تقرير: السودان الرابع من بين 186 دولة تأثرًا بالمناخ

فيضان حور بركه يجتاج طوكر - 26 اغسطس 2024- وسائل التواصل الاجتماعي


أمستردام: الأربعاء 10 يونيو 2026م: راديو دبنقا

يواجه السودان تحديات بيئية خطيرة في ظل تغير المناخ واستمرار الحرب التي دمرت البنية التحتية والطبيعة والغطاء النباتي والتربة، وأثرت بشكل مباشر على الموارد الطبيعية وصحة الإنسان، من خلال انتشار الأوبئة والأمراض الخطيرة، ما يستدعي اهتمام الدولة بالبيئة كواحدة من القضايا الاستراتيجية.

تزامن ذلك مع مرور ذكرى الاحتفال باليوم العالمي للبيئة، الذي يصادف الخامس من يونيو، في وقت تشهد فيه البلاد مزيدًا من الدمار مع استمرار الحرب، وتزايد حركة النزوح، وشح الموارد، والتعدي على الطبيعة مثل الغابات والأحزمة الشجرية في مختلف ولايات السودان، نتيجة لانعدام الخدمات الضرورية والتدهور المريع في الوضع الاقتصادي. وقد جعلت هذه العوامل السودان من أكثر دول العالم تأثرًا بالتغير المناخي والبيئي.

ضعف الوعي:


يقول الصحفي والمهتم بالشؤون البيئية ساري نقد إن قضايا البيئة والتغير المناخي في السودان يتم التعامل معها من منظور تقليدي باعتبارها قضايا ثانوية، وأن موضوعاتها تبدو للبعض أقرب إلى الخيال العلمي، عازيًا ذلك إلى ضعف الوعي المجتمعي، ومحمّلًا المسؤولية للمؤسسات الأكاديمية والإعلامية، رغم أن البلاد تُعد من أكثر الدول تأثرًا بالتغيرات المناخية على مستوى العالم.

ويضيف، في حديثه لـ”راديو دبنقا”، أن هناك مفارقة تتمثل في ضعف التفاعل مع طرح قضايا البيئة في المجالس السودانية، نتيجة النظرة السائدة التي تعتبرها ترفًا أو شأنًا يخص الدول المتقدمة، بينما تشير الدراسات والتقارير العلمية إلى أن السودان من أكثر الدول تأثرًا سلبًا بالتغيرات المناخية.

ويشير نقد إلى أن أحدث تقرير صادر عن جامعة نوتردام الأمريكية، التي تنشر مؤشرًا سنويًا يوضح تأثر دول العالم بالتغيرات المناخية، يضم 186 دولة، وقد حل السودان فيه في المركز الرابع عالميًا من حيث التأثر السلبي بالتغيرات المناخية.

ويضيف: “بمعنى أنه من بين 186 دولة نحن في المركز الرابع في عدم القدرة على الصمود والتكيف أمام التغيرات المناخية، وهذا رقم مخيف جدًا”، مشيرًا إلى أن المؤشر يعتمد على معايير عديدة ذات حساسية عالية.

ويذكر من بين هذه المعايير تدهور الأراضي الزراعية، وتقلص مساحة الغطاء النباتي لصالح الأراضي الجافة والزحف الصحراوي، مؤكدًا أن التغير المناخي يؤثر بشكل كبير على رطوبة التربة، ما يؤدي إلى اتساع المساحات الجافة مقابل تقلص الغطاء النباتي.

ويرى أن لذلك انعكاسات مباشرة على الأمن القومي، خاصة الأمن الغذائي، موضحًا أن تقلص الأراضي الزراعية يؤدي إلى فشل المحاصيل وانخفاض الإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الاعتماد على الاستيراد، ما يرفع فاتورة الواردات ويضغط على سعر الصرف، وهو ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني.

أول حرب مناخية في دارفور:


وتطرق ساري نقد إلى الصراع على الموارد، مشيرًا إلى أن الحرب في دارفور عام 2003، التي بدأت بين الرعاة والمزارعين، تمثل نموذجًا لهذا النوع من الصراعات، لافتًا إلى أن العديد من المؤسسات الدولية وصفتها بأنها أول حرب مناخية في القرن الحادي والعشرين، لاعتمادها على صراع الموارد الناتج عن التغير المناخي.

وأضاف أن التقرير الصادر عن جامعة نوتردام اعتمد أيضًا على عوامل أخرى مثل الفيضانات، مشيرًا إلى الفيضانات المتكررة التي شهدها السودان في السنوات الأخيرة، بما فيها فيضانات 2024 و2025، وما خلفته من أضرار كبيرة في البنية التحتية وتأثيرات صحية.

وأوضح أن الفيضانات توفر بيئة مناسبة لانتشار أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا، وأن هذه الأوبئة تمثل جزءًا من الخسائر الكبيرة التي تكبدها السودان، والتي تقدر بمليارات الدولارات.

وأشار إلى أن بنك التنمية الإفريقي ذكر في تقرير صدر عام 2021، قبل اندلاع الحرب بعامين، أن السودان يحتاج إلى نحو 2.5 مليار دولار سنويًا لتعزيز قدرته على الصمود والتكيف مع التغيرات المناخية.

العدالة البيئية


ويقول ساري نقد إن ذلك دفع العالم إلى إنشاء ما يُعرف بصندوق الخسائر والأضرار على المستوى الدولي، في إطار مفهوم العدالة البيئية أو المناخية، الذي يحمّل الدول الصناعية الكبرى مسؤولية معالجة آثار التغير المناخي، باعتبارها الأكثر إسهامًا في ظاهرة الاحتباس الحراري.

ويرى أن هذه الدول، مثل الصين ودول أوروبا والولايات المتحدة والبرازيل والهند واليابان وغيرها، تقع خارج المناطق الحارة، وبالتالي فإن تأثرها أقل مقارنة بدول جنوب الصحراء، مثل السودان، الذي لم يسهم تاريخيًا بشكل كبير في التلوث، لكنه يتحمل تبعاته بسبب موقعه الجغرافي.

وشدد على ضرورة تعزيز الوعي البيئي في السودان وترسيخ مفاهيم العدالة المناخية، قائلًا: “يجب أن يعرف الناس أنهم تضرروا من مظلمة مناخية ولديهم حقوق، وقبل ذلك يجب أن يدركوا أنهم متضررون بيئيًا وأن كثيرًا من معاناتهم مرتبط بالتغيرات المناخية”.

عامل مؤثر:


ويؤكد ساري نقد أن قضايا البيئة لم تعد رفاهية أو موضوعًا هامشيًا، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في الأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والاجتماعي، وأن فهم حجم الأضرار البيئية يمثل مدخلًا للمطالبة بالدعم الدولي.

ويرى أن التأثيرات السلبية للحرب على البيئة، رغم خطورتها، أقل من تأثير ضعف الإدارة البيئية وغياب الحوكمة والتنسيق بين المؤسسات المعنية.

وانتقد عمل الجهات الرسمية في عزلة، مشيرًا إلى غياب التنسيق بين هيئة الأرصاد ووزارات البيئة والصحة والري وغيرها، وضرورة إنشاء غرف مشتركة لتبادل المعلومات واتخاذ القرارات، مؤكدًا أن نتائج الرصد البيئي لا تصل دائمًا إلى المواطنين عبر أنظمة إنذار مبكر فعالة.

وأشار إلى أن إسناد هذه الملفات لغير المختصين ضمن المحاصصات السياسية يضعف الأداء، مؤكدًا ضرورة الاعتماد على الكفاءات والخبرات.

ولفت إلى ما وصفه بـ”إشراقات بيئية” خلال الحرب، مثل ازدهار غابة السنط خلال فترة الاشتباكات، قبل أن تتعرض لإزالة واسعة بعد عودة السكان، نتيجة الاعتماد على الحطب في الطهي، في ظل غياب الرقابة البيئية.

حقوق السودان البيئية


واختتم بوضع مجموعة من المعالجات، تشمل تعزيز الحوكمة البيئية، وتحسين التنسيق المؤسسي، وبناء القدرات الوطنية عبر التدريب والابتعاث، ومواكبة التقنيات الحديثة في الرصد والتنبؤ بالمخاطر البيئية.

كما دعا إلى تشكيل لجان فنية وقانونية للمطالبة بحقوق السودان في التعويضات المناخية، والحصول على تمويل لدعم التكيف، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة والنظيفة لتعويض خسائر الحرب.

Welcome

Install
×