” حرب الشرق الأوسط تعمّق أزمة السودان وتفاقم معاناة المواطنين مع عدم توفر البدائل
مضيق هرمز- وسائل التواصل
أمستردام: الأربعاء 8 أبريل 2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
ألقت حرب الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، بظلالها على الأوضاع في السودان اقتصادياً وإنسانياً، وضيّق إغلاق مضيق هرمز الخناق أكثر على السودان، مثل بقية دول العالم، ما فاقم من معاناة الشعب السوداني، خاصة النازحين واللاجئين في المعسكرات المعتمدين في غذائهم على العون الإنساني.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة، إذ تمر عبره ما بين 20 إلى 25% من تجارة النفط ومشتقاته، ما يجعله نقطة حاسمة في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
وفتحت هدنة الأسبوعين بين أمريكا وإيران نافذة محتملة لتحريك الملاحة عبر مضيق هرمز، لكنها لم تتحول بعد إلى عودة طبيعية لحركة الشحن. وتشمل التحركات الرئيسية في الساعات الأولى بعد الإعلان تحركاً أمنياً تقوده فرنسا بمشاركة نحو 15 دولة لتسهيل استئناف المرور.
ونقلت وكالة بلومبيرغ، عن بيانات ملاحية، أنه لم يطرأ أي تغيير يُذكر على حركة الملاحة في مضيق هرمز اليوم الأربعاء، وذلك بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النار.
استغلال مضيق هرمز
ويرجّح أستاذ علم الاجتماع السياسي، د. عبد الناصر علي الفكي، أن يؤدي أي اضطراب في هذا “الممر الحيوي” إلى تداعيات اقتصادية واسعة، خاصة على الاقتصادات الكبرى في آسيا وأوروبا، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة وانعكاساته على مختلف القطاعات.
ويقول في حديثه لـ”راديو دبنقا” إنَّ مضيق هرمز يُعد من أبرز النقاط المحورية في هذا السياق، باعتباره ممراً أساسياً تمر عبره ما بين 20 إلى 25% من إمدادات الغاز العالمية، إضافة إلى نسبة مماثلة من النفط.
ويشير أستاذ علم الاجتماع إلى أن إيران استغلت موقع مضيق هرمز ضمن استراتيجيتها في الصراع مع الولايات المتحدة، حيث فرضت نوعاً من السيطرة على الممر، دون أن تغلقه بشكل كامل أمام حركة الملاحة أو التبادل التجاري العالمي، وإنما أخضعت العبور لشروط ترتبط بطبيعة علاقاتها ومصالحها الدولية.
ويعتقد الفكي أن الموقع الجغرافي للمضيق قد ساهم، إلى جانب سيطرة إيران على عدد من الجزر الاستراتيجية في المنطقة، في تمكينها من التأثير على حركة مرور السفن، وتحويل المضيق إلى ورقة ضغط عبر فرض نظام عبور قائم على شروط محددة. ويشير إلى أن المرور لم يعد بموجبه متاحاً لجميع السفن بشكل حر، بل يتم وفق ضوابط صارمة تتماشى مع تحالفات إيران وعلاقاتها مع الدول المختلفة.
ويشير إلى الأهمية الجيوستراتيجية للمضيق، حيث يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 33 كيلومتراً، ما يجعل السفن تمر ضمن نطاق قريب من القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة المنتشرة على طول الساحل والجزر.
من التهديدات إلى المكاسب
وفي السياق الاقتصادي، يرى أستاذ علم الاجتماع، د. عبد الناصر علي الفكي، أن إيران تمكنت من تحويل التهديدات إلى مكاسب، حيث تأثر سوق التأمين العالمي، وأصبحت شركات التأمين غير قادرة على تقديم تغطية لعبور المضيق دون موافقة السلطات الإيرانية، ما يعني أن السفن التي لا تنسق مع طهران قد تُحرم من التأمين، وهو ما يحد فعلياً من حركتها دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة.
ويقول: على المستوى العملي والاقتصادي، فرضت إيران واقعاً جديداً في مضيق هرمز، من خلال سيطرة نسبية أثرت على اقتصادات العديد من الدول، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، مع تسجيل ارتفاع في أسعار النفط والغاز.
ويشير الفكي إلى أن الوضع الحالي في مضيق هرمز في حالة إغلاق واضطراب مستمرة، وذلك منذ 28 فبراير 2026، حيث تتم إدارة حركة العبور وفق استثناءات محددة لبعض السفن، على أن يرتبط السماح بالمرور بطبيعة العلاقات، في حين يُمنع عبور السفن المرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أو الدول التي تدعم هذه الأطراف في هجماتها أو اعتداءاتها على إيران.
ويقول الفكي إنّ المضيق يكتسب أهمية بالغة باعتباره ممراً يمر عبره نحو 20% أو أكثر بقليل من النفط العالمي، في ظل غياب بدائل جغرافية قادرة على تعويضه في عمليات تصدير النفط والغاز، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع قياسي في أسعار النفط، وتفاقم معدلات التضخم، وحدوث اضطرابات في الدول المستقبلة للنفط.
السياق الأمني
وفي السياق الأمني، يقول أستاذ علم الاجتماع، د. عبد الناصر علي الفكي، إنَّه يبرز تحدٍّ أكثر تعقيداً في البحر الأحمر، حيث تمتلك إيران قدرات عسكرية متقدمة، إلى جانب وجود حلفاء مثل الحوثيين، ما يفتح احتمالات لتهديدات إضافية في حال استخدام البحر الأحمر كخيار بديل، فضلاً عن مظاهر التفلت الأمني ووجود مجموعات مسلحة في المنطقة، بما يزيد من تعقيد المشهد.
وفي هذا الإطار، كما يضيف الفكي، يُنظر إلى أن إيران تستخدم مضيق هرمز كأداة من أدوات الحرب، مستفيدة من موقعه الجيوستراتيجي للتأثير على المستوى الدولي، بهدف تحقيق مصالحها والضغط لوقف ما تصفه بالتهديدات والاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية داخل أراضيها.
ويرى أن ذلك يعكس تحولاً في طبيعة الصراع في المنطقة، من خلال توظيف الأدوات الاقتصادية ضمن استراتيجيات الحرب، حيث تعمل إيران على التأثير في تدفقات النفط والغاز، خاصة من دول الخليج العربي مثل السعودية والكويت وقطر والإمارات، إضافة إلى العراق، باعتبارها من أكبر الدول المنتجة.
ويعتقد أن إيران تستغل هذه الورقة للتأثير على مواقف قوى دولية مثل الصين وروسيا، في سياق التفاعلات والمواقف الدولية المرتبطة بالصراع، ما يعزز من استخدام المضيق كأداة رئيسية ضمن معادلات الحرب في منطقة الشرق الأوسط.
خمس مضائق
“تتوفر في العالم خمسة مضائق تسيطر على نسب تتجاوز الـ20% في المتوسط. هذه المضائق هي: قناة السويس، باب المندب، البوسفور والدردنيل، ملقا، والأقل أهمية قناة بنما”، وفقاً للخبير الاقتصادي د. وائل فهمي.
ويضيف: “بالتالي، فكما بالنسبة لأي دولة في العالم، فإن إغلاق مضيق هرمز بالنسبة للسودان يمثل صدمة اقتصادية غير مباشرة وعميقة في تأثيرها على هيكل الاقتصاد السوداني الهش أصلاً”.
ويشير إلى أن السودان، كما هو معلوم، يعتمد بشكل كبير على استيراد المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء والنقل وتوفيرها للقطاعات الإنتاجية الأخرى (كالزراعة المروية والصناعة، خاصة الثقيلة).
ويتوقع الخبير الاقتصادي أن يفاقم ارتفاع أسعار النفط من أزمة الموازنة العامة ويزيد من حجم العجز، في ظل استمرار الحرب واستنزاف الموارد. كما سيؤدي ذلك إلى تفاقم العجز في ميزان المدفوعات نتيجة زيادة تكلفة استيراد الوقود، الأمر الذي سينعكس بدوره على تدهور سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم، ما يزيد من الضغوط المعيشية ويضعف القوة الشرائية للمواطنين.
دول الجوار
يقول الخبير الاقتصادي، د. وائل فهمي، إنَّ السودان يجاور ثلاث دول نفطية (ليبيا، تشاد، وجنوب السودان – وبافتراض وجود طاقات إنتاجية فائضة لديها)، لكنه لا يستفيد من هذا القرب الجغرافي، بينما العلاقات مع كل من ليبيا وتشاد تغلب عليها حالياً حالة من التعقيد وضعف العلاقات الاقتصادية والسياسية، إلى جانب ضعف البنية التحتية اللازمة لنقل النفط.
ويشير فهمي إلى غياب البنية التحتية الأساسية التي تقلل من تكاليف النقل، كما أن خط الأنابيب من جنوب السودان، بكمية إنتاجه التي تتراوح ما بين 90 ألف إلى 150 ألف برميل يومياً، مصمم للتصدير كخام عبر ميناء بشاير، وليس للتكرير المحلي في السودان بكميات تجارية.
ويعتقد، من منظور آخر، أن هذه الدول تشكل فضاءات لوجستية في توفير الإمدادات العسكرية والغذائية لقوات الدعم السريع، بما يترتب عليه عدم السماح بتدفق الوقود من هذه الدول إلى داخل السودان في ظل التوترات الأمنية الحدودية، ما يجعل الممرات الحدودية مناطق عمليات عسكرية بدلاً من ممرات تجارية.
ويقول الخبير الاقتصادي: فعلى سبيل المثال، لا تتيح الظروف الحالية الاستفادة من نفط جنوب السودان، رغم أن إنتاجه يقارب احتياجات السودان اليومية، وذلك بسبب طبيعة تصميم خطوط الأنابيب التي تتجه مباشرة إلى ميناء التصدير، فضلاً عن تدمير مصفاة الجيلي، ما يعقّد إمكانية تكرير النفط محلياً.
كما يرى أن السودان يواجه صعوبات في استيراد النفط مباشرة من دول الخليج، في ظل غياب بنية تحتية مناسبة مثل خطوط الأنابيب أو أسطول بحري قادر على نقل كميات كبيرة، ما يجعله يعتمد على السوق العالمي، خاصة عبر البحر الأحمر، وهو ما يربط الأسعار المحلية مباشرة بالتقلبات العالمية.
ويخلص إلى أن هذه التحديات تنعكس على مجمل النشاط الاقتصادي داخل البلاد، بما في ذلك جهود إعادة الإعمار والاستقرار الاجتماعي، خاصة في ظل مساعي عودة اللاجئين والنازحين.
خروج مصفاة الجيلي
ويقول الخبير الاقتصادي، د. وائل فهمي، في مقابلة مع “راديو دبنقا”: في ظل خروج مصفاة الجيلي عن الخدمة، التي تكفي الاستهلاك الكلي اليومي بالسودان المقدر بنحو 85 ألف إلى 90 ألف برميل يومياً من مختلف المشتقات النفطية، وبإضافة السعودية كدولة جوار نفطية رابعة عبر البحر الأحمر، فإنه في ظل غياب بنية أساسية رابطة عبر هذا البحر بين جدة وبورتسودان، مثلاً، سواء بسفن أو خطوط أنابيب بحرية.
ويضيف قائلاً: برغم مرور السودان بتجربة الحرب العالمية الثانية وتداعياتها، فإن تخلف رؤى التخطيط التنموي لتأمين احتياجات السودان، وما شابهه من دول متأخرة اقتصادياً، منذ الاستقلال، لتأمين مثل هذه المواد الاستراتيجية الحساسة لاقتصاد ومعيشة الشعب من خارج البلاد (من داخل القارة الأفريقية وبحرها الأحمر) في مثل هذه الظروف السيئة وبأقل الأسعار والتكاليف الممكنة، يمثل إشكالاً ليس للسودان وحده بل لكل الدول النامية، حتى تلك التي لا تعاني من حروب.
ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار العالمية للوقود نتيجة إغلاق المضيق يعني، بالنسبة للسودان، تضاعف فاتورة استيراد الوقود الشهرية التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات.
ويتوقع فهمي أن يتفاقم العجز المالي بنسبة تقديرية لا تقل عن 30% نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة العالمية، كما أنه سيؤدي إلى مفاقمة اتساع الفجوة الحالية في الميزان التجاري الدولي السوداني بنسب تفوق قدرة الدولة على التمويل، مما يؤدي إلى نقص حاد في الإمدادات المحلية.
الشراء من السفن
ويؤكد الخبير الاقتصادي أنه من المفترض أن يضغط ذلك في اتجاه تدهور أسعار الصرف بكل من البنوك والسوق الموازي، وانعكاسه في تزايد معدلات التضخم الجامح السائدة حالياً، بما يضعف من القوة الشرائية للمواطنين بالداخل، وانعكاس ذلك على النشاط الاقتصادي الكلي، بما يضعف من سرعة إنجاز برامج الاستقرار الاجتماعي والأمني وبرامج الإعمار، في ظل اعتماده، مجبراً، على توفير مشتقات النفط من السفن العابرة للبحر الأحمر من دول بعيدة عنه بآلاف الأميال.
ويرى د. وائل فهمي أن الأزمة تعكس غياب رؤية تنموية طويلة المدى، حيث لم يعمل السودان على بناء احتياطيات استراتيجية أو تطوير علاقات اقتصادية مستدامة تضمن تأمين احتياجاته من السلع الحيوية. كما لم تُستثمر التجارب التاريخية العالمية في التخطيط لمواجهة مثل هذه الأزمات، على عكس دول أخرى نجحت في بناء مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية لمواجهة الطوارئ.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تبني سياسات تنموية أكثر استشرافاً للمستقبل، ترتكز على تأمين مصادر الطاقة، وتعزيز البنية التحتية، وبناء شراكات إقليمية ودولية مستدامة، بما يخفف من هشاشة الاقتصاد السوداني أمام الصدمات الخارجية.


and then