رفض واسع لتقليص العاملين وتفنيد لتصريحات رئيس الوزراء بنفي القرار

عاملون في الخدمة المدنية بالسودان- صورة جرى توليدها بالذكاء الاصطناعي

عاملون في الخدمة المدنية بالسودان- صورة جرى توليدها بالذكاء الاصطناعي


أمستردام: الثلاثاء 19 مايو 2026م: راديو دبنقا

أعلنت عدة كيانات مدنية وتنظيمات نقابية رفضها لقرار تشكيل لجنة فنية لتخفيض العاملين بالدولة، ومناهضتها للقرار، من بينها الاتحاد العام لنقابات عمال السودان، وتحالف قوى التغيير الجذري، ومبادرة استعادة نقابة المهندسين، ولجنة المعلمين السودانيين، ومجموعة محامو الطوارئ، ونقابة الصحفيين، في وقت نفى فيه رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس الخبر المتداول في الوسائط، مؤكدًا عدم صحته.

وأصدرت وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، في 16 أبريل 2026م، قرارًا وزاريًا بتشكيل لجنة فنية لحصر العاملين بالحكومة الاتحادية ودراسة أوضاعهم.
وحدد القرار مهام اللجنة في حصر العاملين بالحكومة الاتحادية، وحصر الموظفين الذين لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر، إلى جانب وضع تصور لتقليص عدد العاملين ورفع توصيات بشأن كيفية تنفيذ التخفيض.

وبعد يومين من نشر قرار وزارة الموارد البشرية، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي تسريبًا لتقرير اللجنة الوزارية المعنية بتقليص العاملين، ما أثار جدلًا واسعًا وحالة من القلق وسط العاملين بالدولة من احتمال الاستغناء عنهم وفقدانهم مصادر دخلهم، في ظل اقتصاد الحرب الذي تعيشه البلاد، بينما يتزامن القرار مع موجة العودة الطوعية التي دعت لها الحكومة من أجل إعادة الإعمار.

ونفى رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس الخبر المتداول في الوسائط بشأن إعفاء الموظفين العاملين بالدولة، وأكد عدم صحة هذا الخبر، مشيرًا إلى أن هناك لجنة وزارية تعكف على إعداد رؤية لإصلاح الخدمة المدنية، وتابع: “هذا ما لزم توضيحه”.

غير أن الإعلامي إبراهيم الصديق، الإداري بتلفزيون السودان والمحسوب على الإسلاميين، نشر نص تقرير اللجنة في تكذيب واضح لتصريحات رئيس الوزراء، مؤكدًا أن اللجنة اجتمعت وأصدرت تقريرها المنشور على صفحته في منصة “فيسبوك”.

اتجاه رسمي للتقليص


وفي خضم ذلك الجدل الدائر بين النفي والتأكيد، أقر تقرير متداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باسم اللجنة الفنية لدراسة وحصر العاملين بالحكومة الاتحادية في السودان، بوجود اتجاه رسمي لتقليص أعداد العاملين بالخدمة المدنية بنسبة تصل إلى 60%، وذلك عبر خيار المعاش المبكر وإلغاء بعض الوظائف، ضمن خطة لإعادة هيكلة الجهاز الحكومي.

وأوضح الملخص التنفيذي لتقرير اللجنة، الصادر في مايو 2026، أن تشكيل اللجنة جاء استنادًا إلى توجيهات رئيس مجلس الوزراء خلال جلسة مجلس الوزراء الانتقالي بتاريخ 16 أبريل 2026، وتوصيات اللجنة الاقتصادية الصادرة في 3 مارس 2026، وذلك بموجب القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026 الصادر من وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية.

وأشار التقرير إلى أن العدد الكلي للعاملين بالحكومة الاتحادية بلغ نحو 94 ألفًا و687 عاملًا، بينهم 43 ألفًا و725 موظفًا بالحكومة الاتحادية، و25 ألفًا و63 عاملًا بالهيئات والشركات الحكومية المدعومة، إضافة إلى 25 ألفًا و899 إداريًا بالأجهزة العدلية.

مساران للتقليص


ووفقًا للتقرير، فإن خيارات تقليص العاملين انحصرت في مسارين؛ الأول عبر المعاش المبكر، والذي وصفه التقرير بأنه خيار متاح للعاملين الراغبين في إنهاء خدمتهم المهنية قبل بلوغ سن التقاعد القانوني، وفق شروط محددة لضمان حقوق العاملين، تشمل ألا يقل عمر العامل عن 50 عامًا، وأن يكون قد أكمل خدمة فعلية لا تقل عن 20 عامًا.

أما الخيار الثاني، بحسب التقرير، فيتعلق بالعاملين الذين لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر، مشيرًا إلى إمكانية إلغاء الوظائف وفق القوانين والتشريعات المنظمة للخدمة المدنية، بما في ذلك القانون الإطاري للخدمة المدنية القومية لسنة 2018، ولائحة الخدمة المدنية القومية لسنة 2007، وقانون المعاشات والتأمينات الاجتماعية لسنة 2016.

وأوضح التقرير أن العدد الكلي المستهدف بتخفيض العاملين عبر المعاش المبكر وإلغاء الوظائف يبلغ 57 ألفًا و273 عاملًا، أي ما يعادل 60% من إجمالي العاملين بالحكومة الاتحادية، على أن يتبقى 37 ألفًا و414 عاملًا فقط بنسبة 40%.

وبحسب التقرير، فإن العدد المستهدف للمعاش المبكر يبلغ 24 ألفًا و133 عاملًا، بنسبة 25% من إجمالي العاملين بالحكومة الاتحادية، بينما يبلغ عدد المستهدفين بإلغاء الوظائف 33 ألفًا و140 عاملًا بنسبة 35%.

وخرج التقرير بعدد من التوصيات، أبرزها تنفيذ مقترح التقاعد المبكر، ودراسة تخفيض العمالة عبر إلغاء الوظائف للعاملين الذين لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر، وفق القوانين المنظمة للخدمة المدنية والمعاشات.

فجوة في الإيرادات


من جهته، حذر الصندوق الوطني للمعاشات والتأمينات الاجتماعية التابع لوزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية من فجوة كبيرة في الإيرادات السنوية جراء خروج أصحاب الدرجات العليا الخاصة (+1 و2 و3) إلى التقاعد المبكر، والذي سيؤدي إلى فقدان ما يقارب 25% من الاشتراكات ذات الأجور العالية، مع تحويلها مباشرة إلى التزامات معاشية.

وأكد الصندوق الوطني، في خطاب رسمي اطلع عليه “راديو دبنقا” ومنشور في وسائل التواصل الاجتماعي، أنه لا يمكن تعويض هذه الفجوة الإيرادية بسهولة من خلال اشتراكات الدرجات الدنيا، نظرًا لارتفاع القيمة النقدية لاشتراكات الفئات المستهدفة مقارنة بالمشتركين الجدد.

كما حذر الصندوق من الآثار المباشرة على السيولة، مبينًا أنه سيضطر إلى صرف معاشات فورية للمتقاعدين قبل بلوغهم السن القانونية المحددة بـ65 عامًا، إضافة إلى صرف “تعويضات” أو “جملة اشتراكات” دفعة واحدة، وهو ما سيشكل ضغطًا ماليًا حادًا على السيولة النقدية.

وأكد الخطاب أن معالجة هذه التداعيات تتطلب تطبيق ما وصفه بـ”الشرط المالي الملزم” أو “الجبر الاكتواري”، من خلال التزام وزارة المالية بسداد قيمة اشتراك تعادل 25% عن الأشهر المتبقية حتى بلوغ سن 65 عامًا، تُدفع ككتلة نقدية واحدة عند الإحالة إلى التقاعد، بهدف تقليص الفجوة التمويلية وضمان عدم حدوث عجز مستقبلي.

رفض نقابي


وفي أول رد فعل على هذا القرار، أعلن الاتحاد العام لنقابات عمال السودان، المقرب من الحكومة، رفضه لقرار تشكيل اللجنة الفنية لتخفيض العاملين بالدولة، مؤكدًا عدم قانونيتها، ومشيرًا إلى أنه لا يحق لها التوصية بتخفيض العاملين الذين تم تعيينهم وفق القانون، متعهدًا بمناهضته بكل الوسائل.

وقال الاتحاد، في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا”، إنه فوجئ بتشكيل اللجنة، مشيرًا إلى أنها خلت من ممثل لهم في اتحاد نقابات عمال السودان، مبدياً استعداده للجلوس مع الجهات المختصة لمعالجة أوضاع العاملين وفق الأطر القانونية وبما يحفظ حقوقهم.

ووصف الاتحاد القرار بأنه “معيب من حيث الشكل والمضمون”، مشيرًا إلى أنه تجاوز الأطر القانونية واللوائح والاتفاقيات الدولية، واصفًا القرار بـ”هجمة مدمرة” للخدمة المدنية التي تعاني من أزمات متراكمة خلال الفترة الأخيرة.

الحقوق الاقتصادية


وأعربت مجموعة محامو الطوارئ عن بالغ قلقها إزاء القرار، معتبرةً أن هذا التوجه يمثل مساسًا مباشرًا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملين وأسرهم، ويضع آلاف الأسر أمام خطر فقدان مصدر الدخل في سياق تدهور فرص العمل.

واعتبرت المجموعة، في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا”، أن هذه الإجراءات تثير مخاوف جدية من غياب الشفافية والمعايير الواضحة في عملية إعادة هيكلة الخدمة المدنية، وما قد يترتب عليه من توظيف غير مهني أو ذي طابع سياسي في ظل غياب رقابة مؤسسية مستقلة، بما يهدد حياد واستقرار الخدمة العامة، ويعمّق في الوقت نفسه آثارها الاجتماعية والاقتصادية على العاملين وأسرهم.

سحب اللجنة


من جهتها، اعتبرت لجنة المعلمين السودانيين ما صدر عن المكتب الصحفي لرئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، من نفي لما تم تداوله بشأن إعفاء العاملين بالدولة، مع الإشارة إلى وجود لجنة وزارية تعمل على إعداد “رؤية لإصلاح الخدمة المدنية”، محاولةً للالتفاف على حقيقة القرار.

وجددت لجنة المعلمين، في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا”، تمسكها برفض القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026م، واعتبار بيان مكتب رئيس الوزراء محاولة للتخفيف من آثار القرار بعد الرفض الواسع الذي قوبل به، دون التراجع عنه فعليًا.

وطالبت اللجنة رئيس الوزراء بالإلغاء الفوري للقرار وسحب اللجنة، وكل ما يترتب عليها من إجراءات تمس الأمن الوظيفي للعاملين.

مطالبة بإيقاف أي إجراءات تنفيذية

من جهتها قالت نقابة الصحفيين أن الإصلاح الحقيقي لا يتم عبر تقليص العمالة، بل من خلال مكافحة الفساد، وإعادة الهيكلة، والتقييم المهني العادل، والتقاعد الاختياري، والتدريب والتأهيل.

وطالبت النقابة بإلغاء القرار وإيقاف أي إجراءات تنفيذية متعلقة به، ووضع آليات عادلة للتقاعد المبكر تشمل تعويضات وحزمًا اجتماعية مناسبة، عبر التفاوض مع أصحاب المصلحة. وشددت على صرف مستحقات العاملين المتأخرة ومراجعة الأجور بما يتناسب مع أعباء الحرب والمعيشة.

جريمة اجتماعية


من جهته، أدان تحالف قوى التغيير الجذري قرارات اللجنة، ووصفها بـ(لجنة تصفية وتشريد العاملين)، مؤكدًا أن ما يجري لا يمت للإصلاح بصلة.

واعتبر التحالف، في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا”، أن الحديث عن إحالة أكثر من (57) ألف موظف وعامل إلى المعاش القسري أو إلغاء وظائفهم يمثل جريمة اجتماعية واقتصادية مكتملة الأركان.

وأكد أن هذه الإجراءات تفتقر إلى الشرعية القانونية والدستورية والأخلاقية، في ظل غياب المؤسسات التشريعية والرقابية والقضائية المستقلة، مشددًا على أن حقوق العاملين ليست منحة من سلطة، بل حقوق أصيلة كفلتها القوانين والأعراف والمواثيق الدولية.

مخطط جاهز


وفي ذات السياق، اعتبرت مبادرة استعادة نقابة المهندسين أن السرعة الفائقة التي تم بها اتخاذ هذه القرارات تكشف بوضوح عن نية مبيتة ومخطط جاهز سلفًا؛ إذ كانت صياغة القرار الأولية المتعلقة بـ”التقليص” مؤشرًا قاطعًا على أن الأصل في الأمر هو تصفية الوجود البشري في جهاز الدولة.

وقالت، في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا”، إن قرارات هذه اللجنة أتت في أقل من شهر واحد لتؤكد سعي “حكومة الانقلاب” لارتكاب مجزرة إدارية واقتصادية جديدة تُضاف إلى سجل انتهاكاتها المتواترة، معلنة في ذات الوقت رفضها لهذا القرار ومخرجاته.

Welcome

Install
×