الحرب في السودان تقترب من الألف يوم: العدالة في مهبّ الصراع
لقطة شاشة من فيديو لعمليات اعدام لمواطتين مدنيين فارين من الفاشر نفذها ابولولو
امستردام : الأول من ديسمبر 2026 :راديو دبنقا
تقترب الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، منذ اندلاعها في منتصف أبريل 2023، من دخول يومها الألف، وسط تصاعد مستمر في وتيرة القتال وتزايد الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، والتي يرى مراقبون دوليون ومحليون أنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة.
وطالت هذه الانتهاكات النساء والأطفال والمرضى وكبار السن والأسرى، إلى جانب الكوادر الطبية والعاملين في المجال الإنساني، ما يطرح تساؤلات ملحّة حول مستقبل العدالة في السودان، وكيفية تحقيقها، وما إذا كانت المحاكمات الدولية – وعلى رأسها محاكمة القيادي السابق في مليشيات دارفور علي كوشيب أمام المحكمة الجنائية الدولية – تمثل بارقة أمل لإنصاف الضحايا، أم بديلاً اضطرارياً عن العدالة الوطنية.
في هذا السياق، قال الدكتور سامي عبد الحليم، المستشار القانوني السابق بالأمم المتحدة ونائب رئيس الشبكة الأفريقية للخبراء الدستوريين الأفارقة، إن اندلاع الحروب يعني عملياً غياب السلام، إذ إن فقدان الأمن هو جوهر انعدام السلام، وتكون العدالة بمفهومها الشامل إحدى أولى ضحايا النزاعات المسلحة.
وأوضح عبد الحليم، في حديثه لبرنامج في الميزان الذي يبثه راديو دبنقا، أن العدالة في ظل حرب السودان كانت «ضمن قائمة الشهداء»، مشيراً إلى تدمير ممنهج طال مؤسسات العدالة وأنظمتها، إلى جانب تهجير الكفاءات العاملة في المجال القضائي.
وأضاف أن الوصول إلى العدالة أثناء الحرب يصبح شبه مستحيل، إذ يرى الضحايا الجناة بأعينهم، لكنهم يعجزون عن المطالبة بحقوقهم، خاصة إذا كان الجاني يتمتع بنفوذ أو موقع قوة، موضحاً أن المطالبة بالعدالة في مثل هذه الظروف قد تلحق بالضحية أذى أكبر مما تعرض له سابقاً.
وأشار إلى أن السودان شهد حالات لجناة ارتكبوا انتهاكات جسيمة، بينما لم يتمكن الضحايا من ملاحقتهم في ظل أجواء الإرهاب والترويع والقتل والتعذيب.
وحول كيفية تحقيق العدالة في ظروف الحرب، قال عبد الحليم إن العدالة كان ينبغي أن تتصدر أولويات الدولة، باعتبارها مدخلاً أساسياً لتحقيق الكرامة الإنسانية، التي تبدأ بضمان الحريات الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية، وهي حقوق تتآكل بصورة حادة أثناء النزاعات المسلحة.
وأضاف أن الدولة، حتى في ظروف الحرب، مطالبة ببذل جهود استثنائية وتوفير آليات – ولو مؤقتة – لضمان الأمن وحماية الأشخاص، مشيراً إلى أن النيابات كان يفترض أن تطبق إجراءات مشددة للعدالة كجزء من المبادئ الإنسانية المتعارف عليها.
وأوضح أن انشغال الدولة بالحرب لا يعفيها من مسؤولية مواجهة ظواهر السرقة ونهب ممتلكات المواطنين وتدمير المؤسسات العامة، لافتاً إلى أن نشر مقاطع الفيديو التي توثق هذه الانتهاكات وتهدد سلامة المواطنين يتطلب أيضاً إجراءات أمنية صارمة، في إطار التزام مبدئي بحماية المدنيين.
وأكد أن فشل الدولة في حماية مواطنيها يفقد الحرب مبرراتها الأخلاقية والقانونية.
وفيما يتعلق باللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، قال عبد الحليم إن العدالة الدولية تصبح خياراً مطروحاً عندما تفشل العدالة الوطنية في حماية حقوق الإنسان وملاحقة الجناة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن رغبة الدولة الجادة في تحقيق العدالة تظل عاملاً حاسماً في استعادة ثقة المواطنين في النظام العدلي الوطني.
وأضاف أن العدالة الدولية تُعد «عدالة مكملة» وليست بديلاً كاملاً، ولها جوانب ضعف معروفة، ما يجعل من الأفضل أن تحرص الدولة على إرساء العدالة على الصعيد الوطني، معتبراً أن العدالة الجنائية الدولية تمثل جزءاً من دعم عملية السلام.
وأشار إلى أن السلام يظل المدخل الحقيقي لتحقيق العدالة والاستقرار، وتفادي الانتهاكات الجسيمة، موضحاً أنه مع تحقق السلام يمكن إنشاء الآليات اللازمة لملاحقة الجناة، وإنصاف الضحايا، وتعويضهم وإعادة تأهيلهم بصورة فعالة، إضافة إلى ترميم النسيج الاجتماعي.
وحول فرص استعادة العدالة الوطنية، أقرّ عبد الحليم بأن العدالة تعرضت لتخريب ممنهج خلال الحرب الحالية، سواء على مستوى المؤسسات أو المفاهيم، لافتاً إلى أن أدوات العدالة نفسها تحولت في بعض الأحيان إلى أدوات حرب وتصفية حسابات خارج إطار المؤسسات والإجراءات القانونية المعترف بها.
وختم بالقول إن إعادة العدالة إلى وضعها الطبيعي لن تتم بين ليلة وضحاها، بل تتطلب سلسلة طويلة من التدابير والآليات والإجراءات، وجهداً مركزاً، باعتبار أن العدالة جزء أصيل من عملية السلام، وأحد أعمدة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.


and then