التشكيلي بكري بلال أحد رواد الواقعية السحرية: أنا لا أثق في الفراغ ولذلك لا أترك له لوحاتي
التشكيلي بكري بلال - وسائل التواصل
أمستردام: الثلاثاء 28 يوليو 2026م – راديو دبنقا
تقرير: راديو دبنقا
استضاف “منتدى إبداع للفنون” بصالة نداوة بحي النعيمية 3 في إمارة عجمان، الفنان التشكيلي والشاعر بكري بلال الأسبوع الماضي، في أمسية ثقافية فنية حملت عنوان “فضاءات الواقعية السحرية في أعماله”، شهدت عرضاً لعدد من لوحاته.
وقدمت الدكتورة راحيل العريفي دراسة نقدية لأعمال التشكيلي بكري بلال، كما تخللت الجلسة فقرات غنائية أحياها المطرب علي السقيد، وأدار الجلسة الدكتور محمد عبد الرحمن بوب، وسط تفاعل ومداخلات ثرية من الحضور.
وتناول الفنان التشكيلي بكري بلال في مستهل حديثه مسيرته الإبداعية التي انطلقت من بيت الأسرة الكبير في حي العرضة شمال بمدينة أم درمان؛ حيث تأثر بالبيئة الأسرية والحي السكني الذي كان يعج بالتنوع الثقافي والسياسي والديني، مما شكل وجدانه الثقافي ووعيه منذ صغره، لتصبح تلك البيئة مصدر إلهامه الشعري والتشكيلي.
الإلهام الأول للوحة
وأوضح بلال أنه حين يبدأ بوضع قلم الرصاص على اللوحة، تنهال عليه الأفكار متتالية، لتتداخل فيها المشاهدات اليومية بالإلهام الشعري، وتجواله في الطرقات والشوارع، وذكريات الطفولة، مبيناً أن ذلك يعود إلى المخزون الفكري للشخص وتراكمه المعرفي.
وأشار إلى أنه كتب الشعر منذ أن كان في السنة الثالثة من المرحلة الوسطى، إلا أنه ورث الفن التشكيلي عن والدته، لافتاً إلى أن الأسرة تضم أكثر من شاعر وفنان تشكيلي، وأن هذا الفن توارثته الأجيال من الآباء إلى الأبناء ثم الأحفاد، حيث تضم العائلة أكثر من 20 فناناً تشكيلياً.
ويرى بلال أن الإلهام يشترك فيه الشاعر والتشكيلي، لكنه يختلف من شخص لآخر، مشيراً إلى أن هنالك تشكيليين أنهوا دراستهم الجامعية وتوقفوا عن العطاء، بينما استمر بعضهم لفترات تراوحت بين عشرة إلى عشرين عاماً ثم انقطع عطاؤهم، مؤكداً أن “الفنان لا يتقاعد، والفن لا يرتبط بسن معاشية”.
وذكر أن أستاذه الفنان التشكيلي العالمي محمد عمر خليل، الذي يعيش حالياً في الولايات المتحدة، ما زال مستمراً في العطاء ويشارك بلوحاته في المعارض، معتبراً إياه أحد أبرز المؤثرين في مسيرته، وصاحب الفضل فيما وصل إليه من مجد فني.
وقال بلال عن أستاذه: “إنه وقف معنا في المرحلة الثانوية وعلمنا الرسم بصبر شديد، وعلمنا كيف نمسك بالقلم لنخطط ونرسم لوحة تشكيلية. وبعد أن انتقلنا إلى كلية الفنون وجدناه أمامنا يدرسنا، ثم هاجر لاحقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه ما زال ينتج ويشارك بلوحاته في المعارض، فأنا أشكره على ذلك”.
تضاد لوني
وعن مراحل تطور إبداعاته الفنية، أوضح أن التطور والتغييرات التي طرأت على شخصيته انعكست مباشرة على لوحاته، حتى بات يشعر بأن اللوحات التي رسمها قبل 20 أو 30 عاماً تبدو وكأنها من أعمال شخص آخر.
وتتميز لوحات بلال بالتضاد اللوني، إذ يعتقد أن الفنان هو الناقد الأول لأعماله؛ فبعد الفراغ من رسم اللوحة يقوم بنزعها من الحامل ونقلها إلى مكان آخر ليتأملها من زاوية مختلفة، ويعيد النظر فيها لإدخال التعديلات اللازمة ووضع اللمسات الأخيرة حتى تخرج في صورتها النهائية. وأضاف أنه لا ينفذ اللوحة بتدرج واحد أو وتيرة واحدة أو بلون واحد، بل يستخدم ألواناً متعددة، فتأتي لوحته غنية بالألوان، ولا سيما الألوان الحادة التي نادراً ما يستخدمها الآخرون.
رؤية نقدية
من جانبها، أوضحت الناقدة التشكيلية د. راحيل العريفي، في مستهل قراءتها النقدية، أن بكري بلال بدأ مسيرته الإبداعية مع فضاءات “تيار الخرطوم التشكيلي” (الذي من رواده الفنان إبراهيم الصلحي، والفنان عثمان وقيع الله، وأحمد شبرين)، وأشارت إلى إطلاق وصف “تيار” عليه لأن تصنيفه كـ”مدرسة” فيه لبس من حيث الاصطلاح.
وأضافت العريفي: “هو في رأيي تيار ذو بعدين؛ أفريقاني وسودانوي، اتخذ الزخرف السوداني كمفردة جمالية متمثلة في أعمال الصلحي، بينما اتخذ تيار آخر من الحرف العربي مفردة جمالية كما في أعمال عثمان وقيع الله وشبرين في بداياته المبكرة”.
وترى أن الفنان بكري بلال تفرد بأسلوبه الفني الذي اختلف عمن سبقه من الفنانين، قائلة: “لقد اطلعت على بداياته ووجدت فيها تلك النكهة التي تشبه النمنمات العربية في التكوين الكلي للوحة وفي الموضوعات إلى حد ما، متمثلة في شخوص داخل الأطر، ومن هذا الاتجاه تطور أسلوبه”.
ومن خلال تصنيفها للأعمال الفنية لفناني الجيل الأول، صنّفت العريفي أعمال الفنان بكري بلال ضمن “تيار الواقعية السحرية”، باعتباره أحد رواد هذا التيار في السودان.
ورجّحت العريفي أن أصل مصطلح “الواقعية السحرية” ظهر عام 1925، حينما نظّم مجموعة من الفنانين معرضاً في مدينة مانهايم بألمانيا، وكان أحد زواره الصحفي والناقد الفني الألماني فرانز روه، وهو أول من أطلق هذا الوصف على ذلك النوع من الفنون.
أوراق اللعبة
وتقول د. راحيل العريفي: “عند إمعان النظر في الكتيب الأول وتذوق لوحاته جمالياً، لاحظت التقسيمات المستطيلة الملونة وبها شخوص محددة بالألوان الغامقة؛ وهي شخوص في رأيي متأملة ذات نظرات مواجهة أو نظرة مسدلة، تبادر إلى ذهني أنها شبيهة بشخوص وأجواء أوراق اللعبة (أوراق الكوتشينة) بالألوان ذات التحديد الخطي”.
وأضافت أن هذه اللمحة من التشابه توحي بأن الواقع الحدثي في اللوحة عبارة عن أدوار لُعب في الحياة، وأن الشخوص تتوزع عليهم هذه الأدوار في كل لوحة من لوحات بكري بلال، ويخوضون في الحياة بهذه الصفة التي ليست مجرد زينة. ومن المدرك أن بطاقات اللعب هي نظام رمزي عميق يرتبط بالتاريخ، والفلسفة، والأساطير، وعلم النفس، وهي تجربة بدأت ملامحها في التشكيل السوداني الحديث وتفردت بها الممارسة التشكيلية في الفضاء الفني السوداني.
وبالنظر إلى لوحات الفنان بكري بلال، تابعت العريفي: “أحسست بذلك العالم الخفي الباطني للواقع من خلال تأملات الشخوص والسكون الظاهر في حركة الأجسام والعيون، وصنفت أسلوب الرسم عنده بنمط النقد التأويلي والتفسيري، أي أن أعماله تنتمي لتيار الواقعية السحرية”.
وأوضحت أن من سمات هذا التيار: الاهتمام بالضوء والظل والملمس، استخدام منظور واقعي مع إدخال عناصر غير واقعية (كأجسام تطفو، أو أشخاص بأحجام غير طبيعية، أو أحداث غير ممكنة)، تداخل الأزمنة والأمكنة، الرموز الغامضة، رسم التفاصيل الدقيقة، بجانب تميز فضاء اللوحة بالهدوء؛ حيث تبدو المشاهد والشخصيات ساكنة توحي بتوقف الزمن، دون تقديم تفسير مباشر، مما يترك المشاهد في حالة تأمل.
المزج اليومي
وأشارت د. راحيل العريفي إلى أن المزج بين اليومي والعجائبي في العمل يثير تساؤلات عن الأشياء العادية؛ حيث تُعرض بطريقة تجعلها غير عادية، فالسحر يظهر من داخل الواقع وليس خارجه، والغموض والدهشة يتحركان في الخفاء. وتوظف هذه التقنية عناصر فانتازية كقدرة الشخصية الواقعية على السباحة في الفضاء، أو تحريك الأجسام الساكنة بمجرد التفكير فيها أو بقوى خفية، بغرض احتواء الأحداث الواقعية المتلاحقة وتصويرها بطريقة تحرك حواس المتلقي فلا يستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وما هو خيالي، وتستمد هذه العناصر من الخرافات والحكايات الشعبية وعالم الأحلام.
وتعتقد العريفي أن الألوان عند الفنان بكري بلال مختلفة وغنية، وتمثل الظلال السحرية والغامضة في فضاء اللوحة وهي تتوزع على الشخوص، تارة بدفء لطيف، وتارة أخرى يظهر اللونان الأزرق والأخضر كضيوف يمرون بلطف على الشخوص.
وترى أن الألوان تعكس ذلك الضوء العجائبي لفضاء الشخوص الساكنة، وتأثير الألوان الحارة ومتوسطة الدفء يمنح إبداعه لمحة دافئة وغنية من علاقات التضاد اللوني والانسجام، وتحديدات اللون الغامق على الشخوص تضعها في إطار سحري متحرك، أحياناً بظلال إضاءات الألوان مختلفة الدرجات، وأحياناً في فضاء هادئ مع الألوان الباردة، وأحياناً أخرى يضفي طابع الثبات والسكون على اللوحة.
ولاحظت العريفي أنه في الفئة الثانية من لوحات بكري بلال، ازدادت عناصر الواقعية السحرية في أعماله، خاصة في الألوان الغامقة التي تظلل اللوحة وتضفي عليها ذلك الغموض الساحر، وحتى التحديدات المحيطة بالشخوص تنوعت بين التحديد الضوئي اللطيف بالألوان الفاتحة، والألوان الغامضة التي تحيط بها في بعض الأحيان، لتتنوع تجربته اللونية وتُضاف ألوان جديدة في فضاءات لوحاته. وزادت: “في رأيي أن هذا التطور اللوني والموضوعي نتج عن الممارسة المستمرة واندماجه الحسي في تجاربه الإبداعية”.
واختتمت العريفي ملاحظاتها بأن الفنان بكري بلال طور تجربته جمالياً عبر سنوات ممارسته للتشكيل، وتنوعت موضوعات لوحاته وتفاصيلها الرمزية الناعمة، وازدادت الألوان لديه غنى وثراء وغموضاً جاذباً للمتلقي، مع تسجيل حضور غامض وملفت لرمزية المرأة في لوحاته.
مصادر استلهام
أشارت الناقدة د. راحيل العريفي إلى أن مصدر إلهام الفنان بكري بلال ارتبط بالتطور الحضاري والتاريخي والعالمي في السودان؛ حيث ذكر أن مصادر إلهامه الإبداعية بدأت بالمرحلة التأثيرية المتقدمة لـ”غوغان” و”سيزان” و”فان خوخ”.
وأوضحت أن بلال استلهم من الفنان الروسي “شاغال” الشاعرية اللونية والموضوعية والأشكال المبعثرة في الفضاء. ومن فضاءات السودان الحضارية، استلهم من حضارة النيل القديمة سرمديتها ورسم الشخوص والرموز الملكية، ومن الحضارة الإسلامية استلهم فن العمارة والخط العربي والنمط الزخرفي النباتي، كما استلهم روح الخشوع والتبتل لله في أوضاع بعض الشخوص والطيور والحيوانات.


and then