أطباء : “نفوق الفئران” “جرس إنذار علمي” لكارثة صحية وبيئية قادمة

نفوق الفئران في ولاية كسلا -يناير 2026-راديو دبنقا

نفوق الفئران في ولاية كسلا -يناير 2026-راديو دبنقا

امستردام: 3 فبراير 2026م: راديو دبنقا

تقرير: سليمان سري

أثار نفوق الفئران بكميات كبيرة قلق ومخاوف المواطنين بانتشارها في عدد من الولايات شملت، كسلا، القضارف وسنار والجزيرة، تزامن معه نفوق أسماك في ولاية نهر النيل والتي شهدت هي الأخرى نفوق كميات من الفئران.

الظاهرة التي أثارت الذعر وسط السكان المحليين في القرى والأرياف تبدو بحسب آراء خبراء تمثل “جرس إنذار مبكر” لكارثة بيئية أو صحية قادمة كونها قريبة من ضفاف الأنهار ومصادر مياه الشرف، على الرغم من عدم توفر أي معلومات موثقة عن تسجيل إصابات بشرية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بنفوق الفئران أو الأسماك.

ويتوقع فيه خبراء بأن الظاهرة ربما تتسبب في انتشار وباء أو كارثة صحية وبيئية قد تصيب البشر في ظل هشاشة الوضع الصحي مع انتشار وبائيات أخرى مثل الكبد الوبائي وحمى الضنك وغيرها.

مؤشر لمخاطر صحية وبيئية

يقول استشاري الوبائيات المتحدث الرسمي بإسم اللجنة التمهيدية لنقابة اطباء السودان د. سيد محمد عبدالله: ظهرت في وسائل التواصل الاجتماعي أنباء عن نفوق الفئران والأسماك في مناطق متعددة على ضفاف الأنهار، كما حدث في ولاية الجزيرة والولاية الشمالية، ويشير إلى أنه بحسب آراء خبراء الحياة البرية والتنوع الحيواني، فإن حالات النفوق تُعد مؤشرًا مبكرًا لمخاطر صحية وبيئية.

ويحذر في حديثه لـ”راديو دبنقا”: من أن الأمراض المحتملة الناتجة عن نفوق الفئران، الأمراض الحيوانية مثل الطاعون الدبلي والحمّى النزفية، إضافة إلى احتمال انتقال الطفيليات كالبراغيث أو الفيروسات إلى القطط أو البشر.

ولفت إلى أنه في حال تناول القطط لهذه الفئران النافقة، فإن العدوى قد تنتقل إلى الإنسان، ويمكن ملاحظة سلوك عدواني لدى القطط في حالات تسمم الجهاز العصبي.

ويرى أن المطلوب في هذا السياق هو تشكيل فرق مشتركة تضم أطباء بيطريين، واختصاصيي وبائيات، وخبراء من الحياة البرية، مع ضرورة التكامل الكامل لإجراء تحقيق شامل وإجراء الفحوصات اللازمة لمعرفة أسباب نفوق الأسماك والفئران.

ودعا إلى أن تتكامل الجهود بين وزارات الصحة والزراعة والثروة الحيوانية والحياة البرية، لأخذ عينات من جثث القطط أو الفئران أو الأسماك، بالإضافة إلى عينات من التربة والمحاصيل والمياه، لمعرفة المواد التي تسببت في هذه الظاهرة وتحديد ما إذا كانت هناك بكتيريا أو غيرها من المسببات.

جرس إنذار علمي

ونصح استشاري الوبائيات د. سيد محمد عبدالله  بضرورة القيام بعملية توعية دون إثارة الذعر وسط المواطنين، وتنبيههم إلى عدم لمس هذه الحيوانات النافقة، مع التأكيد على ضرورة حرقها أو دفنها بطرق علمية.

ويقول: يجب أيضًا تعزيز الرقابة على المبيدات والأسماك منتهية الصلاحية، لا سيما في ظل ظروف الحرب، حيث توجد احتمالات للتهريب واستغلال ضعاف النفوس، مما قد يؤدي إلى تسرب هذه المواد إلى الأسواق أو وصولها إلى المواطنين.

ويشدد د. عبدالله على أنه من المهم إشراك المجتمع وتوعيته بضرورة التبليغ الفوري عن مثل هذه الحالات، وأخذ الاحتياطات والتدابير الوقائية اللازمة. ويعتقد، “في نهاية الأمر”، بأن هذا الوضع يُعد بمثابة جرس إنذار علمي في ظل هشاشة النظام الصحي وهشاشة النظام البيئي.

ويبين أن  الأسماك التي تحتوي على مواد سامة مثل الزئبق أو غيره من المواد الناتجة عن مخلفات الحرب أو المبيدات قد تؤدي أيضًا إلى تسمم البشر وظهور أمراض مختلفة. لذلك، يقول: ” يجب توعية المواطنين بصورة لا تثير الذعر أو البلبلة”.

وينوه عبدالله إلى أنه حتى الآن، لم تُسجَّل أي إصابات وسط البشر، ولا توجد معلومات مؤكدة عن حالات إصابة، إلا أن هذه الظاهرة، كما ذُكر، تمثل جرس إنذار يتطلب التحرك السريع لمعرفة الأسباب وتوعية المواطنين في حال حدوث مثل هذه الظواهر مستقبلًا.

نفوق جماعي تضامني

ويقول وكيل وزارة الثروة الحيوانية السابق د. أحمد المصطفى إنَّ من طبيعة الفئران انها تعيش فى مجموعات ولذلك إذا ما ألم بها الاذى نتيجة اجراءات المكافحة وياتى نفوقها باعداد كبيرة.

ويضيف في حديثه لـ”راديو دبنقا” في بعض المرات إذا ما نفق رب اسرتهم وغالبا الام يتبعها كل القطيع بنفوق جماعى تضامنى كنوع من الانتصار الجماعى.

أمراض تنتقل للإنسان

يشير البروفسير أحمد الغالي المدير السابق لمركز بحوث الثروة الحيوانية إلى أن الفئران والقوارض تُعد ناقلات رئيسية للعديد من الأمراض المشتركة الخطيرة التي تنتقل للإنسان عبر النهش “العض”، أو بول وبراز الفئران الملوث، أو البراغيث. أبرزها الطاعون، فيروس هانتا، داء اللولبية النحيفة (ويل)، السالمونيلا، وداء الكلب، مما يتطلب الوقاية وتجنب أماكن انتشارها.

ويقول في حديثه لـ”راديو دبنقا” إنَّ أهم الأمراض المشتركة بين الإنسان والفئران تتمثل في داء الطاعون (Plague)، والذي يقول بأنه ينتقل عبر البراغيث التي تعيش على الجرذان، وهو مرض بكتيري خطير.

ويضيف بأن فيروس هانتا (Hantavirus) أيضاً ينتقل عن طريق استنشاق الغبار الملوث بفضلات أو لعاب فئران الغزلان. بينما يعتبر داء اللولبية النحيفة (Leptospirosis/Weil’s disease) عدوى بكتيرية تنتقل عبر المياه أو الأسطح الملوثة ببول الفئران. ويوضح أن السالمونيلا (Salmonella) الذي تحمل الفئران فيه هذه البكتيريا في جهازها الهضمي وتنقلها عبر فضلاتها.

أما داء المتسلسلات (Lymphocytic Choriomeningitis) فيقول الخبير البيطري بأنه فيروس ينتقل من الفئران المنزلية.كما يشير إلى أن الفئران تسبب الإصابة بداء الحمى النزفية (Viral Hemorrhagic Fevers) والتي تعتبر أمراض فيروسية تنتقل عن طريق الفئران.

ويفسر الخبير البيطري بروف الغالي طرق الانتقال بأنها مباشرة عن طريق النهش “عضَّ الفئران”. أوغير مباشرة عن طريق استنشاق رذاذ ملوث، أو تناول طعام/ماء ملوث ببول وبراز الفئران.  بينما هنالك وسيلة أخرى عن طريق نواقل وهي “براغيث الفئران”.

ونوه إلى أنه لتجنب هذه الأمراض، يُنصح بسد الفتحات في المنازل، التخلص من القمامة، واستخدام القفازات عند تنظيف أماكن تواجدها.

الفئران كواشف بيئية

 تؤكد الخبيرة في الحياة البرية والتنوع الحيوي ومديرة مركز بحوث الحياة البرية د. لبنى محمد عبد الله حسن إن ما رُصد مؤخراً من نفوق جماعي للفئران هو ظاهرة بيئية تستدعي قراءة هادئة ومبنية على الأدلة. مشيرةً إلى أن الفئران في علم البيئة تُعتبر ‘كائنات دالة’ (Indicator Species)، أي أنها كواشف بيئية حساسة؛ ونفوقها الجماعي هو رسالة من الطبيعة بوجود اختلال في التوازن.

وتقول في حديثها لـ”راديو دبنقا”: من الناحية العلمية، وبالاستناد إلى رؤى الخبراء، نجد أن هناك عدة أبعاد لهذه الظاهرة، تتمثل في البعد البيئي (أثر الدومينو): وتشير إلى أن هناك ارتباط وثيق بين تراجع الغطاء النباتي وإزالة الغابات وبين هذا الاضطراب.

وتؤكد أن أن إزالة الغابة لا تعني فقدان الأشجار فحسب، بل تعني فقدان المأوى والمفترسات الطبيعية كالبوم والصقور،والثعابيين ما أدى لانفجار عددي أعقبه انهيار فجائي فيما يُعرف بـ ‘أثر الدومينو البيئي’. وتقول: “إنَّ هذا الخلل لا يتوقف عند القوارض، بل يمتد ليمس أمننا الغذائي وصحتنا التغذوية نتيجة غياب الأغذية الوظيفية الطبيعية”.

وتشير الخبيرة البيطرية د. لبنى عبدالله إلى أن البعد الثاني يتمثل في التفسير البيولوجي والمناعي، ما يعني أن الفرضيات العلمية المعتبرة تشير إلى احتمال وجود سلالة ضعيفة المناعة تأثرت بشح الغذاء أو بظهور مسببات مرضية (بكتيرية أو فيروسية) لم تُكشف أعراضها بعد، خاصة وأن النفوق لم يشمل كائنات أخرى تشرب من نفس المصادر، مما يقوي فرضية ‘النفوق النوعي’ لسلالة بعينها.

بينما يتمثل البعد الثالث، وفقاً للخبيرة البيطرية، لظاهرة نفوق الفئران في نمو الجماعات في ظل محدودية المكافحة وتشير في هذا الصدد إلى أن الفئران تتميز بخصوبة عالية، ونموها يأخذ منحنىً أسياً سريعاً.

ظروف استثنائية

وتقول مديرة مركز بحوث الحياة البرية بوزارة الثروة الحيوانية إنَّ الظروف الاستثنائية التي أثرت على برامج المكافحة خلال الفترة الماضية أدت إلى محدودية الحملات الدورية، مما سمح بتكاثرها بأعداد رهيبة تجاوزت قدرة البيئة على الاستيعاب؛ وعندها يحدث النفوق الجماعي كنتيجة طبيعية للإجهاد أو الهجرة القسرية نحو مصادر المياه.”

وتؤكد “عبدالله” إنهم في مركز بحوث الحياة البرية دورهم أن يظل علمياً وفنياً بالدرجة الأولى. وتضيف: “نحن نضم صوتنا لخبراء الأمة بضرورة تكوين لجنة علمية متخصصة تمنح كامل الحرية في البحث والتقصي للوصول لنتائج دامغة، فالظاهرة تتطلب عملاً جماعياً يتسم بالشفافية والجدية”.

“نحن نعمل في إطار نهج ‘الصحة الواحدة’ (One Health) الذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان وسلامة البيئة. ونحن على تواصل فني مستمر مع الجهات المختصة في منصة السودان للصحة الواحدة، دون الخوض في استنتاجات مسبقة قبل اكتمال التقييمات الميدانية” “وفقاً لدكتورة لبنى”.

وتضيف قائلةً: “وأما بخصوص ما يُلاحظ من نفوق لبعض الأسماك، فيمكن علمياً أن يكون مرتبطاً بتغيرات طارئة في جودة المياه، وهو أمر معروف في النظم المائية ويمكن ان يخضع لتقييم من الخبراء المعنيين”.

وفي ختام حديثها، دعت مديرة مركز البحوث والحياة البرية بوزارة الثروة الحيوانية والسمكية د.لبنى عبدالله، المواطنين ووسائل الإعلام إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء تفسيرات غير مدعومة بحقائق علمية، موجّهةً رسالة للأهالي بضرورة الاهتمام بسلامة مصادر المياه واتباع الإرشادات الصحية، مؤكدةً أن أبواب المركز مفتوحة لتقديم أي استشارات فنية.

النزاعات والحروب

من جهتها اعتبرت الطبيبة البيطرية والناشطة البيئية الدكتورة خنساء طه صديق، إن مقاطع الفيديو المتداولة خلال الفترة الماضية، والتي أظهرت نفوق أعداد كبيرة من الفئران في منطقة “الشوك” بشرق السودان بولاية القضارف، تعكس ظاهرة لوحظ انتشارها في عدد من ولايات البلاد خلال العامين الماضيين.

وتشير في حديثها لـ”راديو دبنقا” إلى أن البيانات الرسمية تقول إن الفئران النافقة ظهرت في ولايات الجزيرة وسنار ونهر النيل خلال العام الماضي، بينما سُجل انتشارها هذا العام في محليات خشم القربة، وريفي كسلا، وريفي نهر عطبرة، وبأعداد كبيرة، مؤكدة أن هذه الفئران ليست وافدة من خارج السودان، وإنما موجودة أصلاً في البيئة المحلية.

وبيّنت “طه” أن من أبرز التفسيرات العلمية لانتشار الفئران بهذه الكثافة توقف برامج مكافحة القوارض خلال العامين الماضيين بسبب النزاعات والحرب، ما أدى إلى تكاثرها دون رقابة، وهو ما تم توثيقه في تقارير تقصي الحقائق بولاية الجزيرة. وأضافت أن تراجع الغطاء النباتي نتيجة التغيرات البيئية أدى إلى انخفاض أعداد الطيور المفترسة، مما أخلّ بالتوازن البيئي وساهم في زيادة أعداد الفئران.

وفيما يتعلق بأسباب النفوق الجماعي للفئران، أشارت إلى وجود عدة عوامل محتملة، من بينها نقص الغذاء، والتغيرات البيئية المفاجئة مثل موجات البرد الشديد والفيضانات وانخفاض درجات الحرارة، إضافة إلى احتمال تعرضها للتسمم نتيجة ملوثات بيئية، مثل مبيدات منتهية الصلاحية أو مخلفات حربية في التربة والمياه، وهي تفسيرات مدعومة علمياً بدرجات متفاوتة.

لا أثر لسلاح كيميائي

ونفت الطبيبة البيطرية والناشطة البيئية خنساء طه وجود أي أدلة علمية موثوقة حتى الآن تؤكد أن استخدام السلاح الكيميائي أدى إلى نفوق الفئران واستخدام أسلحة كيميائية في الحرب، مشيرةً إلى أنه لم تصدر أي جهة رسمية أو صحية ما يثبت هذه الادعاءات.

وحول ما أُثير بشأن تسبب نفوق الفئران في تسمم الأسماك بنهر عطبرة، أوضحت الطبيبة البيطرية بأن هذا الربط غير مثبت علمياً، إلا في حالة واحدة فقط، وهي دخول مادة سامة إلى مياه النهر، ما قد يؤثر على الأسماك بعد تلوث المياه، مؤكدة أنه حتى الآن لا توجد بيانات مختبرية أو أدلة علمية قاطعة تثبت ذلك.

وتؤكد  أن توقف مكافحة القوارض بسبب الحرب يُعد سبباً رئيسياً من الناحية العلمية لزيادة أعداد الفئران، إلى جانب عوامل بيئية أخرى مرتبطة بالزراعة، والرعي، والغطاء النباتي، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة تشكل خطراً حقيقياً على صحة البشر، إذ تُعد الفئران ناقلة للعديد من الأمراض الفيروسية والبكتيرية، رغم عدم وجود تقارير رسمية حتى الآن من وزارة الصحة أو الجهات المختصة تؤكد تسجيل حالات أمراض ناتجة عن هذا الانتشار.

وتحذر الطبيبة البيطرية خنساء طه: أن الخطر الأكبر يتمثل في تلوث مصادر المياه، في حال سقوط جثث الفئران أو مخلفاتها في الأنهار أو الآبار، ما يزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض المعوية، مشددة على ضرورة التعامل السليم مع مصادر المياه.

ودعت إلى اتخاذ تدبير زإجراءات وقائية عاجلة، تشمل التخلص الآمن من جثث الفئران بعيداً عن مصادر المياه والمناطق السكنية، وتغطية مصادر مياه الشرب لمنع وصول الحيوانات والقوارض إليها، والتخلص من بقايا الطعام للحد من انتشار الفئران، إضافة إلى إغلاق الفتحات والشقوق في المنازل وتغطية أماكن تجمع القمامة.

وختمت بالقول إن هذه الظاهرة تمثل جرس إنذار بيئي، مشيرة إلى أن الوصول إلى تفسير علمي دقيق للأسباب يتطلب أخذ عينات من التربة والمياه والفئران نفسها، مع التأكيد على أهمية الالتزام الفوري بإجراءات التخلص الآمن من الجثث وحماية مصادر المياه من التلوث.

Welcome

Install
×