اللِّسَانْ خَوَاجَةْ!

بشأن اقتراحي، ضمن الرُّوزنامة الماضية، تخصيص غرفتين لبرلمان ما بعد الفترة الانتقاليّة، احداهما للدَّوائر الجُّغرافيَّة، والأخرى لـ “القوى الحديثة”، شاملة القوات النِّظاميَّة، كاتبني الصَّديق عدلان عبد العزيز يقول: في الاقتراح مفارقتان:

كمال الجزولي

 

 

 

 

 بقلم : كمال الجزولي

 

 

روزنامة الأسبوع

 

الإثنين

بشأن اقتراحي، ضمن الرُّوزنامة الماضية، تخصيص غرفتين لبرلمان ما بعد الفترة الانتقاليّة، احداهما للدَّوائر الجُّغرافيَّة، والأخرى لـ “القوى الحديثة”، شاملة القوات النِّظاميَّة، كاتبني الصَّديق عدلان عبد العزيز يقول: في الاقتراح مفارقتان:

الأولى: أن عبد الله خليل كان يمثِّل “القوى الحديثة” في حزب الأمة، لكنه سلم السُّلطة للجيش في 17 نوفمبر 1958م. وأن الشِّيوعيِّين حصدوا دوائر الخريجين قبل حلهم وطرد  نوَّابهم من البرلمان، لكنهم أيَّدوا انقلاب 25 مايو 1969م. وأن الإسلاميِّين حصدوا دوائر الخريجين في الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة، لكنهم انقلبوا عليها في 30 يونيو 1989م. وهكذا فإن “القوى الحديثة” لا تمنع الانقلابات.

الثَّانية: أن مقاومة انقلاب البرهان أرغمته على التَّصريح بأنه والجَّيش لا يريدان الحكم، ومستعدان للخروج من المشهد السِّياسي إذا توفر وفاق وطني. وأن المزاج الجَّماهيري والوعي السِّياسي لن يسمحا بأي انقلاب.

وخلص عدلان إلى أن المطالبة بغرفتين، إحداهما لـ «الدَّوائر الجُّغرافيَّة»، والأخرى لـ «القوى الحديثة»، بما فيها «القوَّات النِّظاميَّة»، شاملة «القوَّات المسلحة»، دعوة غير موفقة. والأفضل برلمان من غرفتين، إحداهما «جُغرافيَّة» وفق الثِّقل السُكاني، والأخرى أيضاً «جُغرافيَّة”،  لكن وفق الأساس الجِّهوي، لتحقيق تمثيل عادل للأقاليم ذات الكثافة السُكانية المنخفضة. أمّا “القوى الحديثة” فعليها التَّنوير وسط القوى التَّقليديَّة لكسبها انتخابيَّاً،  ومساعدة أبناءها المستنيرين ليصبحوا ممثليها في البرلمان.
إنتهت رسالة عدلان. وليسمح لي بما يلي تعقيباً عليها:

(1) ليس صحيحاً أن عبد الله خليل كان يمثِّل «القوى الحديثة» في حزب الأمَّة! بل ان المعنى نفسه لا يستقيم!

(2) مَن تحالفوا مِن قيادة الشِّيوعيِّين مع مايو كانوا عناصر البرجوازيَّة الصَّغيرة الذين رأوا فيها سلطتهم، بحسب مختار عبد الله، السِّكرتير التَّنظيمي الحالي للحزب، في المؤتمر التَّداولي عام 1970م!

(3) لو ان الإسلامويِّين كانوا يمثِّلون “القوى الحديثة” في الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة، بحق وحقيقة، لما انقلبوا عليها!

(4) تنجح الانقلابات  في بلادنا ليس بسبب “وعي الجَّماهير السِّياسي”!

(5) لئن كانت “غير موفقة” الدَّعوة لغرفتين، إحداهما لـ “القوى الحديثة”، فمن باب أولى ألا تكون موفَّقة الدَّعوة لغرفتين كلتاهما لـ “الدَّوائر الجُّغرافيَّة”!

(6) الدَّعوة لأن تعمل “القوى الحديثة” لكسب دعم “القوى التَّقليديَّة” الانتخابي، يوتوبيا تجرِّد الصِّراع من طبيعته الطبقيَّة، ليمسي محض تنافس على إدارة نادٍ رياضي!

(7) المعادلة الأمثل في تمثيل المدن والأرياف أرساها قانون “سوكومارسون” الذي وسَّع، مثلاً، حجم الدَّائرة الجُّغرافيَّة في الأرياف، وضيَّقتها في مناطق الانتاج الحديث؛ وجعل للرُّحَّل “كليَّات انتخابيَّة electoral colleges” بالمغايرة لقاعدة وستمنستر “صوت واحد للشَّخص one man one vote”؛ كما ابتدع الصَّوت الإضافي لخرِّيج الثَّانوي، آنذاك، بحيث يصوِّت في الدَّائرة الجُّغرافيَّة وفي دوائر الخرِّيجين الخمس التي كان مأمولاً تطويرها لتشمل مجمل تيَّار الاستنارة وسط “القوى الحديثة” المنخرطة في عمليَّات الإنتاج الحديث، وتسيير دولاب الإدارة في الدَّولة العصريَّة. لكن، بدلاً من ذلك، ألغيت حتَّى دوائر الخرِّيجين في 1958م! ليعاد العمل بها في1965م، بعد زيادة عددها إلى 15، وتخصيصها لخريجي الجَّامعات؛ ثمَّ ألغيت في 1967م، لتعاد في 1986م!

(8) الخطَّة الأكثر جديَّة لتمثيل «القوى الحديثة» كادت ترِد، للمفارقة، ضمن النِّظام الانتخابي المايوي (1969م ـ 1985م)، بعنوان «تحالف قوى الشَّعب العاملة: العمَّال ـ المزارعين ـ المثقَّفين ـ الرَّأسماليَّة الوطنيَّة ـ الضُّبَّاط والجُّنود»، لولا أنها جاءت مخنوقة بالشُّموليَّة القابضة.

(9) ولدى انتفاضة أبريل 1985م، كان نموذج «الخرِّيجين» أضيق من «القوى الحديثة»، مثلمـا كان نمـوذج «تحالف قوى الشَّـعب العاملة» مشروطاً بغلِّ حريَّة التَّنظـيم.

(10) عليه، ولأن «القوى الحديثة» لن تتخلى عن حقِّ التَّمثيل البرلماني، و«القوى التَّقليديَّة» ستواصل مناوءة ذلك الحق، فيلزم التَّحوَّل للمطالبة بغرفتين، إحداهما لـ «القوى الحديثة»، بما فيها «القوَّات النِّظاميَّة ـ القوَّات المسلحة»، بحيث لا تُحسم القرارات الكبيرة إلا بالتَّصويت في الغرفتين معاً!

الثُّلاثاء

أهداني الصَّديق جمال عبد الرَّحيم نسخاً من كتبه الثَّلاثة الصَّادرة عن دار المصوَّرات: «الحجاب بين الدِّين والتَّقاليد» بتقديم رشا عوض، و«الشَّريعة بين تعاليم الدِّين وأوهام البشر: مشروع رؤية لتأسيس فقه بديل» بتقديم المحبوب عبد السَّلام، و«الدِّين والدَّولة: مشروع رؤية لفكِّ الاشتباك» الذي تشرَّفت بالتَّقديم له. الإصدارات الثَّلاث إضافة معتبرة للمكتبة السُّودانيَّة. ولا أغالي إن وصفتها بما وصف به أبو عُثْمان الجَّاحظ الكتب الجِّياد، عموماً، على أنها بمثابة «الجُّلساء الذين لا يطرونك، والأصدقاء الذين لا يغرونك، والرفقاء الذين لا يملُّونك، والأصحاب الذين لا يريدون استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملونك بالمكر، ولا يخدعونك بالنِّفاق، ولا يحتالون عليك بالكذب».

الأربعاء

كتب عثمان ميرغني في «حديث المدينة»، وصدق: «أن المدهش في تصريحات غندور، بعد خروجه من السِّجن، أن الثورة العظيمة التي أضيفت، في سجلات التَّاريخ، إلى سابقتيها أكتوبر 64 وإبريل 85، لا تبدو في السِّياق الذي رسمه إلا (فاصل ونواصل)، عبرة بلا مُعتَبِر، و كتاب بلا درس، وتجربة بلا مضمون»!

الخميس

في السُّودان نخصُّ «الأفرنجي» بلقب «خواجة»، وبالإمكانات المعجزة، فضلاً عن فصاحة اللسان! وصديقي المناضل العمَّالي علي عسيلات معروف باستخداماته البارعة لتعبيرات الدياليكتيك الشَّعبي، ومنها عبارة «اللسان خواجة» التي أجزم بأنني لم أفهمها، قط، كما فهمتها يوم استمعت لكلمة «الخواجة فاسيلي نيبينزيا» مندوب روسيا بمجلس الأمن الَّدولي، في جلسة 26 فبراير التي انعقدت للتَّصويت على مشروع القرار الأمريكي المدعوم من ألبانيا «يستنكر بأشد العبارات عدوان روسيا على أوكرانيا، داعياً إيَّاها لسحب قوَّاتها منها فورا»!  لقد تحوَّل ذلك «الخواجة» إلى «حاوٍ» يبرِّئ الجَّاني ويدين المجني عليه، متلاعباً بالألفاظ وبالوقائع معاً، رافعاً أو خافضاً طبقات صوته، حتَّى ليكاد يقنعك بأن ما تراه بأمِّ عينيك ليس إلا محض وهم!

إن لي في العاصمة الأوكرانيَّة كييف ذكريات عذبة تجعل من استهدافها بالتَّدمير استهدافاً لجزء من تاريخي الشَّخصي. وقد سارع، مشكوراً، صديقي عبد الله علي ابراهيم، لمواساتي في هذا الخطب، برسالة مؤثَّرة تحت عنوان: «محمد المهدي مجذوب في كييف: مات وفي نفسه شيء من شيفشنكو»! قال: زرت كييف الجَّريحة في وفد لأدباء السُّودان عام ١٩٦٧م. ولو سألتني عمَّا بقي لي من تلك الزِّيارة لما زدت عن تاراس شيفشنكو وحـبيبنا محمـد المهـدي مجـذوب صاحـب (نار المجاذيب). وشيفشنكو (١٨١٤-١٨٦١م) شاعر ورسام ومناضل أشوس لحريَّة أوكرانيا من روسيا القيصريَّة. ويعتبر، بلا منازع، مؤسس أدب أوكرانيا الحديث، وضمير أمته. ولد في الرِّق أو القنانة. وتيتَّم في عمر الحادية عشر. واشترى من عائد رسوماته حريَّته في ١٨٣٨م. وألهمت كتاباته حلم أوكرانيا بالحريَّة، بينما جلبت له غضب الأمن الرُّوسي. ولم يُنشر أكثر شعره بحياته. فاعتقله أمن القيصر، ونفاه عن أوكرانيا بغير محاكمة، وزجه زجَّاً في الخدمة العسكريَّة في ١٨٤٧م، ولم يطلق سراحه إلا بعد عشر سنوات. وسمَّى شيفشنكو منفاه “سجن بلا بوَّابات”! وفي ١٨٥٩م أذنوا له بالعودة إلى أوكرانيا، لكن سرعان ما اعتقلوه بتهمة الزَّندقة، وأخذوه إلى سنت بطرسبرج، حيث مات في ١٨٦١م.

في ذكرى وفاته المئوية أجاز الكونغرس الأمريكي مرسوماً في ١٩٦٠م بإقامة نصب في واشنطن تخليداً لذكراه. وقال أيزنهاور في المناسبة إنه “عبَّر ببلاغة عن عزيمة الإنسان التي لا تخمد ليناضل من أجل الحريَّة، وإيمانه الذي لا يتزعزع في أن النَّصر لا محالة”. وأهدت أمريكا النَّصب “لحريَّة واستقلال الأمم المضطهدة”. وليس من مدينة كبيرة في الولايات المتحدة لا تخلد ذكراه بمعلم من معالمها، كشارع شيفشنكو في نيويورك، وحديقة شيفشنكو في فيلادلفيا.

كان المجذوب زميلي الوحيد في الوفد. وكان هدية من الله، والله بهدي الجَّنَّة! أطلعني، وأنا الشَّاب الغضُّ الشِّيوعي، على دروس عزَّزت، إلى يومنا، سودانيَّتي، وإسلامي، وشيوعيَّتي في آن. اذكر واحدة، فالمقام ضيِّق. أخذونا، ضمن برنامجنا، إلى مسجد في أوزبكستان. وما كنَّا عند بابه حتى خلع المجذوب نعاله، وتبعته بإحسان. وفوجئنا، ونحن نعتب إلى داخله، بأنه بات صالة لتنس الطاولة! تلك الفطرة من المجذوب لفتت انتباه المرافق الذي نقلها، بالطبع، لاتِّحاد الأدباء السُّوفييت. ومن يومها لم يخف عليّ الاحترام الذي يقدح من عيون المضيفين للمجذوب. أما درسه لي فكان أن المسـاجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا، وأن لتنس الطاولة صـالاته، وللربِّ حرمه!

غلب الحديث عن شيفشنكو في زيارتنا القصيرة لكييف. وكانت قصيدته “وصيتي” واسطة العقد. وكان اتفق لاتِّحاد الكتَّاب في الجُّمهوريَّة ترجمتها إلى لغات العالم كافَّة. وتصادف أنها لم تعرَّب بعد. فسألونا إن كنَّا نرغب في نقلها إلى العربيَّة. وبالطبع تولى المجذوب التَّعريب. وبدا لي في اليوم التَّالي أنه كمن لم يغمض. جاءني وملء يديه مسودات تعريبه لها. بدا لي أن من وراء كلِّ جرح في القصيدة، وتعديل، غصص شاعر. وقرأ علىَّ نصَّه الذي اصطفاه، وأمَّنت على جماله، وعدَّها مجاملة منِّي. وكان في نفسه شيء من شيفشنكو حتى سلمهم النَّصَّ الأخير لتعريبه. وتجد أدناه محاولتي العرجاء لتعريب القصيدة.

[حين أموت دثِّروني بتراب أوكرانيا الحبيبة/ واجعلوا شاهدي فوق قبر على التلة/ وسط السَّهل الممراح/ لترى عيوني الحقول والسَّهل الذي بلا مدى/ وشاطئ الدنيبر الغريق/ وتسمعها جميعاً أذني/ خلل زئير ذلك النَّهر العاتي/ حين يتحامل الدنيبر على نفسه من أوكرانيا متلاشيا في زرقة البحر العميقة/ يا ليوم مثله أرى فيه دماء الأعداء/ وحينها سأرتحل/ عن هذه التِّلال والحقول الخصيبة/ سأغادرها جميعاً وأحلق بعيداً/ لرحاب الرَّب/ وحينها سأصلي/ ولكن حتى يأزف هذا اليوم/ لست أعلم عن الرَّب شيئاً/ أدفنوني وانهضوا جميعاً/ وحطموا قيودكم الثَّقيلة/ واسقوا بدم الأعداء/ الحريَّة التي نلتموها/ وفي رحاب هذه العائلة الجَّديدة/ عائلة الأحرار/ تذكَّروني أيضاً بالقول الرَّقيق السَّخي]

ولبَّت أوكرانيا “وصية” شيفشنكو أن يدفن على تلة في ثرى أوكرانيا، فقبره ظاهر يزار عند تلة تاراس “تلة شيرنيشيا سابقاً” عند نهر الدنيبر.
إنتهت رسالة عبد الله، وقد رددت عليها قائلاً: «أشكرك وأنت تهديني بهذه الرسالة الرقيقة مؤازرة نبيلة لعاطفتي المطعونة إزاء هذه المدينة الحبيبة، فتثير كوامن أشجان بلا عدٍّ، وأحزان بلا حد، وأنا أنظر لمراتع الصِّبا الباكر، والشَّباب الغضِّ، تنال منها معاول الدَّمار والخراب، وهي التي كانت يوماً رمز جمال يانع، وطلاوة لامعة .. حبيبتي عاصمة أوكرانيا القائمة على مجموعة تلال بما قد يُشعرك، أحياناً، وأنت تعبُرها بالسَّيَّارة، خصوصاً أثناء الليل، بأنَّك إنَّما تطلُّ عليها من علٍّ، بينما قد يُشعرك، أحياناً أخرى، بأنَّك إنَّما تشخص إليها من أسفل! كييف من أجمل مدائن أوربَّا السِّياحيَّة التي تقرن بين عراقة الأصل والمحتد، وحداثة الطَّبع والمزاج. فبقدر ما تضوع أعطافها بعبق التَّاريخ، تدلُّ عليه كثرة التَّماثيل، والنُّصُب التِّذكاريَّة، والمتاحف الوطنيَّة، والعلميَّة، والعسكريَّة، كمتحف الحرب الثَّانية يقوم عليه تمثال “البطريرك” الشَّهير؛ تعجُّ، في ذات الوقت، بالفنادق الأنيقة، والمطاعم الفخمة، والمقاهي الرَّاقية، ومختلف وسائل التَّرفيه الممتعة، والمواصلات المريحة، من سيَّارات الأجرة، والترولليبصَّات، والأوتوبيسات، والترامات، ومتروهات الأنفاق.  وعلى كثرة معاهد العلم في المدينة، إلا أن جامعتنا “جامعة كييف Kiev State University ـ المسمَّاة باسم شيفشينكو” هي أبرزها بلا منازع. وتتكوَّن من ثلاثة مبان ضخمة؛ الأحمر “الرَّئيس” الذي يضمَّ مقرَّات الإدارة العامَّة، بالإضافة إلى بعض كليَّات العلوم التَّطبيقيَّة، ثمَّ الأصفر ويحوي كليَّات الفلسفة، والصَّحافة، والقانون الدَّولي والعلاقات الدَّوليَّة، والأخضر الذي يحوي المكتبة، والإدارة الماليَّة. وتتوسَّط هذا المثلَّث حديقة ضخمة يقوم في منتصفها تمثال الرَّمز الذي تحمل الجَّامعة اسمه .. شاعر الوطنيَّة الأوكرانيَّة “تراس شيفشينكو” الذي أطنبت رسالتك، بحق، عنه. ومن هنا يتحدَّر شارع “برستلتوفسكي بروسبكت” الذي سرعان ما يفضي إلى جادَّة “الكريشاتيك” الواسعة، الشبيهة إلى حدٍّ كبير بجادَّة “الشانزليزيه” الباريسيَّة، والتي يعجُّ جانباها، مثلها تماماً، بأرقى المحلات، وأفخم المطاعم، وأشهر المسارح، ودور السينما، والمعارض، وقاعات المحاضرات، وصالات الموسيقى. يليها “شارع تشونيفوهو” الذي يُعتبر من المواقع السِّياحيَّة البارزة رغم أنه يضمُّ أغلب مؤسَّسات الدَّولة الرَّسميَّة. وهناك، من أشهر الشَّوارع، أيضاً، “شارع كراستازدفوزنيي ـ النَّجمة الحمراء” الذي يقع على أحد جانبيه مبنى النُّزل الطلابي التَّابع لكليَّة الجَّامعة التَّحضيريَّة، وقد قضيت به عام تعلم اللغة الرُّوسيَّة، و”شارع الكنيسة” على امتداد شاطئ “نهر الدَّنيبر” الذي يمكن للسُّوَّاح والعائلات قضاء أجمل الأوقات فيه، نهاراً وليلاً. وعلى ذكر “الدنيبر”، فإن من أميز شواطئه التي تزيِّن المدينة، وتقدِّم خدماتها لهواة السِّباحة وصيد السَّمك، شاطئ “باتون” الشبيه بجزيرة صغيرة في منتصف النَّهر، حيث يمكن العبور إليه باستخدام السُّفن النَّهريَّة، أو القوارب الصَّغيرة من تحت “برج باتون”؛ وثمَّة، أيضاً، شاطئ “بديسترين” القريب من البرج الذي يحمل ذات الاسم؛ فضلاً عن شاطئ “حديقة هيدرو” وسط النهر، أيضاً، قريباً من “برج مترو” المقابل لمجمع الوزارات، ويمتاز بخدماته السِّياحيَّة الرَّاقية.

والآن، كيف، يا صديقي، لا تتصعَّد من صدري زفرة حرَّى، حين أبصر، عبر التِّلفاز، كلَّ هذا وغيره تنقضُّ عليه ضواري الإمبرياليَّة من كلِّ حدب، وجراؤها من كلِّ صوب، ولا أستثني من ذلك سلطة القوميِّين النَّازيِّين الأكارنة أنفسهم، دون أن أعفي من المسؤوليَّة تفريط “رفاقنا” القدامى .. عشرات السِّنين .. غفر الله لهم؟!

الجُّمعة

بقرار من قائد الدَّعم السَّريع تشكَّلت مفوَّضيَّة مستقلة لأراضيها وعقاراتها. مدير مكتب  حميدتي أبلغ وزير الحكم الاتِّحادي بالقرار الذي يعود، بالأساس، لاستحوازهم على عقارات كانت تتبع للمؤتمر الوطني، ويريدون تسجيلها باسم الدَّعم السَّريع. وشمل القرار الحصول على تصديقات أراضٍ جديدة بجميع الولايات، وإكمال تسجيلها باسم الدَّعم السَّريع، بما فيها أراضٍ سكنية لضبَّاطهم، وضبَّاط صفهم، وجنودهم، بجميع الولايات. كما حدَّد القرار سلطة المفوَّضيَّة في الاطلاع على الوثائق الضَّروريَّة التي تعينها في عملها، وتكوين مجموعات عمل مساعدة، والاستعانة بمن ترى لإنجاز مهامها، والتَّوقيع على جميع المستندات، والأوراق الثُّبوتيَّة الخاصَّة بعملها، على أن ترفع تقريراً شهريَّاً لقائد الدَّعم السَّريع!
وبعد .. إن لم تكن هذه دولة داخل الدَّولة، فكيف، تراها، تكون الدَّولة داخل الدَّولة؟!

السَّبت

بدعوة من شركة «دال»، في احتفائيَّتها الفخيمة، مساء السَّبت 16 أبريل 2022م، تكريماً لأميرنا وصديقنا الشَّاعر الكبير محمَّد المكي ابراهيم، العائد، مؤخَّراً، من مهجره الأمريكي، شاركت بكلمة قصيرة تحت عنوان «الطَّرَافَةُ وخِفَّةُ الظلِّ كَعُنْصُرَي عُذُوبَةٍ فِي شِعْرِيَّةِ وَدْ المَكِّي». وقد ارتأيت أن أخرج من طقس العاطفيَّات المعتادة، في مثل هذه المناسبات، كي أدلف إلى معنى آخر ربَّما كان أكثر نفعاً، لأضئ حزمة خاطرات عنَّت لي من عُشرة طويلة معه، ومع فنِّه المجوَّد، فركَّزت على خاصيَّة «الطَّرافة» و«خفَّة الظِّل» المائزة لشخصيَّته الودودة، وتوظيفه لها كعنصر عذوبة في شعريَّته المتفرِّدة. ففي تعامله، سواء مع البشر أو الأشياء، لا يكتفي مكي بالوقوف عند الأسطح الملساء، بل يتقصَّى «الطرافة» و«الرؤية المدهشة»، بفراسة مشهودة، وراء خشونة الجُّدُر، واعوجاج السُّدوف، وانحدارات السُّقوف، وتعرُّجات المماشي الأماميَّة، والتواءات الشَّوارع الخلفيَّة. ولعلَّ في ذلك تفسيراً وافياً لانفجار «الطريف» و«المدهش» في جُلِّ ما يصدر عنه. ومعلوم أن «الطريف» و«المدهش» لا يتأتَّيان إلا لروح خفيف يحلق في الآفاق بزكاوة وهَّاجة، وذكاء وقاد، وتلك قسمة لا تُوهب، قطعاً، إلا لمن أوتي حظاً عظيماً! وما أيسر التماس نماذجهما في كثير من ابداع مكي، شعراً أو نثراً، رغم أنني، من الزَّاوية النَّقديَّة البحتة، لست من أنصار «نظريَّة المطابقة»، ضربة لازب، بين المبدع وإبداعه، فإن حدث ووقع شئ من ذلك، أحياناً، فينبغي التَّعاطي معه بحذر، وفي أضيق الحدود، على أن ذلك آمر آخر!

في السِّياق أذكر واقعة تشهد على أن طرافة، وزكاوة، وخفَّة ظلِّ مواقف مكي لا تقتصر عليه وحده، بل غالباً ما تنتقل عدواها منه إلى الآخرين في تلقائيَّة ويسر. ففي مناسبة جمعتنا معه في بيتنا، ذات نهار في منتصف عقد الألفيَّة الأوَّل، نحتفي بعودة باكرة له من أمريكا بعد غياب سنوات طوال، وقد كان ثمَّة شعراء وأدباء ومفكرون وساسة، فاتَّفقوا أن ينيبوا عنهم الإمام الصَّادق المهدي، عليه رحمة الله ورضوانه، في إلقاء كلمة التَّرحيب بالمحتفى به. فإذا بالإمام يدهشنا، أيَّما دهشة، وهو يَعرُج بالكلام إلى «التلقائيَّة السُّودانيَّة»، مستشهداً بإحدى صور مكي الشِّعريَّة الطريفة، والتي لا بُدَّ التقطها، بأصالة فائقة، من حميميَّة الشَّوارع الخلفيَّة للظَّاهرات السُّودانيَّة، وذلك في تشبيهه للخرطوم، لدى لقائهما الأوَّل، بأنها: «مثلُ عاهرات الرِّيف لا تبسط كفاً للثَّمن/ تتركه يندسُّ في الصَّدر وتحت المرتبة»! وكان ذلك، بحق، نموذجاً مترعاً بقدر من الصِّدق قد لا يخطر ببال أحد، غير أن عدواه سرت، مع ذلك، إلى بلاغة الإمام بقوَّة!

وإذا كنَّا نلاحظ الحضور الطاغي للفكر في غالب نصوص مكي الشِّعريَّة، برغم كلِّ ما راكم تراث النَّقد العربي من احتفاء بلحظة «الانفعال» الخاطفة التي تغيِّب «الوعي»، باعتبارها خاصيَّة الشِّعر الأصيلة، إلا أن ذلك لا ينطوي على أدنى تعارض بين «حضور الفكر» وبين «عذوبة الشِّعر»، فبالغاً ما بلغ دفع الفكر، لا ينزلق نصُّ مكي، قط، إلى تخوم الفلسفة، إذ، بما حباه الله من دُربة، تجاوز شعر كثير لديه ضيق التَّعاليم النَّقديَّة المتوارثة ضمن تقاليد المدرسة العربيَّة.

مفاجأة المتلقي، أغلب الأحيان، بما يصعب، إن لم يكن يستحيل، توقعه، فضلاً عن الشَّغف برؤية ما لا يرى الآخرون، هو ما يجعل مكي عصيَّاً على التنميط، كإنسان، وكشاعر مفكر. فلئن كانت «العذوبة» بمثابة الشَّفرة الأساسيَّة لشعريَّته، فإن عنصري «الطرافة» و«الرؤية المدهشة» يشكلان، مع «السُّهولة الممتنعة» و«التلقائيَّة السَّلسة»، أبرز مكوِّنات هذه «العذوبة» المضادَّة لـ «التَّنميط»، الأمر الذي يشحن نصوصه بحيويَّتها الدَّفَّاقة، ويمنحها سلطتها الاستثنائيَّة على الوجدان، وينصِّب مكي، عن جدارة، على إمارة جيلين، أو أكثر، من الشُّعراء، خصوصاً منذ ديوانه البكر «أمتي» الذي أحدث صدورُه دويَّاً لا يماثله سوى انفجارِ قنبلة هائلة!

في «أمَّتي» كثير من هذه النماذج، كتشبيهه، مثلاً، إحساسَ الحبِّ الأوَّل بـ «دبيب بعوض داخل طبلة أذن»! أو بـ «الرَّغبة في تحكيك قفاً أو ذقن»! أو وصفِه للباعة في منطقة ما بين النَّهرين الأبيض والأزرق بأنهم «ملحاحون وحلافون، ولهم آذان تسمع رنَّة قرش في المريخ»! أو وصفِه لضيفين زاراهما بأن لديهما «عذوبة دمية حولاء»! أو وصفِه لحبيبته بأنها «صغيرة لا تملأ الكفَّ ولكن متعبة»! أو وصفِه للقاء سعيد مع محبوبته، ذات مساء، بأن «تغامزت عليَّ نجمتان، تنحنح النِّيل الوقور هازلا، وهنَّأتني نجمة مغازلة، وقال لي الشَّارع من يماثلك»! أو وصفِه لتشرُّده «في العشيَّات، وإذ أسير دون أصدقاء، تخرج لي لسانها الطوابق العليا .. ويرقص البناء كيداً وسخرية»! أو صياحِه للخرطوم في أذنها عمَّا قال «الكهَّان والمخنَّثون» عنها، إذ «تحدَّثوا حتَّى أثاروا حسدي، وتعرفين أنني وراء لحظة من النِّعمة فوق جسدِ، أبيع للمضاربين مسبحتي وولدي»!

وقد يبلغ مكي، في سياق «سهولته الممتنعة» و«تلقائيَّته السَّلسة»، حدَّ توظيف ما يقرب من مفردات النثر السِّياسي، أو حتى الكلام العادي، في سبك شعريَّة العبارة والصُّورة، لا أروع، ولا أبدع. فإذا تابعنا القطف من نماذج «أمتي»، فثمَّة قولُه الأيديولوجي الصَّريح، مثلاً: «هذا مجد الإنسان، أن يأكل قبل المدخنةِ، ويصفر قبل القاطرةِ، وينام على قلب أخيه الإنسان»! أو قولُه الأشهر: «من غيرنا يعطي لهذا الشَّعب معنى أن يعيش وينتصر»! أو وصفُه للطغاة بـ «الخائنين السَّارقين القاتلين الحاسبين الشعب أغناماً وشاء»! أو قولُه أيضاً في مدح الشَّهيد: «تصاعدت إلى النعيم روحه الزَّكيَّة، إلى الخلود بطلاً وثائرا، وقائداً رعيل الشُّهدا»! أو قولُه في تمجيد الحراك الجَّماهيري: «الثَّورة الشَّعبيَّة الكبرى تغذَّت بالدِّماء»! أو «سنعلم التاريخ ما معنى الصُّمود وما البطولة»!

هكذا تفلت لغة مكي من حبائل الوهم الذي ما ينفكُّ يعشِّش في أذهان كثير من المتلقِّين، بل والنُّقَّاد، للأسف، عمَّا يُعرف بـ «لغة الشِّعر»، وقوامها، لديهم، جداول «ألفاظ» يحسبونها، في حدِّ ذاتها، رطبة، ناعمة، ملساء، فتصلح للشِّعر اللين، بينما غيرها يابس، خشن، مجعَّد، فلا يصلح إلا للنثر الغليظ! علماً بأن قمماً شوامخ تصدَّت، من أزمان، للكشف عن خطل هذا الوهم في الأدب العربي، كالجُّرجاني والجَّاحظ، في إطار الجدل حول ما عُرف  بـ «قضيَّة اللفظ والمعنى». فلمَّا أجهد «اللفظيُّون» أنفسهم في إثبات أن حسن «الكلام» من حسن «ألفاظه»، انبرى لحججهم الإمام عبد القاهر الجُّرجاني يفنِّدها، في «دلائل الإعجاز»، من زاوية أن «الألفاظ المفردة» هي محض وسائط لبلوغ البيان، فلا يُتصوَّر أن يقع تفاضل بينها دون أن تدخل فى تراكيب. أما الجَّاحظ، فرغم أنه يُنسب، عادة، إلى «اللفظيِّين»، إلا أنه شدَّد أيضاً، في «البيان والتَّبيِّين»، على أن مردَّ الأمر في استعمال «الألفاظ» وسبك الأسلوب إلى المعنى أو الموقف، لا إلى «اللفظ المفرد» في حدِّ ذاته.

الأحد

لمَّا وقعت فتنة ابن الزُّبير، اعتزل شريحٌ القاضي مهنة القضاء، وبقي لا يقضي تسعَ سنين. لكنه ما لبث أن عاد لمزاولة المهنة، وقد كبرت سنُّه، فاعترضه رجل قائلاً له: «أما آن لك أن تخاف الله، كبر سُّنك، وفسد ذهنك، وصارت الأمور تجوز عليك»! فقال شريحٌ: «والله لا يقولها بعدَك لي أحد»! ولزم بيته حتى مات.

Welcome

Install
×