التّبعات العسكرية والاقتصادية والإنسانية لسيطرة قوات الدعم السريع على ملّيط بشمال دارفور

مبنى محلية مليط بشمال دارفور-مصدر الصورة:وسائل التواصل الاجتماعي

أمستردام 5 مايو 2024 دبنقا
أصدرت منظمتا مرصد الشفافيةً والسياسات والشبكة السودانيةً لبحوث الأزمات اليوم تقريرا مشتركا عن التّبعات العسكرية والاقتصادية والإنسانية لسيطرة قوات الدعم السريع على ملّيط بشمال دارفور.
تنشر دبنقا النص الكامل للتقرير، بالرغم من طوله، لأهمية التقرير في تقديم صورة متكاملة عن هذا التطور المهم الذي سيكون له اثر كبير على الأوضاع في كامل دارفور الكبرى.


مقدمة
في مطلع شهر نوفمبر 2023 كانت الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور ومحيطها، بعد قرابة السبعة أشهر من اندلاع الحرب في السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على شفير الانزلاق إلى حرب شاملة بهدف السيطرة عليها. كان الدعم السريع قد سيطر سلفاً على غالب مدن دارفور الرئيسية. لحسن الحظ، لم يقع هجوم الدعم السريع الذي كان متوقعاً وقتها علي الفاشر. ولم تنقذ المدينة وأعداد النازحين الكبيرة من مختلف ولايات دارفور الضغوط الدولية، بل، في المقام الأول، مجهودات الوساطة المحلية التي قادها أعيان المدينة من قيادات الإدارة الأهليّة، والنُّخب المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، وروابط النساء والشباب في مرحلة ما من مراحل الصراع. وقد نجحت لجنة الوساطة بالفاشر التي كونها أولئك الفاعلون، عبر عمليات تواصل كثيفة ومعقدة بين أطراف النزاع الثلاثة، أي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، في تحقيق هدنةً في سابقة وفرت للمدينة هدوءاً نسبياً، بالرغم من تعدد الخروقات، والانهيارات المتكررة للهدنة، والانتهاكات الجسيمة من قبل طرفي القتال. شمال دارفور، والعاصمة الفاشر. لكن المدينة ومحيطها، الذي بدا وقتها كأنه المسرح الوحيد في خضم حرب السودان الذي تتقاسم فيه ثلاثة أطراف مسلحة الوجود، دخلت اليوم في مواجهات في أكثر من موقع فيما يشبه اختبار إرادات حقيقي قد يتحول في أي وقت إلى حرب إقليمية شاملة.


اتّسم الوضع الأمني في المنطقة بالهشاشة قبل اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، حيث تشهد المنطقة توترات أمنية متكررة بسبب الحوادث الأمنية المتعلقة بالنزاعات بين المزارعين والرعاة. هذه النزاعات التي كانت تحل عبر الآليات الأهلية لحل النزاعات، تزايدت وتيرتها وشدتها وما يرافقها من انتهاكات جسيمة بسبب تدخلات قوات الدعم السريع لصالح الرعاة، وتدخلات القوات التابعة للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام 2020 لصالح المزارعين. وقد شهدت المنطقة في السنوات الأخيرة مواجهات عنيفة عديدة منها على سبيل المثال ما عُرف بأحداث منطقة كولقي في 7 ديسمبر 2022، وأحداث منطقة طويلة في 14 فبراير 2023.

سيطرة الأطراف المتقاتلة على محليات ولاية شمال دارفور
الأمنية في ولاية شمال دارفور بشكل مريع، إذ تجددت المواجهات العسكرية مرة أخرى. وسيطرت قوات الدعم السريع خلال هذه الفترة على عدد من رئاسات المحليات بشكل كامل منها محلّيات كبكابيّة (202 كلم غرب مدينة الفاشر)، ومدينة السّريف بني حسين (250 كلم تقريبا غرب الفاشر)، وسرف عمرة (276 كلم غرب مدينة الفاشر)، وكُتُم (110 كلم شمال غرب مدينة الفاشر)، ومدينة الكومة (78- 85 كلم تقريبا شرق مدينة الفاشر). كذلك سيطرت قوات الدعم السريع على محلية الواحة، وهي إدارة محلية لا تغطي موقع جغرافي محدّد، إذ تشمل مناطق الإقامة الموسمية للعرب الرّحل في عدد من المحليات الجغرافية، لكن رئاستها تقع في مدينة كتم. وهناك تنسيق بين قوات الدعم السريع وبعض الأعيان والمسئولين الحكوميين في هذه المناطق. كما تُدار بعض المحليات بواسطة لجان طوارئ مكوّنة من الإدارات الأهلية وأعيان المجتمع وبعض الموظفين الحكوميين في قطاعات الإدارة والصحة والتعليم مثل محليات ملّيط، المالحة، اللّعيت، الطويشة، أم كدّادة، دار السلام، كليمندو، ومحليات دار زغاوة في أمبرو وكرْنُوى والطّينة. وهناك محلية واحدة هي محلية طويلة (56 كلم تقريباً غرب مدينة الفاشر) تسيطر عليها قوات حركة جيش تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد النور غير الموقّعة على اتفاق سلام جوبا. أما محلية الفاشر نفسها فتُدار بواسطة حكومة الولاية ويسيطر الجيش على جزء كبير من مدينة الفاشر، العاصمة، بما في ذلك السوق الكبير والمؤسسات الحكومية غرب المدينة، والمقار العسكرية والأحياء في غرب وجنوب المدينة.

خريطة حُدّثت بإضافة بعض المدن في غرب السودان وشرق تشاد والأصل مأخوذ من:
Jesperson, S; Henriksen, R; Pravettoni, R; Nellemann, C (2021), ‘Illicit Flows Fueling Conflict in the Tri-Border: Migration and Artisanal gold mining in Sudan, Chad and Libya’, RHIPTO, XCEPT Research Report, June 2021.


أثّر تقاسم النفوذ والسيطرة في الولاية وفي عاصمتها تأثيراً سلبياً على الحياة اليومية للمواطنين؛ حيث يعتمد تمويل الحكومات المحلية في الولاية بشكل أساسي على الجبايات والرسوم التي تُجمع من التجار وأصحاب الأعمال وصغار المنتجين في المحليات المختلفة، وعلي ما كانت ترسله حكومة الخرطوم للأطراف الموالية لها قبل الحصار التام في الوقت الحالي. لكن في الواقع لم ينعكس عائد الجبايات على الخدمات المقدمة للمجتمع المحلي، ونتيجة لذلك هاجر عدد كبير من السكان إلى الولايات الآمنة في السودان أو إلى خارجه.


مليط: الديناميكيات الأمنية المحلية وديناميكيات التجارة الإقليمية
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 أصبحت إمدادات الأدوية والسلع التموينية والوقود ومواد الإغاثة والمساعدات الإنسانية تصل إلى إقليم دارفور عبر طريق الإنقاذ الغربي الرابط بين الخرطوم والفاشر حتى أكتوبر 2023. لكن تعثرت حركة النقل عبر هذا الطريق بعد إعلان عدد من حركات الكفاح المسلح، التي كانت تؤمّن رحلات القوافل، خروجها عن الحياد بين طرفي الحرب وانضمامها إلى القوات المسلحة. وتحولت حركة الشاحنات والعربات إلى الطريق الذي يربط الدبة في الولاية الشمالية بمليط في شمال دارفور. وتحول نقل الوقود والدواء والسلع التموينية والمواد الغذائية التي كانت تأتي إلى دارفور إلى طريق الإنقاذ الغربي إلى هذا الطريق. وساعدت حركة النقل على انتعاش الحركة التجارية بمدينة مليط، وعلى تنشيط التجارة الحدودية مع تشاد، وازدهارها بعد أن تراجعت في السنوات الأخيرة. كما نشطت الحركة التجارية بين الكفرة، في جنوب شرق ليبيا، ومدينة مليط. انتعاش الدور التجاري لمدينة مليط جعلها قبلة للتجار وأصحاب العمل والمستثمرين من كل المدن في دارفور.

صورة تعبيرية من غلاف التقرير


تقع مدينة مليط شمال مدينة الفاشر على بعد 60 كلم تقريباً، وتعتبر الميناء البري الرئيسي الذي يربط دارفور بليبيا. وكذلك تربط إقليم دارفور ببقية ولايات السودان عن طريق مدينة الدبة في الولاية الشمالية، ويبلغ عدد سكانها حوالي 206,000 حسب إحصاء 2010 نسمة، إضافة إلى 20,000 نسمة من النازحين من مدن الجنينة وزالنجي ونيالا والفاشر وكتم، وتضاعفت أعداد النازحين بعد نزوح بعض سكان القري الي مليط. وتعتبر الزراعة بشقيها النباتي والحيواني النشاط الرئيسي للسكان، إضافة إلى التجارة والصناعات اليدوية. وتسكن المدينة مجموعة من القبائل أهمها البرتي والزيادية والميدوب والتنجر والفور والبني عمران والشناقيط والزغاوة وبعض القبائل الأخرى.


بعد تعثر حركة الشاحنات عبر طريق الإنقاذ الغربي نشطت الحركة التجارية بين الدبة ومليط، حيث يقوم التجار في دارفور بإرسال الإبل والضأن والتبغ (التمباك) وبعض المنتجات الزراعية المحلية مثل حب البطيخ والسمسم والكركدي والفول السوداني والصمغ العربي إلى الدبّة في الولاية الشمالية، والدبة عبارة عن معبر لهذه السلع حيث تذهب كل تلك البضائع إما الي مصر أو تصدر الي خارج السودان أو تنقل الي المصانع الموجودة في القضارف وسنار والمدن ذات الاستقرار الأمني النسبي. بينما يقوم التجار بالدبّة بشحن البصل والبلح والسكر والعدس وبعض المواد الغذائية إلى مليط.


كانت التجارة الحدودية بين السودان وليبيا، ومن أهم معابرها الطريق بين الكفرة في جنوب ليبيا ومليط في إقليم دارفور، ذات أهمية تاريخية، حيث سهلت تبادل السلع وعززت العلاقات الاقتصادية بين البلدين، عبر الطرق الصحراوية. ويعدّ هذا الطريق التجاري بمثابة شريان حياة حيوي للمجتمعات على كلا الجانبين، حيث يتيح تدفق السلع الأساسية مثل الغذاء والوقود والسلع الأخرى. ومع ذلك، فقد أثّر عدم الاستقرار السياسي والمخاوف الأمنية والصراعات العرضية في المنطقة على ديناميكيات التجارة.


شهد التبادل التجاري بين دارفور وليبيا ومصر حراكاً واسعاً بعد اندلاع الحرب وانقطاع انسياب السلع وحركة العمال من وسط وشرق السودان إلى إقليم دارفور. وتقوم دارفور بتصدير الإبل والضأن والمنتجات الزراعية المتمثلة في الفول السوداني والكركدي والسمسم والصمغ العربي وحب البطيخ إلى ليبيا ومصر عن طريق مليط، وتستورد في المقابل السكر والدقيق والأرز والعدس والمياه الغازية والوقود (الجازولين والبنزين) من ليبيا وألواح الطاقة الشمسية والأسمنت من مصر.


منذ الأشهر الأولى للحرب، قامت الحكومة الليبية بتقديم تسهيلات كبيرة بشأن تصدير المواد الغذائية والوقود من ليبيا إلى السودان عن طريق مدينة الكفرة الليبية. وقامت بتخفيض الرسوم المحلية ورسوم الصادر للوقود (الجازولين والبنزين)، وكذلك المواد الغذائية التي يتم شحنها إلى دارفور والمتمثلة في السكر والأرز والدقيق والمكرونة والعدس وبعض السلع الاستراتيجية الأخرى. كذلك عملت الحكومة الليبية على توفير الوقود للشاحنات التي تقوم بترحيل هذه السلع من ليبيا إلى السودان ذهاباً وإياباً بسعر تكلفتها في ليبيا. وقد ساعد ذلك على توفير هذه السلع في كل ولايات دارفور وتعدّاها الي الولايات الأخرى – مثل كردفان بأسعار معقولة بالرغم من كثرة نقاط التفتيش والجبايات بين الكفرة في ليبيا وولايات دارفور. ونسبة لهذه التسهيلات الكبيرة التي قدمتها الحكومة الليبية لتصدير السلع والمواد الغذائية والوقود من ليبيا إلى السودان عبر مدينة الكُفرة فقد انتعشت الحركة التجارية في مدينة مليط بشكل كبير. وتوافد التجار من كل أنحاء دارفور إلى المدينة، وبدأوا في تصدير المنتجات المحلية المذكورة آنفاً. ساعد ذلك على انسياب تدفق السلع الغذائية والوقود إلى ولايات شمال وغرب ووسط وجنوب دارفور. ولم تتوقف حركة الشاحنات بين مليط وبقية ولايات دارفور طوال فترة الحرب إلا بعد أن استولت قوات الدعم السريع على منطقة مليط فتوقفت الحركة في طريق الدبة – مليط وطريق الكفرة – مليط في أبريل.2024 وقد أدى ذلك إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار بعض السلع والمواد الغذائية.

أحد القادة المحليين يخاطب المواطنين في مليط في أواخر أبريل عقب غارة طيران ورد أنها قتلت 7 مواطنين وعدد كبير من الأبل. سكرين شوت من مقطع فيديو متداول في وسائل التواصل الاجتماعي.


البوّابات على الطرق السريعة بوصفها أداة فعّالة لتحصيل الجبايات
قبل سيطرة قوات الدعم السريع على مليط، قامت بعض الإدارات الأهلية والحركات الموقعة على اتفاق جوبا بإنشاء بوابات (نقاط تفتيش) على امتداد الطريق بين الكفرة ومليط، وكذلك على امتداد الطريق بين مدينة الدبة ومليط. وقد أُنشئت هذه البوابات بذريعة حماية القوافل التجارية من النهب والسرقة. وضمّت الحركات التي أدارت تلك البوابات تجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر، وجيش تحرير السودان بقيادة مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل، وحركة تحرير السودان المجلس الانتقالي بقيادة الهادي إدريس، والتحالف السوداني بقيادة خميس أبكر. وقد بلغ عدد هذه البوابات 23 بوابة في المسافة بين الدبة ومليط و11 بوابة على طريق الكفرة (ليبيا) – مليط. ورغم أن هذه البوابات ساهمت في انسياب حركة الشاحنات والعربات إلى مليط، ومنها إلى بقية مدن دارفور، إلا أنها أصبحت عبئاً على حركة التجارة إذ صارت تفرض رسوماً عالية على شاحنات البضائع تتراوح ما بين 50,000 إلى 100,000 جنيه، ما يعادل 38 إلى 76 دولاراً) في البوابة الواحدة. انعكست هذه الرسوم على أسعار معظم السلع في مليط. وتعتبر الأسعار في مليط أقل الأسعار في إقليم دارفور حيث تفرض بوّابات أخرى في الطريق من مليط إلى كل ولايات دارفور بدورها رسوماً أخرى على هذه السلع. من جهة أخرى هناك بعض البوابات التي تأخذ رسومها في شكل مواد عينية مثل الوقود من الشاحنات، بلغت في بعض الأحيان 25% من إجمالي الشحنة. وتبيع القوة المسؤولة عن البوابة حصيلتها من السلع في الأسواق المحلية بأسعار مرتفعة. وبالرغم من أن هذه الممارسة أدت إلى تخفيض أسعار بعض السلع في فترة معينة، إلا أنها أدت إلى خروج التجار والمستثمرين الأساسيين من العمل في طريقي الدبة والكفرة، لأن العاملين في هذه البوابات (قوات الكفاح المسلح وبعض الإدارات الأهلية) صاروا منافسين لهم في السوق، وصارت معظم السلع، خاصة الوقود تُعرض في الأسواق المحلية في الفاشر ومليط بواسطة أفراد قوات الكفاح المسلح.


الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود
قامت قوات الدعم السريع بعد سيطرتها على مدينة مليط بوضع يدها على كل كميّات الوقود القادمة من ليبيا والقادمة من تشاد عبر الطينة وذلك لتزويد عرباتهم المقاتلة من جهة، والسيطرة على السوق من جهة أخرى لضمان عدم وجود منافسين لهم. ووفق تقرير للمبادرة الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود فلقد كان الجيش العربي الليبي بقيادة اللواء حفتر يقوم منذ العام 2022 يقوم بتهريب الوقود إلي الحدود الجنوبية لليبيا تحت حماية كتيبة سبل السلام الموالية له. كانت الكتيبة توصل الوقود بدورها عبر الكفرة إلي قوات الدعم السريع التي كانت تستفيد من توزيع الوقود المهرب في السودان، ويدل ذلك علي أن مساندة اللواء حفتر للدعم السريع قد بدأت قبل حرب أبريل2023.


تعتبر “تجارة الارتزاق” إحدى الجرائم العابرة للحدود المحرمة دولياً. ومعلوم أن حركات مسلحة سودانية وتشادية كانت تقاتل بجانب قوات اللواء حفتر مقابل دفعيات معتبرة تبلغ مليون يورو شهرياً وفق تقرير الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود المذكور آنفاً. وكان دافع المجموعات المسلحة في ذلك الحصول علي المال والعتاد الحربي لقواتها. وكانت أهم المجموعات المسلحة الدارفورية الداعمة لحفتر هما فصيلا جبهة تحرير السودان بقيادة مني مناوي وعبد الواحد محمد نور بالإضافة لتجمع قوي تحرير السودان. ولكن مع الانحسار السريع لمقدرة جيش حفتر على مواصلة تلك المدفعيات عادت قوات الحركات الدارفورية إلى قواعدها في السودان في اطار اتفاقية جوبا للسلام. ومن ناحية أخري، قام المئات من مقاتلي الحركات التشادية بالالتحاق بقوات الدعم السريع بعد حرب أبريل 2023.


كانت حدود السودان مع ليبيا وتشاد تاريخياً، ولا تزال، معبراً لتهريب الأسلحة والذخائر. فمن ناحية استفادت الحركات الدارفورية المسلحة من وجودها بليبيا للحصول علي إمدادات معتبرة من الأسلحة، ومنها ناقلات الجنود المدرعة. ونسبة لسهولة الحركة بين مليط والحدود الجنوبية لليبيا والحدود الشمالية الشرقية لتشاد فقد نشطت تجارة السلاح والمخدرات والخمور وبعض السلع الممنوع دخولها للسودان (مثل مستحضرات التجميل) وبشكل خاص في مدينة مليط. ولأن الحركات المسلحة كانت مسؤولة عن تأمين المنطقة، فقد ساعد جزءٌ من أفرادها على نقل وتهريب هذه الأسلحة والممنوعات بسياراتهم ذات الدفع الرباعي إلى داخل المدينة ومن ثم توزيعها والإتجار فيها. وقبل سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة مليط راجت تجارة الأسلحة بشكل كبير وصارت الأسلحة الصغيرة بأنواعها المختلفة تعرض علناً في أسواق المدينة. وهناك منطقة في الجزء الشمالي الغربي من سوق مدينة مليط تعرف باسم “فاغنر” اشتهرت بتجارة الاسلحة وبيعها علناً لمن يرغب وقد استمر هذا الأمر حتى بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة. أما تجارة الذهب فتكاد تكون معدومة وذلك لبعد مناطق التعدين الكبيرة عن مليط.


تجدد الاشتباكات في شمال دارفور: تبعات سيطرة قوات الدعم السريع علي مليط
تجددت الاشتباكات مرة أخرى بشكل عنيف في نطاق واسع من ولاية شمال دارفور بعد إعلان حركة تحرير السودان جناح مناوي، وحركة العدل والمساواة جناح جبريل، وكذلك حركة مصطفى تمبور، الخروج من موقف الحياد وانضمامها إلى القتال مع القوات المسلحة. نتيجة لذلك قامت قوات الدعم السريع بحرق مجموعة من القرى التي تقع تحت حماية القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح ،غربي مدينة الفاشر. وتهجير سكان هذه القرى بحجة أنهم يمثلون حاضنات اجتماعية لهذه الحركات المسلحة. كما رفضت قوات الدعم السريع، في وقت سابق، دخول المساعدات الإنسانية عبر مسار بورتسودان – الدبة – مليط – الفاشر الذي تسيطر عليه القوات المسلحة والحركات الحليفة لها آنذاك، متعللةً بأن هذا مخطط لإيصال الإمدادات العسكرية إلى قيادة الفرقة السادسة مشاة بالفاشر. وهددت قوات الدعم السريع باستخدام القوة لمنع دخول هذه المساعدات. وقامت بالفعل في مطلع أبريل 2024 بالسيطرة على كل البوابات بين الدبة ومليط بعد انسحاب الحركات المسلحة منها، وتحويل مسار عدد من الشاحنات التجارية إلى محلية الكومة التي تسيطر عليها ليتم تحصيل الرسوم منها ثم تعرج إلى مليط. وكانت تلك الشاحنات أصلا في طريقها من الدبة إلى مليط. وقد تسبب ذلك في خسائر فادحة للتجار وأصحاب الشاحنات.


في خطوة لاحقة قامت قوات الدعم السريع في 14 أبريل 2024 بالسيطرة على مدينة مليط لتحكم قبضتها على حركة الشاحنات التجارية وشاحنات المساعدات الإنسانية بين مليط والدبة، وكذلك حركة الشاحنات بين مليط ومدينة الكفرة الليبية. وقد قام قائد قوات الدعم السريع بمليط اللواء علي يعقوب جبريل بحل لجنة الطوارئ التي كانت تدير المحلية والمكونة من الإدارات الأهلية وأعيان المنطقة وبعض العاملين في قطاعات الإدارة والصحة والتعليم والمياه بالمحلية. وقام بتشكيل لجنة إدارية جديدة من إثني عشر شخصاً معظمهم من لجنة الإسناد المدني لقوات الدعم السريع بمليط، وهي لجنة أغلب أعضائها من قبيلة الزيادية ذات الأصول العربية. وهناك همس في المدينة بأن هذه اللجنة هي التي خططت لدخول قوات الدعم السريع إلى المدينة والسيطرة عليها، لأن مليط تعتبر الرئة التي يتنفس بها كل إقليم دارفور في هذه الفترة. وعبر هذه السيطرة يمكن لقوات الدعم السريع حصار مدينة الفاشر بحرمانها من دخول الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والوقود وإضعافها حتى تسقط.


في رد فعل مباشر علي سقوط مليط في أيدي قوات الدعم السريع، قام سلاح الطيران بشن ثلاث غارات علي المدينة وضواحيها في ممارسة تقرب من ممارسات العقاب الجماعي كانت الأولي منها في يوم 25 أبريل استهدفت مجمع للآبار في أطراف المدينة وأسفرت عن مقتل 7 أشخاص و350 رأساً من الإبل. ويشعر السكان المحليون بالقلق من تلوث إمدادات المياه الخاصة بهم بمخلفات المتفجرات. ويمثّل القصف المتكرر للأهداف المدنية في مناطق قوات الدعم السريع نمطاً من العقاب الجماعي.


من المهم ملاحظة أن قوات الدعم السريع ظلت ترزح تحت ضغوط عديدة منذ بداية العام الحالي بدأت في إضعاف مقدرتها علي الصمود. وذلك نتيجة لدخول المسيّرات الإيرانية المتقدمة في ترسانة القوات المسلحة القتالية، وتزايد اعتماد الجيش علي القصف الجوي لمواقع الدعم السريع، ومعاناة تلك القوات من الانشقاقات المتكررة في صفوفها وعدم انضباط مقاتليها وجنوحهم إلى النهب والانتهاكات واسعة النطاق وإذلال المواطنين في مناطق سيطرة الدعم السريع. ويبدو أن استيلاء الدعم السريع علي مليط وطرق التجارة من وإلي دارفور قد أسهم في تخفيف الضغوط عليها؛ كما أسهم في إضعاف تدفق الموارد المالية والإمدادات إلي الحركات المسلحة الموالية للجيش والي الفرقة السادسة مشاة بالفاشر نتيجة لمحاصرة قوات الدعم السريع للمدينة.


كنتيجة مباشرة لهذا الحصار، اضطرت القوات المسلحة للاعتماد علي الإسقاط الجوي للتشوين وتوفير احتياجات ما يقرب من 30,000 مقاتل شبه محاصرين في مقر الفرقة السادسة بالسلاح والذخائر والمسيرات والتمويل. لكن عمليات الإسقاط الجوي كانت محدودة وفق المصادر المحلية.

العواقب الإنسانية
قبل سيطرة قوات الدعم السريع على مليط، كانت لجنة الطوارئ بالمحلية تشرف على عمل الجمارك. ويقدّر متوسط إيرادات الجمارك والرسوم بحوالي 188,000,000 جنيه، ما يعادل 144,615 دولار في الشهر، حسب السعر الموازي للدولار البالغ 1300 جنيه سوداني. وكان قد تم الاتفاق على توزيع إيرادات الجمارك والرسوم المحلية كالاتي:
1/ 10%للخدمات الصحية
2/ 40% لحركات الكفاح المسلح بالمحلي
3/ 43% للعاملين والموظفين بمحلية مليط
4/ 7% من الايرادات للمحصّلين
بالرغم من الاتفاق، لم تلتزم قوات حركات الكفاح المسلح بهذا التقسيم. وكانت تأخذ أكثر من 50% من هذه الإيرادات في كل شهر، بذريعة حفظ الأمن وإعاشة أفرادها في بعض النقاط داخل المدينة، حسب إفادة مقربين من لجنة الطوارئ بالمحلية. وبعد استلام قوات الدعم السريع لزمام الأمر في المحلية، أعلن قائد قوات الدعم السريع بمليط أن إيرادات الجمارك والرسوم المحلية ستوزع مناصفةً بين الأمن والخدمات بالمحلية (50% لكل).
توقّفت حركة الشاحنات بين الدبة ومليط، وكذلك بين الكفرة ومليط، بعد سيطرة الدعم السريع على المحلية. فارتفعت أسعار السلع خلال هذه الفترة. كان سعر جوال السكر زنة 50 كيلوجرام بمليط قبل سيطرة الدعم السريع 76,000 جنيه، ما يعادل 58 دولاراً، لكنه بلغ 88,000 جنيه تعادل 67 دولاراً بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة. وكان سعر جوال الأرز زنة 25 كيلوجرام قبل سيطرة الدعم السريع 35,000 جنيه تعادل 26 دولاراً ووصل سعره 39,000 جنيه تعادل 30 دولاراً بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة. وارتفع سعر برميل الجازولين من 420,000 جنيه تعادل 323 دولاراً قبل سيطرة الدعم السريع ليصل إلى 460,000 جنيه تعادل 353 دولاراً بعد سيطرة الدعم السريع. وقد ذكر شهود عيان أن معظم الذين يقومون بتجارة الوقود في مليط هم من منتسبي الدعم السريع أو مؤيديهم. ومع ذلك، لوحظ أن سعر البصل في مليط انخفض من 110,000 جنيه للجوال، أي ما يعادل ٨٤ دولار قبل سيطرة الدعم السريع إلى 95,000 جنيه تعادل 73 دولاراً، ويُعزى ذلك إلى وصول كميات من البصل المحلي من محليتي كبكابية وكتم اللتين تسيطر عليهما قوات الدعم السريع إلي مدينة مليط.

تزايدت المخاوف في إقليم دارفور عندما قامت السلطات الأمنية في الولاية الشمالية بتقييد تصاريح الشاحنات المحملة بالسلع من الدبة إلى مليط، حيث كانت تلك الشاحنات تأتي بالسلع الغذائية من الدبة. وفي خطوة مماثلة قامت قوات الدعم السريع بمنع تحرك الشاحنات التي تحمل المنتوجات المحلية المتمثلة في المحاصيل الزراعية مثل السمسم وحب البطيخ والصمغ العربي والكركدي والفول السوداني والضأن والإبل بالإضافة إلى التبغ (التمباك) من شمال دارفور إلى مدينة الدبة عبر مليط. وكذلك منعت تحرك الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والوقود من مليط إلى مدينة الفاشر. أيضاً توقفت الحركة التجارية بين الكفرة الليبية ومدينة مليط في بداية أبريل 2024 نسبة إلى الضوابط التي فرضتها الحكومة الليبية على ترحيل السلع والوقود إلى السودان في الفترة الأخيرة. وبناءً على ذلك قامت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح والجيش السوداني التي ترابط في منطقة المثلث الحدودية بين ليبيا والسودان ومصر على بُعد حوالي 1800 كلم تقريبا شمال شرق مدينة مليط بمنع تحرك الشاحنات المحملة بالسلع والوقود إلى دارفور. أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار بعض السلع في مدينة مليط والفاشر واختفاء بعضها من الأسواق، مثل الجازولين والبنزين. وتضاعفت قيمة تذاكر السفر بين مليط والفاشر، وتعطلت محطات المياه ومطاحن الغلال في مليط والفاشر التي تعتمد في تشغيلها بشكل أساسي على الجازولين. كذلك تعطلت حركة الشاحنات من مدن إقليم دارفور الأخرى إلى مليط.
وفق مصادر مطّلعة فإن قوات الدعم السريع تعد لإعلان إدارة موحدة لكافة مناطق سيطرتها بغرب ووسط السودان حال إعلان سلطة الأمر الواقع ببورتسودان عن تعيين حكومة طوارئ يكون مقرها بورتسودان. ومن دوافع الدعم السريع للإسراع بإعلان تلك الإدارة سعيه للتحكم الكامل علي تدفقات العون الإنساني التي من المتوقع أن ترسل عبر حدود تشاد الي دارفور لدرأ المجاعة المتوقع أن يتأثّر بها الملايين في مناطق سيطرتهم. ويحاول الدعم السريع إقناع المجتمع الدولي الإنساني باعتماد طريق الكفرة – مليط كأحد طرق ارسال العون الإنساني، وسيعني ذلك خضوع المعونات الإنسانية الواردة عبر ليبيا لسيطرة الدعم السريع الكاملة كما هو حادث بالفعل الآن في المعونات القادمة من تشاد عن طريق الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور.


مع تزايد التوترات الأمنية بشمال دارفور منذ أكتوبر الماضي تزايدت حركة اللجوء من دارفور إلي ليبيا عبر طريق مليط – الكفرة. وكانت بلدية الكفرة قد أعلنت في مطلع مايو أن عدد اللاجئين السودانيين بالمدينة قد تجاوز الخمسة عشر ألفاً. ووفق التقارير المتخصصة، فانه لا يبدو أن الآلاف من السودانيين الذين اضطرّوا إلى اللجوء إلي ليبيا قد سعوا للاستعانة بمهربي البشر سعياً وراء الهجرة غير النظامية إلي أوربا عبر البحر الأبيض المتوسط، وهي مغامرة تكتنفها الكثير من المخاطر. لكن ليس من المستبعد ان يلجئوا إلى هذا الخيار الصعب مع تزايد الضغوط عليهم في ليبيا.


ملاحظات ختامية
صار المواطن في دارفور واقعاً بين مطرقة قوات الدعم السريع وسندان الجيش وقوات الحركات الموالية له. فقد شهدنا توسّع مسار الحرب في دارفور من المواجهات العسكرية الميدانية وسط المدنيين إلى السيطرة على القوافل التجارية، والأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، والهيمنة علي المساعدات الإنسانية واستخدامها بوصفها أداةً جديدة من أدوات الحرب. وسيؤدي هذا الوضع إلى خنق كل إقليم دارفور وينذر بحدوث كارثة إنسانية كبيرة تهدد حياة الملايين من سكان الإقليم إذا لم تتدخل المؤسسات الأممية والمنظمات الحقوقية لإنقاذهم.


اننا في مرصد الشفافية والسياسات والشبكة السودانية لبحوث الأزمات نرى أن تكتيكات قوات الدعم السريع في منع إمداد القوات المسلحة السودانية بالفاشر بأي ثمن، وبغض النظر عن معاناة المدنيين، تسهم بشكل مباشر في مفاقمة الأزمة الغذائية بالمدينة وكل الإقليم. وقد ترتب عليها بالفعل تصاعد أعداد حالات وفيات الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية بمعسكرات النازحين. وانقطاع الطرق من الدبة والكفرة يعني ببساطة عدم إمكانية وصول أي إمدادات إغاثة أو إمدادات تجارية إلى دارفور عبر هذين الطريقين الحيويين.


ومن النتائج الماثلة لما يمكن اعتباره استعمالاً للغذاء كسلاح في اطار الحرب الحالية، ما نشهده من تزايد مضطرد في أعداد النازحين. أما إذا مضت قوات الدعم السريع قدماً بإعلان إدارة مدنية في مناطق سيطرتها العسكرية، فإن ذلك سيخلق واقعاً بالسودان شبيه لما هو حادث في ليبيا من التقسيم الفعلي للبلاد إلي منطقتي نفوذ عسكري ومدني متنافستان علي حساب وحدة القطر.


أخيراً فإن مواصلة القوات المسلحة في سياساتها في استقطاب المليشيات علي أسس إثنية بغرض إضعاف قوات الدعم السريع وتأجيج الصراعات القبلية بين المجموعات المكونة للدعم السريع، علي نحو ما تنمّ عنه المحاولات الجارية لإعادة تجنيد موسي هلال ومقاتليه دعماً للمجهود الحربي للجيش، سيزيد الطين بلة. وهذا يعني تأجيج الصراعات الموجهة من بعيد لسنوات طويلة مقبلة وتدمير ما تبقي من السلام المجتمعي بدارفور.

Welcome

Install
×