأنجح الطرق للوصول إلى سلام مستدام، ولكن يأتي الكباشي ويلغي مخرجات ورشة "فصل الدين عن الدولة" بل يصف حمدوك بقوله "من لا يملك يعطي لمن لا يستحق" وهو الذي لا صلة له بملف السلام، إذن هذه دلالة إضافية بعدم وجود قائد واحد للدولة السودانية. في إحدى الأيام خرج حميدتي على الملأ بأن قواته حجزت كميات مهربة من الذهب في مطار الخرطوم الدولي بغية تسليمها لسلطات الجمارك، إلا أن هذه الشحنة غير القانونية قد تم فك أسرها بل سًمِحَ لها بمغادرة البلاد بتصريح من جهة أخرى، يا ترى ما هي تلك الجهة؟ مثل هذا الأمر يمكن أن يحصل في أي بلد يقبع على رأسه مستبد، لكن الشاهد في الأمر هنا، هو صراع رؤوس الدولة الواحدة مما يعطل أي مشروع وطني. في موقف آخر، خرج لنا حميدتي عدة مرات بوعود كثيرة للإصلاح خاصة في الجوانب الأمنية ولم نر أي تنفيذ لهذه الوعود، بل نشهد زيادة في الإنفلاتات الأمنية كل يوم خاصة في إقليم دارفور. وهنا نتساءل، من الذي يعطل تنفيذ مشاريع الإصلاح السياسي مثل قرارات لجنة تفكيك النظام البائد؟
مما سبق لا يسعنا إلا أن نصدق ما يردده الشارع السوداني إصطلاحاً "الدولة العميقة" أي حكومة الظل بزعامة المؤتمر الوطني. إذن هي موجودة بقوة فلا يقدر على مقاومتها رؤساؤنا الثلاث بل هم ينفذون ما تأمرهم به الدولة العميقة. فقد منعتهم من إرسال المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية الدولية – عمر البشير، عبدالرحيم محمد حسين، أحمد هارون – إلى لاهاي، وبما أن السودان عضو أصيل في منظومة الأمم المتحدة، يعتبر تعطيله هذا مخالفة لطلب المنظومة الأممية في تسليم المطلوبين جنائياً. الدولة العميقة لا تسمح للرؤساء أن يقدموا أعضاء النظام البائد المحجوزين منذ عامين في سجن كوبر إلى المحاكمات العادلة. الدولة العميقة تمنع لجنة المحامي أديب نبيل عن الإفصاح لمخرجات التحقيق في مجزرة فض الإعتصام أمام القيادة العامة. الدولة العميقة ما زالت تشعل الحروب الدامية في دارفور والرؤساء الثلاث لا يقدرون على إطفاء نيرانها. لذلك علينا أن نتساءل بتجرد، لماذا الثورة؟ لتحقق ماذا؟
منذ الاستقلال خاض السودانيون ثورة تلو أخرى، سلمية ومسلحة، كانت كلها بلا إستثناء من أجل التغيير لإثبات الوحدة وتعميم الاستقرار السياسي، لكن جميعها باءت بالفشل في تحقيق الأمل المنشود، وهذا هو موضوع مقالنا هذا بسؤال محوري هو، من أجل ماذا قامت الثورة التي قدمت الأرواح الطاهرة من الشباب الواعد؟ الإجابة بالطبع هي من أجل التغيير الجذري للمنظومة السياسية الفاشلة بامتياز. هذا التغيير المنشود لا يتم إلا في ظل الفترة الانتقالية، لذا كان لا بد من الإطاحة بالسلطة المستبدة بلا رجعة، ليأمل الثوار في مرحلة انتقالية تحقق لهم آمالهم، لكن يبدو أن الانتظار قد يطول. لذلك دعنا نتعرف على ماهية الفترة الانتقالية ومهامها.
يبدو لي أن مفهوم الفترة الانتقالية قد ظهر في القرن الثامن عشر الميلادي، حينها عٌرِفت الفترة الانتقالية على أنها عصر التنوير حيث شهد ولادة حركة أدبية جديدة تأثرت بأفكار الفلاسفة حيث أصبح العلم السلطة الجديدة والمبدأ الحاكم لسلوك المجتمعات الإنسانية. على العموم تًعد الفترة الانتقالية في العصر الحالي على أنها تلك المرحلة الحاسمة التي يتم فيها تحديد نتائج الثورة، وبالتالي يمكن التنبؤ بالنتائج الإيجابية أو السلبية للثورة من خلال هذه المرحلة الانتقالية، ويمكن أيضاً أن يتم فيها فرز القوى التي تتصارع فيما بينها.
في العرف العام، تعد الفترة الانتقالية تلك التي تتغير فيها الأشياء من حالة إلى أخرى. بمعنى آخر، يشير مفهوم الفترة الانتقالية في أوسع معانيه إلى العمليات والتفاعلات المرتبطة بالانتقال أو التحول من صيغة نظام حكم غير مرغوب فيه جماهيرياً إلى صيغة نظام حكم ديمقراطي. لذلك هي مرحلة طبيعية وحتمية في أي تحول ديمقراطي وغالباً ما تكون مرحلة ضبابية في كثير من الدول التي كانت لعقود مديدة تحت قبضة الاستبداد، كحالة السودان التي سقطت فيها رؤوس نظام الجبهة الإسلامية إلا أن النظام نفسه بمؤسساته ما زال باقياً وأصحاب المصالح المرتبطين به لم يسقطوا بل لا يزالون يقاومون ويحاولون العودة إلى الحكم لمزاولة الفساد من خلال طرق ملتوية، لذلك تظهر من حين لآخر المحاولات المستميتة لإسقاط هيبة الدولة واضعاف سلطة الأمن.
لذلك فإن الفترة الانتقالية هي المرحلة الفاصلة بين نظام سياسي وآخر، فهي وضع مؤقت يأتي بعد وضع غير مرغوب فيه استمر فترة من الزمن، يرجى تغييره في استشراق عمليات تغيير وتحول. من هنا فإن المرحلة الانتقالية لها جانب زمني، وهو يتسم بالفترة الزمنية المحدودة التي يجب ألا يسمح فيها بالفراغ. بمعنى أن المرحلة الانتقالية هي الفترة ما بين سقوط النظام المستبد وتشكيل حكومة ذات شرعية دائمة منتخبة ديمقراطياً وفق دستور دائم، لذلك يتم تقسيمها إلى مرحلتين: الأولى، يتم فيها تكوين سلطة مؤقتة - حتى لا يحدث فراغ دستوري - لتكون البديل الفوري للنظام بعد سقوطه، المجلس العسكري بعد سقوط البشير، مثالاً. أما المرحلة الثانية فيتم فيها اختيار حكومة وحدة وطنية انتقالية من القوى السياسية ومن الشخصيات الوطنية وأصحاب الكفاءات لتتولى إدارة الدولة إلى حين تشكيل حكومة شرعية منتخبة ديمقراطياً وتكون سلطتها محكومة بفترة زمنية محددة. ففي أثناء عملية الانتقال هذه أو في أعقابها، يتم تدعيم النظام الجديد. هنا علينا أن نعلم، أن عملية الانتقال لا تحسم دائماً الشكل النهائي لنظام الحكم، كما حدث في أكتوبر 1964م وإبريل 1985م، فهي قد تؤدي إلى تحلل النظام التسلطي وإقامة شكل من أشكال الديمقراطية، وقد تتم فيها العودة إلى بعض أشكال الحكم التسلطي البائد، حال الدولة العميقة حالياً في السودان وأيضاً مثل ما حدث في باكستان العام 1977م عندما أعلن "ضياء الحق" الفترة الانتقالية هناك مدتها ستة أشهر، ومع ذلك استمر في الحكم إحدى عشر (11) عاماً، وأيضاً في مصر أعلن "جمال عبد الناصر" مرحلة الانتقال مدتها عامان، ولكن حكمه استمر ثمانية عشر (18) عاماً منذ ذلك الإعلان.
لقد فشلت كل الحكومات السودانية – مدنية وعسكرية – التي تعاقبت على حكم البلاد منذ الاستقلال في عمل دستور وطني، خاصة في فترات البرلمانات الثلاث (الجمعيات التأسيسية الثلاث). لذلك نرى أن المرحلة الانتقالية الحالية هي أفضل وأنسب فترة يتم فيها وضع دستور وطني دائم على هدى التعاقد الاجتماعي، وبذلك سيتم تأسيس الدولة السودانية الحديثة التي فشلت فيها النخب التي حكمت منذ الاستقلال العام 1956م.
في الواقع، الفترة الانتقالية ليست مرحلة تسيير أعمال الدولة، بل هي انطلاقة إلى بناء نظام سياسي جديد والسعي إلى تكوين تعاقد سياسي ومجتمعي جديد في إطار استراتيجية واضحة وفي إطار خطوات تدريجية متراكمة يمكن أن تحدث أثراً في عملية الإصلاح الجذري في المجتمع، إذن لا بد أن تكون للفترة الانتقالية في السودان مراحل مخططة ومدبرة تنفذ بروح وطنية عالية وتقوم على الوصل بين الاستراتيجي والمرحلي والمخطط. وبالتالي فإن الإدارة السياسية يجب أن تشتمل على مهمتين أساسيتين: (أ) وضع أسس النظام الجديد (ب) إدارة الشئون اليومية للدولة والمواطنين لحين اختيار الشعب السلطة المنتخبة لتنوب عنه في إدارة شئون الدولة.
في السودان بدأت الإدارة السياسية للمرحلة الانتقالية بعد سقوط البشير في 11 إبريل 2019م، بمرحلتين: الأولى مرحلة إدارة الدولة بدون دستور بقيادة المجلس العسكري الانتقالي والمرحلة الثانية: عندما تم الاتفاق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس اللعسكري الانتقالي على دستور الفترة الانتقالية في أغسطس ومن ثمّ أداء الدكتور عبدالله حمدوك، اليمين الدستورية في 21 أغسطس 2019م رئيساً لوزراء السودان – الجهاز التنفيذي - في الفترة الانتقالية. لذلك فإن أهمية وخطورة المرحلة الانتقالية تنبع من كونها تشكل مسار الحركة ما بين نظام الجبهة الإسلامية البائد والنظام الجديد المرجو تحقيقه، فهي إذن ستشهد عملية متزامنة ومتوازنة من الهدم والبناء، مثالاً، أعمال لجنة التفكيك وأعمال لجنة السلام، وعليه فإن إدارتها تتعلق بوضع برامج محددة لتحقيق انجاز في عدد من الملفات الملحة التي تشكل البنية الأساسية والتحتية لعملية الانتقال، ولعل من أهمها استعادة الأمن والاستقرار المجتمعي، سواء في الضروريات الاقتصادية والحياتية، أو في الأمن من أخطار وتحديات. من هذا المنطلق، فإن الاجماع الوطني الذي قاد الثورة الديسمبرية العظيمة وحقق النصر المؤزر، هو للحاجة إلى دستور جديد متسق النصوص يُثَمِن الحريات ويؤسس لنظام سياسي ديمقراطي قادر على تحقيق السلام المستدام والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. لذلك تحتاج السلطة المؤقتة في الفترة الانتقالية أن تكون في حالة سباق مع الزمن لتركز جهودها في ترتيبات وضع دستور وطني دائم ليصادق عليه الشعب السوداني في استفتاء عام. علينا أن نتذكر دائماً فشل كل الحكومات المتعاقبة في وضع الدستور الدائم، خاصة حكومات الأحزاب السياسية فقد قضت كل أوقاتها في مناكفات بين بعضها فمهدت الطريق للعسكر لتولي السلطة ثلاث مرات. لذلك يجب ألا تضيع هذه المرحلة المفصلية كسابقاتها.
إضافة لما سبق، يجب أن تكون أعمال حكومة المرحلة الانتقالية مركزة في الأولويات التي لها علاقة بحياة الناس مثل الأمن والاستقرار والخدمات الصحية والغذائية والتعليم والتأهيل وبناء المؤسسات الدستورية والإدارية وتوفير الخدمات الاجتماعية، وخلق مناخ دستوري لا يحتاج فيه خروج المواطنين إلى الشارع لنيل حقوقهم. فضلاً عما سبق، يحق لحكومة الفترة الانتقالية أن ترشد ممارسة الديمقراطية على مستوى المجتمع المدني بإعادة بناء المنظمات المهنية والاتحادات والنقابات والبدء في اختيار قياداتها عن طريق انتخابات حرة ونزيهة تشمل الإدارة الأهلية تحت إشراف جهات قضائية.
نحن ندري تماماً بأن الذي يجري من الإفلات الأمني في السودان خاصة في إقليم دارفور، هو بتخطيط وإدارة مبرمجة من الدولة العميقة، يقولون في الأمثال "الشر بعمر لكن لا ينتصر". لذلك عندما نرى تقاعس حكومة المرحلة الانتقالية في معالجة قضايا الناس الحياتية من تأمين لحياتهم ومعاشهم، ناهيك عن التلكؤ في اتخاذ الخطوات الايجابية اللازمة لصناعة الدستور ومن ثمّ تمهيد الطريق لممارسة الديمقراطية، يتأكد لنا أن ثورة تصحيحية عارمة لا محالة قادمة، وستكون ثورة سلمية بصورة تفاجئ الجميع. ويبقى السؤال الموضوعي، هل يستطيع الرؤساء الثلاث مقاومة هذه الثورة الماردة؟ بالطبع لا أخال ذلك، وبما أنه ليس في مقدورهم مقاومتها، عليهم بتغيير مسار إدارة الدولة، اليوم قبل الغد، بنسبة مئة وثمانين درجة. المثل العامي يقول "لو قالو ليك راسك مافي أهبشو" وهو يعني أن الطريقة التي تتعامل بها معوجَة فعليك تعديلها.
يبدو أن الرؤساء الثلاث قد صدقوا أن قوة الدولة العميقة أقوى وأضخم من قوة الملايين من الثوار الذين أطاحوا بالطاغية البشير، لكن نقول لهم أنهم وقعوا في خطأٍ تاريخي جسيم لا يغتفر. لذلك وجب عليهم أن يعلموا أن شعار "السلمية" الذي يرفعه الجيل الجديد من الثوار، هو في واقع الأمر ترجمة حقيقية لمعاني الحضارة الحديثة، وتاريخ البشرية يوضح بجلاء إثبات تغليب الحضارات على التقاليد، لذلك سيسود شعار "السلمية" مهما عمِلَت الدولة العميقة من محاولات مستميتة لإخماد صوت الثورة العظيمة.
في ختام هذا المقال، أوضحنا أن مفهوم الفترة الانتقالية محكوم بزمن محدد، طال أم قصر، وأن مهامها في حال السودان تقوم على أعمال محددة على رأسها البنية الأساسية والتحتية لعملية الانتقال، ولعل من أهمها استعادة الأمن والاستقرار المجتمعي وتأمين الضروريات الاقتصادية، كل هذه لتمهد للدستور الدائم الذي هو أساس مهام الفترة الانتقالية.


عودة الي النظرة العامة