وزير الري الأسبق: الصراع المسلح أعاد تشكيل تحالفات السودان في ملف سد النهضة
أمستردام/كمبالا: الجمعة 6 فبراير 2026راديو دبنقا
قال وزير الري والموارد المائية السوداني الأسبق، بروفيسور ياسر عباس، إن الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، ورغم أنها لم تندلع بسبب قضايا مياه النيل، إلا أنها تؤثر بشكل مباشر وعميق على دبلوماسية المياه،
وعلى موازين التحالفات الإقليمية المرتبطة بملف سدّ النهضة الإثيوبي الكبير.
وأوضح عباس، خلال مداخلته في الحلقة السابعة من السلسلة الاسفيرية حول «إعادة التعلّم والتخلّي عن المفاهيم السابقة حول المياه»، التى نظمتها جامعة فاخنقن بهولندا بأن الصراع المسلح في السودان أدّى إلى التاثير فى الدور المستقل الذي كان يلعبه السودان تاريخيًا في مفاوضات سد النهضة، وهو دور وصفه بأنه كان محوريًا في تقريب وجهات النظر بين دول حوض النيل الشرقي.
وأشار إلى أن موقع السودان الجغرافي في المنتصف بين دولتي المنبع والمصب، إثيوبيا ومصر، مكّنه سابقًا من لعب دور توافقي داخل اللجنة الدولية للخبراء فى عام 2013، وأسهم بشكل مباشر في التوصل إلى إعلان مبادئ سد النهضة الموقع في الخرطوم عام 2015، كما كان عاملًا حاسمًا في التقدم الكبير الذي أُحرز في مفاوضات يونيو 2020، حين جرى حل نحو 90% من القضايا الخلافية.
وبين عباس أن اندلاع الحرب اثر على هذا الدور المستقل، و حدّ من قدرة السودان على المناورة الدبلوماسية، ما انعكس على مواقفه وتحالفاته في ملف السد. وأوضح أن إثيوبيا، من جانبها، تنظر إلى سد النهضة بوصفه مشروعًا سياديًا لتوليد الطاقة الكهرومائية، وترى أن كلفة عدم التوصل إلى اتفاق قانوني مُلزِم منخفضة (سياسيا) بالنسبة لها لذلك كان ترددها نحو الوصول لاتفاق ، اما بالنسبة لمصر التى تعتمد بنحو اكثر من 95% من مياه النيل فانها ايضا أقل استعدادًا للالتزام باتفاقات قد تغيّر الوضع القائم أو تؤثر على خططها التنموية. علما بأن السد لا يستهلك المياه وإنما يستخدمها لإنتاج الكهرباء.
السودان الأكثر تأثرا
وفي المقابل، شدّد وزير الري الأسبق على أن السودان هو الطرف الأكثر تأثرًا بغياب الاتفاق، بسبب القرب الجغرافي الشديد بين سد النهضة وسد الروصيرص، والحاجة الماسّة إلى تبادل المعلومات والتنسيق، خاصة في حالات ملء السد أو الصدمات الهيدرولوجية المفاجئة. وحذّر من أن غياب التدفق المنتظّم للمياه لا يهدد فقط سلامة سد الروصيرص، بل يحدّ أيضًا من قدرة السودان على الاستفادة المثلى من موارده المائية في الزراعة والري.
واوضح عباس عن تسريب اعلامي حول وثيقة ترتيبات انتقالية تم توقيعها في أكتوبر 2022 بين الجهات الفنية في السودان وإثيوبيا ، تتعلق بتبادل البيانات والمعلومات بين السدود، موضحًا أن هذه الوثيقة لم يُعلن عنها رسميًا، ولا ترقى إلى مستوى اتفاق قانوني مُلزِم، ولا تتضمن آليات واضحة لتسوية النزاعات، ما يجعلها إطارًا هشًا وغير كافٍ لإدارة ملف معقّد بحجم سد النهضة.
وتطرق إلى تأثير الحرب على إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، مشيرًا إلى أن السودان شهد تقاربًا متزايدًا مع مصر في ملف سد النهضة، وهو تقارب تعزّز مع استمرار الصراع وتراجع الدور التفاوضي المستقل للسودان. وأوضح أن هذا المسار تجلّى في عقد اجتماع رباعي بالقاهرة مطلع سبتمبر لوزراء الخارجية والمياه في السودان ومصر، أعلنوا فيه رفضهم للإجراءات الأحادية التي تتخذها إثيوبيا بشأن السد.
وأضاف أن هذه التحولات لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، في ظل تراجع فاعلية المؤسسات الإقليمية والدولية، مثل الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وحتى مجلس الأمن، الأمر الذي شجّع الدول على تغليب المصالح الوطنية الأحادية على حساب القانون الدولي والتعاون العابر للحدود، خصوصًا في القضايا المرتبطة بنهر النيل والبحر الأحمر.
تحذير
وحذّر البروفيسور من أن استمرار الحرب وعدم الاستقرار في السودان لفترة أطول قد يؤدي إلى امتداد النزاع إلى دول الجوار، بسبب التشابكات القبلية والمجتمعية العابرة للحدود، في منطقة شديدة الحساسية من الناحية الجيوسياسية. وأكد أن استقرار الإقليم مستقبلًا يعتمد على بناء علاقات مبنية على تبادل المصالح بين دول حوض النيل، وعلى إعادة تصور دبلوماسية المياه باعتبارها أداة للتعاون والعدالة، لا وسيلة للهيمنة أو الضغط السياسي.
وختم بالقول إن الفلسفة التي انطلق منها مشروع سد النهضة منذ عام 2011 قامت على كونه سدًا لتوليد الطاقة الكهرومائية بما يعود بالفائدة على الدول الثلاث ، وهو ما يفتح نظريًا الباب أمام حلول تشاركية تحقق مصالح جميع الأطراف، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، وعادت الدبلوماسية إلى مسارها بعيدًا عن منطق الصراع.
المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=712iSPTw5oQ


and then