تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

مسؤولية وطنية تُوزن ببيض النمل

مايو ١٩ - ٢٠٢٢ الخرطوم : راديو دبنقا
عمر العمر
عمر العمر

 

 

 بقلم : عمر العمر


مالم نتخلص من هذه الغوغائية السياسية لن نفلح في صناعة مخرج من مستنقع الأزمات الآسن نتلمس فيه غدا اجمل . مبتدأ هذه المهمة الوطنية هو الاعتراف الشجاع بتحميل القيادات السياسية مسؤولية صناعة هذه الغوغائية . بل أنفذ من ذلك ربما إعترافنا بغياب قيادات سياسية بالمضمون الجوهري لهذا التوصيف . أكثر من ذلك علينا مواجهة في شجاعة غياب قوى سياسية منظمة راشدة تتمتع بالمنعة الكافية لشد عصب هياكلها التنظيمية و بث الوعي وسط جماهيرها .هذه الغوغائية الممتدة على اتساع رقعة الوطن تتوغل بالشعب كل صباح داخل مستنقع أزمات موبوءة بكافة أمراض القعود، الإخفاق والفشل . هي الغوغائية فاتحة الأفق لرجل مثل حميدتي يتبوأ من مؤسسات السلطة والثروة حيث يشاء. لرجل مثل هجو يهجو عبر منابر الدولة متوهما مواقع الزعامة الثوار ا لشرفاء.


*** *** ***


من يجاهد لإقناعنا بعزو ذلك القعود إلى تحريف نظام الانقاذ الحركة السياسية المعزز بآليات التعذيب والترغيب طوال عقوده العجفاء هم في الواقع من المثبطين المحبطين . هم ليسو من المحرضين على تعجيل مغادرة المستنقع. المرحلة الانتقالية تتطلب عقلًا وقادا مبادرا على تحويل التنوير خبزًا يوميًا من اجل اعادة بناء الأجسام السياسية المهلهلة أولا وعاجلا .هذه مهمة وطنية ذات أولوية قصوى . فبدون حركة سياسية معافاة لا يمكن اعادة بناء دولة ديمقراطية راسخة. لدينا حركة شبابية تتدفق حماسًا جارفًا ووعيا متوهجًا لكنها تفتقر الى الأطر التنظيمية بغية استيعابهم كما تفتقد قيادات خلاقة من أجل إلهامهم.هذا العجز كلّف الحراك الشبابي فاتورة باهظة. لولا ذلك التوهج الواعي لاصاب ذلك الحراك الاحباط والبوار . هو يكلّف الشعب غاليا


*** *** ***


تأثير التجريف على الجسم السياسي حقيقة .لكن ذلك ليس جذر الأزمة .فبنيان غالبية أحزابنا السياسية قبل التحريف لم تكن قائمة على التنظيم و التنوير. بل كانت هياكلها مجمّعة حول كاريزما شخصيات ذات جاذبيات متباينة يغلب عليها براعة المناورة والخطابة اكثر من ديباجة الخطاب السياسي دع عنك الرؤى الفكرية أو برامج التنمية. من اليسير ذكر سلسة من تلك الاسماء البراقة في كل الأحزاب إذ كان ديدنها التعبئة الموسمية . بين تلك الوجوه رزوق ،الهندي، محجوب، نور الدائم وعلي عبد الرحمن. في ملاعب كرة القدم يتعرض تألق الفرق الى انكسارات حسب نجومية لاعبين بفعل التباين في تتابع الأجيال.فما بالك اذا حدثت فجوة وسعها ثلاثون عاما عجافا فيما يتصل بانكسار توالي النجوم في الميدان السياسي .؟ لكن النظرة الأكثر عمقًا تنتهي بنا إلى أن الضرر الماحق الناجم عن عمليات عن التجريف الممنهج هو ما لحق بالطبقة الوسطى. فذلك ابرز محاور أزمتنا المستحكمة.


*** *** ***


مع ذلك ،تلك الفجوة لا تود القيادات الاعتراف بها .بل هي لا تشعر بها أو تكابر تجاهها. تلك المكابرة تجرد القيادات من الاستعداد لإدارة حوار ات بينية ناجعة . فاول شروط ذلك الاستعداد يتمثل في إدارة حوار مع النفس .ذلك يعني ببساطة ممارسة النقد الذاتي. ففي غياب ممارسة الحوار مع الذات ثم مع الآخر يغلب على المشهد التمترس في المواقع ، التصلب في المو اقف والتزحزح للتلاقي عند منتصف الطريق من أجل البحث المشترك عن تحديد الطموحات الوطنية العليا وكيفية إنجازها. هذه الغوغائية السائدة المتمكنة من المشهد السياسي تغلّب هيمنة المآرب الضيقة. هذا الضرب من الممارسات هو أحد وجوه الآثام وفق المعايير الأخلاقية. كما هو في الوقت نفسه ضربٌ من الخطيئات في حق الشعب وفق المعايير الوطنية.


***. *** **


مشهد الاهتراء الراهن أحوج ما يكون لوجود سياسي أقرب إلى دور مفكر له القدرة على تجسيد جسر بين الشعب والسلطة أو بناء ذلك الجسر. غالبية القيادات الحالية -ان لم يكن كلها- راكبة أمواج الثورة في سباق محموم من أجل تحقيق رغائبها الذاتية. هم يفعلون ذلك متمنطين بنفاذ الرؤية والإلتزام بمصالح الشعب وغايات الثورة.هم في الواقع هم لا يكتفون في ذلك بانتزاع حقوق لم يمنحهم إياها الشعب .بل يخولون أنفسهم سلطات تصنيف الآخرين فيصدرون أحكامًا قاسية بالتخوين والتواطوء والتقاعس. بعض هؤلاء يتحدثون باسم الشعب وهم يخونونه في الوقت نفسه. ذلك لانهم مع انتزاع ما لايستحقون لا يمتلكون الحد الأدنى من أليات إنجاز ما يبشرون به أو القدرة على تقويم ما يعترضون عليه.


*** ***. ***


مع العزف المتوالي على أوتار الوعي الثوري يغمض البعض العين أو ربما يتناسون حقيقة تلازم وجود ثورة مضادة لكل ثورة . فالوعي الثوري بهذه الحقيقة يستوجب بالضرورة الحفاظ على وحدة القوى صانعة الثورة كشرط أساسي من أجل مواصلة المشوار الثوري . فأي تشقق داخل هذه الكتلة يضيف تلقائيًا ثقلًا لصالح معسكر أعداء الثورة .فمثلما لم يعد صنع الثورة مهمة تتطلب بالضرورة قائدا ملهما فردا فإن إنجاز مهام و تأمين العمل الثوري لا يقع على عاتق فئة بعينها أو فصيل محدد مهما ادعى الوعي أو الريادة السياسية ، مالم تكرس تلك الفئة جهدها أو ذلك الفصيل بغية الحفاظ على وحدة قوى الثورة .


*** ***. ***


فالوعي الثوري يفرض قدرا عاليا من الشفافية في الإحساس بالمسؤولية . هذا احساس يتعاظم حينما يكون الوطن في مثل المأزق الراهن ،ثم يتعاظم أضعافا كثيرة حينما يرزح الشعب تحت ثقل مثل ازماتنا الحالية . فالمسؤولية الوطنية في هذه الأحوال تصبح موازية للحرية إن لم تكن اعظم قدرا . فالحرية كما قال فلادمير لينين مسؤولية توزن ببيض النمل . حينما يغيب هذا الوعي بالمسؤؤلية الوطنية يتم تغييب الحرية أو مصادرة فرص توفرها . في مثل هذه الأجواء تنعدم إمكانيات ممارسة اَي قدر من الحوار المفضي الى فهم صحيح لما يحدث ،من ثم شروط و آليات صناعة الحلول والبرامج المستقبلية .


عودة الي النظرة العامة