خبير يدعو إلى إنشاء صندوق سيادي يجمع نحو 450 مليار جنيه من الكتلة النقدية
فئات من العملة السودانية - المصدر وكالة السودان للأنباء
أمستردام: 23 يوليو 2026م: راديو دبنقا
دعا الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بالجامعات الدكتور محمد شيخون إلى إعادة النظر في المنهج الاقتصادي الذي أدى إلى تركيز ثروات البلاد في يد فئة محدودة، مؤكداً أن الحرب الحالية تمثل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس جديدة، ومشدداً على ضرورة إعادة هيكلة التنمية بحيث لا تتركز المشروعات الإنتاجية في العاصمة وحدها.
طالب شيخون، في ندوة إسفيرية بعنوان “خطة إعادة الإعمار” نظمها مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أمدرمان الأهلية مؤخراً، بإدخال نحو 450 مليار جنيه من الكتلة النقدية (التي تبلغ في مجملها 900 مليار جنيه) إلى صندوق سيادي وطني، موضحاً أنها ما تزال مخزنة خارج الدورة الاقتصادية الرسمية، ويهدف الصندوق إلى تحقيق التوازن الاقتصادي بين الأقاليم، وتمويل ميزانيات التسيير، وإعادة توزيع الاستثمارات بصورة أكثر عدالة.
وأكد أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على ما دمرته الحرب، بل يجب أن تشمل أيضاً إعادة بناء البرنامج الاقتصادي نفسه، عبر الاعتماد أولاً على الموارد الوطنية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من دعم الشركاء الدوليين الراغبين في مساندة السودان، بما يضمن بناء اقتصاد أكثر عدالة واستدامة.
واقترح شيخون إعادة هيكلة التنمية بحيث لا تتركز المشروعات الإنتاجية في العاصمة وحدها، داعياً إلى إنشاء المدابغ، والمسالخ، وصوامع الغلال، والمطاحن، وغيرها من الصناعات الأساسية في جميع الولايات، بما يسهم في تحقيق تنمية إقليمية متوازنة.
فرصة لإعادة البناء
وقال الخبير الاقتصادي محمد شيخون إنَّ الحرب الحالية تمثل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس جديدة، بدلاً من إعادة إنتاج النموذج السابق، مؤكداً أن عدداً من الاقتصاديين السودانيين يمتلكون القدرة على تطوير هذه الرؤى وتحويلها إلى سياسات اقتصادية متكاملة.
وأشار إلى أن حجم الكتلة النقدية كان أحد الأسباب الرئيسية في اتساع دائرة الفقر، موضحاً أن سعر صرف الدولار في السوق الموازية ارتفع من نحو 15 جنيهاً عند وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة في 30 يونيو 1989م، إلى نحو 60 ألف جنيه قبل تغيير العملة وحذف ثلاثة أصفار من الجنيه، وهو ما يعني تضاعف سعر الصرف آلاف المرات، وانعكاس ذلك بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات ومستوى معيشة المواطنين.
وأضاف أن قيمة الجنيه السوداني تراجعت بصورة كبيرة، إذ كان الجنيه الواحد في السابق يساوي ثمن مئة رغيفة، بينما أصبح العكس تماماً الآن؛ إذ لا يمكن شراء رغيفة واحدة بمبلغ مئة جنيه، على حد تعبيره.
وانتقد السياسات الاقتصادية التي اتُّبِعت خلال العقود الماضية، وعلى رأسها الانفتاح الاقتصادي، والخصخصة، وتحرير الأسواق، وإلغاء الحماية والدعم، معتبراً أنها لم تكن خياراً وطنياً خالصاً، وإنما جاءت استجابة لضغوط خارجية، ومشيراً إلى أنها أسهمت في تركيز الثروة في يد أقلية، مقابل اتساع رقعة الفقر.
“الشركات الرمادية”
وتطرق الخبير الاقتصادي د. محمد شيخون للحديث عن الفساد، مركزاً حديثه على قضية شركات القطاع الخاص التي أُثيرت في السنوات الأخيرة من عمر نظام الإنقاذ، عندما وصف القائمون على إدارة الاقتصاد في المؤتمر الوطني تلك الكيانات بأنها “شركات رمادية”، بينما أشار وزير المالية الأسبق في عهد الإنقاذ إلى وجود نحو ثمانية آلاف شركة.
وأوضح أن هذه الشركات وُصفت بالرمادية لأنها – بحسب ما أُعلن حينها – لم تكن مسجلة لدى المسجل التجاري بوزارة العدل، ولم تكن تسدد الضرائب أو الأرباح المستحقة، كما أن ملاكها لم يكونوا معروفين، رغم وجود مساهمة حكومية في بعضها.
وقال شيخون إنَّ اللجنة التي شكلها المكون العسكري لمراجعة أوضاع الشركات بدأت بفحص 443 شركة، لكنها وجدت أن 12 شركة فقط كانت مسجلة رسمياً، وجميعها خاسرة، بينما لم تكن بقية الشركات مسجلة.
وأضاف قائلاً إن اللجنة تمكنت من مراجعة شركة واحدة فقط، وعندما حاولت العودة إليها بعد شهر لم تجد لها أثراً، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بأنها “شركات السامسونايت والورقة المروّسة”، في إشارة إلى أنها موجودة على الورق فقط.
استيراد “الثوم والنبق”
وأشار إلى أنه في العام 2018، وبعد تحويل مرتبات العاملين في مؤسسات الدولة إلى البنوك، واجه المواطنون أزمة في الحصول على أموالهم، إذ كانت المصارف وأجهزة الصراف الآلي تعاني من شح السيولة، بينما كشفت اللجنة الاقتصادية الوطنية عقب سقوط نظام الإنقاذ أن ما لا يقل عن 95% من الكتلة النقدية كانت خارج النظام المصرفي، ومخزنةً في حاويات ومواقع أخرى لدى فئة محدودة.
وأوضح الخبير الاقتصادي د. محمد شيخون أن هذه الكتلة النقدية كانت تُستخدم في ثلاثة مجالات رئيسية، هي: شراء وتهريب نحو 77% من إنتاج الذهب، والاستيلاء على تحويلات ما بين 6 إلى 9 ملايين مغترب سوداني، إضافة إلى تمويل صادرات السلع الزراعية الرئيسية (مثل الحبوب الزيتية والقطن والصمغ العربي والماشية واللحوم) مع تجنيب عائداتها خارج الخزينة العامة.
وقال إن جزءاً منها كان يُستخدم في استيراد السلع، الأمر الذي أدى إلى سيطرة السلع المستوردة على نحو 95% من الأسواق السودانية، حتى أصبحت بعض المنتجات المحلية، مثل “الثوم والنبق”، تُستورد من الخارج.
وذكر أن هذه الممارسات أدت إلى فقدان السودان لموارد كانت تمول مجانية التعليم والصحة، ودعم السلع الأساسية، بما في ذلك الخبز والدواء والمحروقات والكهرباء والمياه.
الاقتصاد الخفي
وقال أستاذ الاقتصاد د. محمد شيخون إن هذه الكتلة النقدية الضخمة كانت تدور خارج النظام المصرفي في إطار ما وصفه بـ”الاقتصاد الخفي”، الذي يقوم على التغول على عائدات صادرات الذهب، والمضاربة في الأراضي والعقارات والأصول المالية.
واعتبر أن من العدالة ألا تُترك هذه الأموال في يد فئة محدودة استفادت من رعاية النظام السابق، بينما يعيش نحو 75% من الشعب السوداني تحت خط الفقر، وفقاً للإحصاءات التي أشار إليها.
ولفت إلى أن المطلوب الآن ليس التحريض على الصدام أو استهداف فئة بعينها، وإنما تحقيق العدالة في إعادة توزيع الثروة، وإعادة برمجة الاقتصاد السوداني بما يخدم جميع المواطنين.
واقترح أن يتضمن استبدال العملة خصم 50% من الكتلة النقدية الموجودة خارج النظام المصرفي، على أن تُستخدم تلك الموارد في إعادة بناء الاقتصاد، وتأمين جبر الضرر، وإعادة إعمار المرافق الخدمية والمنشآت الإنتاجية، والمساهمة في تمويل التنمية الاستراتيجية، وإعادة بناء المؤسسات التي تمت خصخصتها.
وأشار إلى أن صادرات السلع الزراعية الأساسية كانت تمثل مورداً مهماً للخزينة العامة، إذ كانت نحو 55% من عائداتها تدخل إلى الدولة قبل الخصخصة، إلا أن هذه العائدات أصبحت تذهب إلى فئة محدودة، داعياً إلى إعادة بناء المؤسسات العامة واستعادة دورها.
المكون الوطني
وأكد شيخون أن المكون الوطني للنقد الأجنبي يعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية، هي: الذهب، وتحويلات المغتربين، وعائدات صادرات السلع الزراعية.
واستشهد ببيانات قال إنها منشورة على موقع البنك الدولي، مبيناً أن السودان أنتج خلال الفترة من 2013 إلى 2024 نحو 905 أطنان من الذهب، تعادل قيمتها نحو 54 مليار دولار، إلا أن ما بين 77 و80% من هذا الإنتاج تم تهريبه.
وأضاف أن بيانات أخرى تشير إلى أن إنتاج الذهب خلال الفترة من 2006 إلى 2018 بلغ 827.4 طن، بقيمة تقارب 49 مليار دولار، مؤكداً أن هذه الموارد كان ينبغي أن يستفيد منها الشعب السوداني وهو أولى بها.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى تجربة غانا، التي اعتبرت الذهب سلعة سيادية، وأقرت تشريعاً يجعل الدولة المشتري النهائي للذهب، بما يتيح الاحتفاظ بجزء منه لدعم قيمة العملة الوطنية، وتصدير الجزء الآخر وإيداع عائداته في الخزينة العامة، مع دفع قيمة الإنتاج للمنتجين بالعملة الوطنية.
الذهب سلعة سيادية
وقال د. محمد شيخون، إن السودان لا يحتاج إلى تشريع جديد في هذا المجال، لأن القوانين السودانية، منذ عام 1959 مروراً بتشريعات عام 1973، وحتى القوانين الصادرة في عامي 2005 و2015، اعتبرت الذهب سلعة سيادية، إلا أن هذه القوانين – بحسب رأيه – لم تُنفذ. وأضاف أن الحكومة الانتقالية قررت في اجتماع بـ”سوبا” اعتبار الذهب سلعة سيادية وكلفت بنك السودان بشرائه وتصديره، غير أن القرار لم يدخل حيز التنفيذ.
ورأى أن استعادة الموارد الوطنية تتطلب إرادة مستقلة غير خاضعة لأي تأثير خارجي، مشيراً إلى أن تحويلات المغتربين تمثل مورداً رئيسياً للنقد الأجنبي، وقال إن إحصائية أعدتها وزارة المالية قدرت التحويلات خلال الفترة من 2011 إلى 2018 بنحو 27 مليار دولار.
وذكر أن النفط، قبل انفصال جنوب السودان، حقق إنتاجية بلغت 2 مليار و989 ألف طن خلال تسع سنوات، حصدت عائدات صادر بلغت 162 مليار دولار، وأضاف أن عائدات النفط والذهب وتحويلات المغتربين لم تدخل الخزينة العامة خلال سنوات حكم نظام الإنقاذ السابق، معتبراً أن إدارتها كانت تتم عبر جهات محددة.
وشدد شيخون على أن معالجة هذا الخلل ليست فقط ضرورة وطنية، وإنما تنسجم أيضاً مع مبادئ العدالة الاجتماعية، مستشهداً بمبدأ المؤاخاة في الإسلام الذي قام على تحقيق التكافل بين القادرين وغير القادرين والحد من التفاوت بين الأغنياء والفقراء.
وأوضح أن عملية إعادة الإعمار في أوروبا بدأت بالاعتماد على الموارد الذاتية والتعاون بين الدول الأوروبية في القطاعات الإنتاجية، وهو ما مهد لاحقاً لقيام السوق الأوروبية المشتركة.


and then