فتاة سنار ما بين بشاعة الاغتصاب وخذلان القضاء
شعار لحملة جارية على وسائل التواصل الاجتماعي من نشطاء سودانيين ضد الاغتصاب والعنف الجنسي على النساء
كمبالا: 2 فبراير 2026: راديو دبنقا
تقرير: عبد المنعم مادبو
بين دموع فتاة في مقتبل العمر وهي تحاول استعادة توازنها النفسي وإحساسها بالأمان، وصوت أمٍ رفضت أن تُدفن الجريمة بالصمت أو المال، خرجت قضية اغتصاب فتاة في مدينة سنار من اضابير الشرطة والنيابة والمحكمة إلى واجهة النقاش العام. لم تكن القصة مجرد جريمة جنائية، بل شهادة موجعة على ما تعيشه النساء في السودان بعد حرب 15 ابريل، حين ضعفت الحماية وأصبحت العدالة محل اختبار قاسٍ.
رواية الضحية، التي بدأت بوعد بالزواج وانتهت باغتصاب، وحديث والدتها عن معركة طويلة مع النفوذ والضغوط ومحاولات التسوية، شكّلا سردية إنسانية دفعت بالقضية إلى الرأي العام، وفتحت نقاشًا واسعًا حول العنف الجنسي، ومسؤولية القضاء، وقدرة المجتمع على الانحياز للضحايا في بلد اختلطت فيه معايير المناصرة ما بين الجاني والضحية.
من وعد بالزواج إلى الاغتصاب
بصوتٍ متقطع ودموع لم تتوقف، روت فتاة سنار تفصيل حادثة الاغتصاب التي جرت معها في مدينة سنار في سبتمبر الماضي، مؤكدة أن ما بدأ بلقاء عادي انتهى بجريمة غيّرت حياتها إلى الأبد.
تقول الفتاة إنها تعرفت على المتهم الأول ــ والذي خضعها بأنه اسمه مهند ــ قبل نحو عشرين يوما من الحادثة، بعد أن وعدها بالزواج وبناء حياة مشتركة. وفي يوم الواقعة، اتصل بها مهند وطلب لقاءها في مكان عام. تقول “استجبت للدعوة لمناقشة امر الزواج، وعندما وصلته وجدت معه شابين آخرين داخل عربة ركشة”.
تضيف “تحركنا معا نحو مكان زبونتهم ست الشاي، إلا أننا وجدناه مغلقًا. اقترحتُ عليهم الذهاب إلى مكان آخر، أو إعادتي إلى منزلي، في هذه اللحظة قال سائق الركشة إنه نسي مفتاح منزله القريب، وعليه المرور لإحضاره قبل توصيلي. وصلنا الى احد المنازل فدخلوا جميعا وطلبوا مني الانتظار في الركشة، بينما كنت أتحدث عبر الهاتف مع إحدى قريباتي.
بعد دقائق من الانتظار دون عودة، تقول الفتاة ــ في بث مباشر على احد منصات تطبيق (تكتوك) ــ انها نادت عليهم أكثر من مرة. وعندما اقتربت من باب المنزل مستعجلة للعودة، فوجئت بأحدهم يجذبها إلى الداخل، حيث تم الاعتداء عليها داخل غرفة قريبة من مدخل المنزل، رغم توسلاتها واخبارهم بأنها حائض في يومها الثالث.
وذكرت ان سائق الركشة عقب انتهائه من اغتصابها انتزع هاتفها وأجبرها على فتحه، وارسل طلب صداقة لحسابه في فيسبوك وقال لها من اليوم انتي امرأتي وكلما اطلبك تأتي على وجه السريعة. واضافت “بعد ارتكاب جريمتهم، حملوني إلى الركشة، ووضعوني بينهم، وهددوني بالقتل إذا تحدثتُ عما جرى، قبل ان ينزلوني في احد الشوارع القريبة من منزلنا وغادروا”.
تصف الفتاة الأيام التي تلت الحادثة بأنها كانت الأصعب في حياتها، حيث دخلت في حالة نفسية بالغة السوء، لدرجة انها حاولت الانتحار، قبل أن تتلقى دعمًا كبيرا من أسرتها التي وقفت إلى جانبها، ورفضت تحميلها أي ذنب. وتقول إن تضامن السودانيين معها عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي كان عاملًا حاسما في مساعدتها على استعادة توازنها النفسي. وتضيف “في البداية كنت أخاف من مقابلة الناس، وأهرب إذا طرق أحد باب المنزل، لكن اليوم أنا أقوى وقادرة أواجه المجتمع”.
محاولات طمس القضية
عندما شعرت والدة الفتاة ان قضية ابنتها ستضيع وسط اجراءات العدالة قررت ان تتصدى للمحاولات المتكررة لتغيير توصيف الجريمة والضغط عليها للقبول بتسوية مالية. وذكرت انه بحكم ان المتهمين ينحدرون من خلفيات ذات نفوذ اجتماعي ورسمي، من بينهم تاجر معروف، وإبن ضابط شرطة متقاعد شغل سابقاً منصب مدير مكافحة الجريمة في سنار، إضافة إلى ابن مسؤول يشغل منصباً رسميا بالولاية انعكس هذا النفوذ على مسار البلاغ منذ اللحظة الأولى.
وأوضحت والدة الضحية ــ في اسجيل مصور انتشر على نطاق واسع عبر وسائل الاعلام ــ أن الشرطة فتحت بلاغًا في الواقعة، وأن مدير قسم شرطة سنار أصرّ على تكييفها قانونيًا تحت المادة (149) من القانون الجنائي الخاصة بالاغتصاب، بعد توفر ما وصفه بكامل البينات. إلا أن المتحري وبعض أفراد المباحث حاولوا تحويل البلاغ إلى جريمة زنا، وهو توصيف رفضته الأم بشدة.
وأضافت أنها توجهت في اليوم نفسه إلى الطبيب الشرعي بمدينة كوستي، حيث أكد تقريره الطبي أن ابنتها كانت عذراء، وأن الاعتداء عليها تم بعنف. وتم تقديم التقرير ضمن ملف القضية. غير أن الطبيب الشرعي استُدعي لاحقا كشاهد دفاع، وقالت انه حاول عند الاستجواب التشكيك في دلالة الإصابات، رغم ورود إشارات واضحة في التقرير تؤكد تعرض الفتاة لاعتداء جنسي قسري.
وأشادت والدة الضحية بموقف وكيل نيابة سنار، الذي أيد توجيه التهمة تحت المادة (149) اغتصاب، والمادة (121) اشتراك جنائي. وتحدثت الأم عن ما وصفته بمحاولات مضايقة وملاحقة تعرضت لها أثناء سعيها لمتابعة الإجراءات القانونية، بما في ذلك مطاردتها من قبل عناصر من الاستخبارات العسكرية بهدف انتزاع التقرير الطبي، مؤكدة أنها دونت بلاغا بذلك، لكن لم يُتخذ فيه أي إجراء.
كما كشفت عن تلقيها عروض تسوية مالية بدأت بمبلغ 5 مليون جنيه سوداني، قبل أن تصل إلى 200 مليون جنيه، مقابل التنازل عن القضية. وأكدت أنها رفضت جميع العروض، قائلة إن كرامة ابنتها لا تُقايض بالمال.
حكم قضائي صادم
بعد أكثر من ثلاثة أشهر من متابعة الاجراءات القضائية أصدرت محكمة جنايات سنار حكما أثار ردود فعل واسعة في الاوساط القانونية والحقوقية ووسائل الاعلام، الحكم الذي اطلع راديو دبنقا نص على سجن المدانين الثلاثة لمدة ثلاث سنوات اعتباراً من 18 ديسمبر 2025م، لمخالفة المادة 21/149 من القانون الجنائي لسنة 1991م. وان يتم جلدهم 100 جلدة لكل واحد من المدانين تعيراً لمخالفة المادة 21/149 من القانوني الجنائي السوداني.
الحكم الذي اصدرته المحكمة كان بمثابة صدمة للضحية ووالدتها، حيث وصفت الأم الحكم بأنه مكافأة للمغتصبين على جريمتهم، وقالت ان عقوبة السجن ثلاث سنين لا تتناسب مع خطورة الجريمة، خاصة بعد ثبوت واقعة الاغتصاب بالبينات والتقارير الطبية والاعترافات القضائية.
وتقول الأم انها نزحت من الخرطوم الى سنار لحماية ابنتها من جرائم الاغتصاب والاعتداءات لتجدها امامها في سنار ويتم حماية الجناة ومكافئتهم عبر القضاء، وقالت “انا رفضت التسوية المالية رغم اني اعيش في راكوبة ولا أملك أي شئ واواجه ظروفاً قاسية لأجل تحقيق عدالة تحمي الضحايا وتردع الجناة”.
الرأي القانوني
قال المحامي محمود حسن إن الإفادات التي قدمتها والدة الضحية إلى جانب التقارير الطبية والحكم القضائي الصادر، تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول واقع جرائم العنف الجنسي في السودان، ومسار العدالة في التعامل معها، لا سيما بعد اندلاع حرب 15 أبريل.
واشار حسن أن هذه الحادثة لا يمكن النظر إليها باعتبارها واقعة معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع يؤكد أن العنف الجنسي ضد النساء أصبح ظاهرة متكررة وواسعة الانتشار في مختلف أنحاء البلاد. واستشهد بحوادث أخرى، من بينها قضية اغتصاب شابة في مدينة الأبيض على يد عنصرين من القوات النظامية، صدر فيها حكم بالسجن المؤبد، إضافة إلى قضية معلم اعتدى جنسيًا على تلميذته البالغة من العمر ثماني سنوات، وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات. وقال إن تتابع هذه الوقائع في مناطق مختلفة يؤكد أن الجريمة غير مرتبطة بجغرافيا محددة، بل تعكس خللًا بنيويا متصاعدا.
وذكر المحامي أن أخطر ما ورد في إفادة والدة الضحية هو ما يتعلق بمحاولات التأثير على سير العدالة منذ مرحلة التحري، منبهاً إلى أن نفوذ المتهمين أو ارتباطاتهم بمؤسسات رسمية أو اجتماعية نافذة، غالباً ما يُستخدم كأداة لعرقلة الإجراءات القانونية أو تفريغها من مضمونها. وأضاف “هذا النمط تكرر في قضايا سنار والأبيض وغيرها، حيث وُجدت محاولات واضحة لدفع البلاغات نحو التسوية أو تغيير التكييف القانوني للجريمة”.
وأشاد حسن بموقف والدة الضحية ورفضها عروض التسوية المالية، معتبرا أن موقفها يمثل نموذجا أخلاقيا نادراً في سياق يسعى فيه الجناة، إلى استخدام المال كوسيلة للإفلات من العقاب. مشيراً الى أن عرض تسويات بمبالغ ضخمة في مثل هذه القضايا يعكس تصورا راسخا لدى بعض الجناة بأن العدالة يمكن شراؤها، كما يكشف في الوقت ذاته أن كثيرا من مرتكبي هذه الجرائم ينتمون إلى فئات ميسورة أو ذات نفوذ، في وقت يعاني فيه غالبية السودانيين من النزوح والفقر وانهيار سبل العيش.
وانتقد المحامي الحكم الصادر في قضية سنار، الذي قضى بسجن المتهمين ثلاث سنوات، واصفًا إياه بـ”المخفف وغير المتناسب مع جسامة الجريمة”. وقال إن الإدانة تحت المادة (149) من القانون الجنائي يفترض أن تقود إلى عقوبة مشددة قد تصل إلى السجن المؤبد، لا سيما في ظل وجود تعدد للجناة، وهو ما يُعد ظرفًا مشددًا في القانون الجنائي، فضلًا عن الخلفيات الوظيفية والاجتماعية للمتهمين.
واعتبر حسن أن الأحكام المخففة في قضايا العنف الجنسي تسهم في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وتبعث برسائل سلبية للضحايا والمجتمع، كما تعيد طرح أسئلة قديمة حول استقلالية القضاء وحياده في ظل الأوضاع السياسية والأمنية الراهنة. وأكد أن حماية النساء في ظروف الحرب والانهيار المؤسسي تتطلب موقفاً مجتمعيا وقانونياً واضحاً، يقوم على مساندة الضحايا، وتشجيعهن على اللجوء إلى القضاء، والضغط من أجل محاكمات عادلة وعقوبات رادعة.
ثلاث ملاحظات
في تفنيد قانوني للحكم الصادر في قضية الاغتصاب الجماعي لفتاة بسنار، نشر المحامي أبو عبيدة حسن على مواقع التواصل الاجتماعي ثلاث ملاحظات رئيسية، قال إنها تثير شكوكا جدية حول سلامة الحكم من الناحية القانونية.
وأوضح، أولاً، أن الحكم قضى بتوقيع العقوبات على المتهمين دون النص صراحة على إدانتهم، معتبراً أن ذلك يُعد خللاً جوهرياً، إذ لا يجوز قانوناً توقيع أي عقوبة ما لم تُثبت المحكمة الإدانة بعد التحقق من أركان الجريمة، وانتقال المتهم من قرينة البراءة إلى مركز قانوني جديد كمدان.
وأشار ثانياً إلى أن المحكمة قضت بالسجن لمدة ثلاث سنوات استناداً إلى المادة (149)، في حين أن النص القانوني – بحسب قوله – يقرر عقوبة واحدة لجريمة الاغتصاب هي السجن المؤبد، دون منح القاضي سلطة تقديرية لتخفيضها، معتبراً أن النزول عن العقوبة المقررة يمثل مخالفة لنص آمر لا يجوز الاجتهاد فيه.
وفي ملاحظته الثالثة، قال أبو عبيدة إن الحكم جمع بين عقوبة السجن وعقوبة الجلد باعتبارها تعزيرية، بينما يرى أن الجلد الوارد في المادة (149) مرتبط بجريمة الزنا الحدية وليس تعزيراً، مؤكداً أن توصيف العقوبة على هذا النحو يخالف التكييف القانوني الصحيح للنص.
تكريس الإفلات من العقاب
انتقدت المحامية رحاب المبارك الحكم الصادر في قضية اغتصاب فتاة سنار، واعتبرته مخففاً بصورة مخلّة بالعدالة، لكنها قالت انها لم تتفاجأ بهكذا احكام في ظل ما وصفته بتسييس القضاء وارتباط المتهمين بمؤسسات الدولة الحالية، وتمتعهم بنفوذ وسند رسمي.
وقالت المبارك لراديو دبنقا إن القانون يتيح للمحكمة، في حال الأخذ بأسباب مخففة، إنزال العقوبة إلى سبع أو ثماني سنوات، إلا أن ما جرى تجاوز حدود التخفيف المشروع، ليصبح رسالة تشجيع واضحة على ارتكاب الجريمة، ويكرّس لثقافة الإفلات من العقاب في قضايا الاغتصاب.
وأضافت رحاب أن مثل هذه الأحكام لا تردع الجناة، بل توحي بأن ارتكاب العنف الجنسي يمكن أن يمر بعقوبات محدودة، معتبرة أن هذا النهج يعكس نمطًا متكررا في أداء المحاكم خلال الفترة الأخيرة.
وانتقدت المحامية ما وصفته بازدواجية العدالة، قائلة إن السلطات القضائية تعجز عن تحقيق محاكمة عادلة للمجرمين الحقيقيين، في حين تُقدَّم فئات مدنية لا صلة لها بجرائم إلى المحاكم لمجرد وجودها في مناطق معينة أو بسبب مواقفها السياسية المطالِبة بوقف الحرب.
وتساءلت المبارك عن منطق معاقبة الضحايا، معتبرة أن ما تعرضت له الفتاة في سنار يمثل مثالًا صارخا على غياب الإنصاف، مضيفة أن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول استقلالية المؤسسات العدلية. وخلصت رحاب المبارك إلى أن هذه الممارسات، تؤكد تسييس القضاء، وأن بعض القضاة ينفذون إرادة السلطة التي عيّنتهم، على حساب العدالة وحقوق الضحايا.
الاستئناف
بعد صدور هذا الحكم تتمسك الضحية واسرتها بحقهم في الحصول على العدالة، وبحسب متابعات راديو دبنقا لمجريات القضية فقد قدمت اسرة الضحية يوم امس الاحد الاول من فبراير 2026م، اوراق استئناف الحكم، في وقت تقول فيه الضحية أن مطلبها الأساسي هو العدالة، مشددة على أن الحكم العادل هو الطريق الوحيد لاستعادة كرامتها، ولضمان ألا تتكرر الجريمة بحق فتيات أخريات. وتقول إن ما تريده ليس الانتقام، بل أن ترى القانون ينتصر، وأن يتحول ما حدث لها إلى درس رادع لكل من يفكر في ارتكاب جريمة مماثلة ضد الفتيات السودانيات.


and then