الهوية الرقمية السودانية (سوداباس): تحديات البنية التحتية ومخاوف التوظيف الأمني

شعار سوداباس

الثلاثاء: 2 يونيو 2026م | راديو دبنقا

تقرير: سليمان سري

أطلقت وزارة التحول الرقمي والاتصالات مشروع الهوية الرقمية السودانية بمسمى “سوداباس” (SUDAPASS) في مايو 2026، في خطوة استراتيجية تهدف لتأسيس بنية رقمية وطنية آمنة وموثوقة. وتولت الإشراف على المشروع — حسبما أُعلن رسمياً — الهيئة السودانية للأمن السيبراني (SCA)، وهي إحدى الهيئات المستحدثة بالوزارة، بالتنسيق مع السلطة القومية للمصادقة الإلكترونية (NADC)، وبالشراكة مع وزارة الداخلية ممثلة في السجل المدني (SNCR).

مفهوم الهوية وتحولاتها التاريخية

يرى مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات، اللواء شرطة (م) د. عصام الدين عباس أحمد، أن الهوية في جوهرها هي الإجابة عن سؤال: “من أنت؟”، إلا أن آليات إجابة الدول عن هذا السؤال شهدت تطوراً كبيراً ومتسارعاً عبر القرون.

ويقول في حديثه لـ “راديو دبنقا”: “إنَّ الهوية التقليدية قامت تاريخياً على ثلاثة أركان: الاعتراف المجتمعي (الأسرة، العشيرة، المحيط الاجتماعي) كشهادة غير رسمية، والوثيقة الورقية (شهادة الميلاد، البطاقة الشخصية) كاعتراف رسمي من الدولة، والبيانات الحيوية (البصمة، الصورة، التوقيع) كصفة تربط الوثيقة بحاملها”. ويضيف: “أما الهوية الرقمية فلم تلغِ هذه الأركان، بل حولتها ووحّدتها في منظومة إلكترونية متكاملة تتجاوز حدود الورق وتحديات المكان والزمان”.

التكامل بين الهوية الوطنية والرقمية

ويرى د. عصام الدين أن الهوية الوطنية التقليدية والرقمية لا تتنافسان، بل تتكاملان؛ فالهوية الوطنية المتمثلة في الرقم الوطني تشكل الأساس القانوني بخصائص الفرد البيوغرافية (الاسم، الميلاد) والبيومترية (الوجه، البصمة).

ويوضح أن هذا الاعتراف هو “المدخل” الذي يُغذي منظومة الهوية الرقمية، مما يتيح للمواطن التفاعل مع الخدمات الحكومية والبنكية والصحية دون الحاجة لحمل وثائق ورقية. ورغم تحديات الحرب، يظل “سوداباس” حجر الزاوية للتحديث الإداري، لقدرته على القضاء على ازدواجية الهويات، وتقليص الفساد عبر “أتمتة الخدمات”، وتمكين النازحين والمغتربين من إثبات هوياتهم رقمياً.

الإطار التقني للمشروع

يؤكد الخبير التقني أن المشروع يعتمد على تقنيات متطورة تشمل:التسجيل الذكي: باستخدام الجواز الإلكتروني وتقنية الاتصال قريب المدى (NFC). والمصادقة متعددة الأبعاد: التي تجمع بين القياسات الحيوية، الرمز السري (PIN)، ورمز الاستجابة السريعة (QR).

تحديات مشروع الهوية الرقمية

يرى د. عصام الدين أن نجاح “سوداباس” في السياق السوداني الراهن — المليء بالنزاعات وتآكل الثقة المؤسسية — رهين بتجاوز ثلاثة مستويات من التحديات تتمثل في التحديات التقنية والقانونية والأمنية.

1. التحديات التقنية

انتقد د. عصام المركزية المفرطة في تصميم المشروع مما يخلق “نقطة فشل واحدة”؛ فمع أي خلل في الخوادم أو هجوم إلكتروني قد تُشلّ المنظومة بأسرها، وهو خطر جسيم في بيئة صراع.

كما أشار إلى ضعف البنية التحتية حيث يعاني السودان من تذبذب خدمة الإنترنت وانقطاعات الكهرباء المتكررة.

وأكد ضرورة تكامل الأنظمة بإعادة هندسة أنظمة البنوك والشركات لدمج واجهات برمجة التطبيقات (APIs) الخاصة بـ “سوداباس”.

واشار أهمية إكمال القيد المدني حيث لا تزال شرائح من السودانيين في مناطق النزاع لم تتحصل على الرقم الوطني.

2. التحديات القانونية

أشار د. عصام إلى وجود “فراغ تشريعي كبير”، حيث تفتقر المنظومة لغطاء يحمي البيانات الحيوية. ويرى أن المشروع يحتاج بشكل عاجل إلى قانون حوكمة البيانات الشخصية  للحصول على موافقة المواطن قبل جمع بياناته.

كما يحتاج المشروع لإطار قانوني لإدارة الهوية والوصول (IAM)  يحدد الجهة المخولة بإدارة البيانات ويمنع القواعد الموازية.

فضلا عن الحاجة تعديل قانون جرائم المعلوماتية: ليصبح قانون “ردع للمؤسسات المفرطة” بدلاً من مجرد عقاب للأفراد.

3. التحديات الأمنية

حذر د. عصام من “هيمنة المقاربة الأمنية” على إدارة البيانات، مؤكداً أن الهوية الرقمية يجب أن تُبنى كأداة لتمكين المواطن وتقديم الخدمات، وليس كأداة للمراقبة أو التصنيف الأمني. فنجاح المشروع يعتمد على الثقة المتبادلة بين المواطن والدولة ومقدمي الخدمة.

فرص النجاح ونقاط القوة

رغم الجسامة، يرى الخبير التقني ركيزتين للقوة:السجل المدني الذي يمتلك قاعدة بيانات لأكثر من 37 مليون مواطن، وهو “كنز معلوماتي” جاهز للتوظيف، والثورة الصامتة: والمقصود بها القبول المجتمعي للتحول الرقمي الذي أحدثته التطبيقات المصرفية (مثل تطبيق “بنكك”)، والتي كست الحاجز النفسي لدى المواطن في التعامل مع التقنية حتى في المناطق الريفية. خلاصة القول: يرى اللواء عباس أن الهوية الرقمية يمكن أن تصبح إحدى أدوات بناء السلام في مرحلة ما بعد الحرب، إذا صُممت كحق مدني جامع يقوم على مبادئ الشفافية والخصوصية والاستقلالية

Welcome

Install
×