حقل بليلة غرب كردفان - ارشيف

امستردام: الإثنين 5/ يناير/2026م:راديو دبنقا

حددت الولايات المتحدة الأمريكية بداية العام موعداً حاسماً لتوصل الأطراف المتحاربة إلى هدنة أولية لفترة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد لتسعة أشهر، لفتح ممرات آمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين والتمهيد للدخول في تفاوض للترتيب لعملية سياسية طويلة تعيد الحكم المدني الديمقراطي.
وعلى الرغم من الرفض المستمر من طرفي الصراع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الوصول لاتفاق بشأن الهدنة التي طرحتها مبادرة دول الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، إلا أنهما توصلا إلى اتفاق بالانسحاب من منطقة هجليج بولاية غرب كردفان ووافقا على دخول قوات من جيش شعب جنوب السودان، من أجل حماية المنشآت النفطية.
وبينما أثار الاتفاق جدلاً واسعاً باعتبار أن الطرفين اتفقا على حماية المنشآت النفطية لخدمة مصالحهما، وأهمية النفط كمورد يساهم في تمويل الحرب دون تعميم الاتفاق على بقية مناطق الصراع المستعرة وتجاهل حماية المدنيين، لكن في ظل هذا التصعيد المستمر في جبهات القتال المختلفة، تتزايد الضغوط الدولية على الطرفين للوصول إلى هدنة إنسانية ويبقى من الصعب التكهن عما ستسفر عنه الأيام القادمة.

قدرة الأطراف على التوافق:

يرى مساعد رئيس حزب الأمة القومي للشباب عروة الصادق إن ما جرى في هجليج من اتفاق ثلاثي بين حكومتي السودان وجنوب السودان والدعم السريع بتشغيل حقول النفط، بأنه يتجاوز إطار الشائعة أو التسريب الإعلامي.

ويقول في حديثه لـ”راديو دبنقا”: إن هذا الاتفاق يدخل ضمن نطاق الترتيب العملي القائم بين الأطراف الثلاثة، هو ترتيب تؤكده الوقائع الميدانية، وعلى رأسها تحييد المنطقة وبدء تشغيل وضخ النفط.

ويشير إلى أن هذا الترتيب لم يُقدَّم في صيغة إعلان سياسي رسمي، غير أنه ترسّخ فعليًا عبر انسحاب القوات المتقابلة وتسليم مهمة التأمين لطرف ثالث، بما يكشف قدرة الأطراف المتحاربة على التوافق متى ما حضرت الإرادة وبرزت المصلحة المباشرة.

وأرجع القيادي بحزب الأمة أن عدم امتداد هذا النموذج ليشمل بقية المناطق يعود إلى طبيعة المنطق الذي تأسس عليه، ويضيف بأن ترتيب هجليج تأسس على أولويات المصلحة الاقتصادية العليا، وليس على مصلحة المدنيين التي يجب أن تكون القضية المركزية. ويشير إلى أن هجليج تمثل الشريان الاقتصادي الحيوي للسودان وجنوب السودان معًا.

وأوضح أن هجليج تمد السودان بمايقارب الـ80% من الاحتياج اليومي من المحروقات. ولذلك “توفرت دوافع تحييدها”، ويعتقد بأن بقية مناطق أخرى في دارفور وكردفان، تُعامل من أطراف الصراع، بوصفها ساحات مواجهة، رغم أن المدنيين فيها يتقدمون في القيمة على أي مورد أو عائد.

ويرى عروة الصادق القيادي الشبابي بحزب الأمة أن غياب التوسعة لا يرتبط باستحالة التطبيق، وإنما بغياب ضغط سياسي وأخلاقي منظم يفرض التعامل مع حياة المدنيين بوصفها خطاً فاصلًا غير قابل للتجاوز.

ضغط دولي:

ويعتقد القيادي الشبابي بحزب الأمة عروة الصادق أن توسيع نموذج هجليج، خاصة في كردفان، يستدعي توفر إرادة سياسية داخلية تقر بأن حماية المدنيين واجب وطني جامع، إلى جانب تعريف مناطق محايدة إنسانيًا تشمل المدن وطرق الإغاثة والمرافق الحيوية، على غرار ما حدث في الحقول النفطية.

ويتطلب الأمر، كمايقول عروة الصادق، وجود طرف ثالث ضامن، إقليمي أو دولي، يتولى مهام التأمين والرقابة، وضغطًا دوليًا متسقًا يتجاوز لغة البيانات إلى ربط أي دعم أو اعتراف مستقبلي بالتزام ملموس بحماية المدنيين.

ويؤكد أن كردفان اليوم تعيش ملامح المشهد ذاته الذي شهدته الفاشر من حصار وقتل ونزوح وانهيار إنساني متسارع، ويحذر من أن تجاهل التدخل في هذه المرحلة يفتح الباب أمام كارثة أوسع نطاقًا وأشد وطأة.

ويقول الصادق: “على الرغم من هشاشة وضعها الراهن، ما زالت القوى السياسية تمتلك أدوات مؤثرة إذا جرى توظيفها بفعالية. يمكن لذلك أن يبدأ بنداء وطني موحّد يتجاوز الاصطفافات ويطالب بهدنة إنسانية عاجلة في كردفان ودارفور، ويتعزز بحملة إعلامية داخلية وخارجية تكشف ازدواجية المعايير وتطرح السؤال الجوهري حول أولوية حماية الإنسان.

ويعتقد أن الأمر يقتضي تدويل الملف الإنساني بذكاء سياسي عبر مخاطبة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والدول المؤثرة بلغة الحقوق والمسؤولية، وتفعيل ضغط أخلاقي وسياسي يحمّل طرفي الصراع مسؤولية مباشرة عن أي انتهاكات تقع بعد هذا النداء.

يؤكد الصادق أن ما جرى في هجليج يبرهن أن الحرب في السودان ليست مسارًا محتومًا، وأن وقف القتال يظل ممكنًا حين تتوافر الإرادة وتتحدد المصالح. ويقول إنَّ السؤال الجوهري لا يتعلق بإمكانية تعميم الترتيب، وإنما بسبب حماية الحقول وترك المدنيين في مواجهة الموت. ويرى أن تحويل هذا السؤال إلى ضغط سياسي وشعبي وأخلاقي منظم يشكل الطريق الأجدى لإنقاذ الأرواح قبل أن يتسع نطاق الفاجعة.

وضع قانوني خاص:

من جهته يؤكد الامين العام للقيادة المركزية العليا لضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين “تضامن”، “جيش شرطة وأمن” مقدم م. محمد محمد نور، إنَّ الأهمية الاستراتيجية لمنطقة هجليج بها ما يقارب مئة بئر بترول.

ويقول محمد نور لـ”راديو دبنقا”: إنَّ الاتفاق الثلاثي بشأن هجليج تم عقب اتصال مباشر من رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت برئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وذلك بعد أن علم تماماً بأن القوات المسلحة السودانية، بإمكانياتها وقوتها داخل هجليج لن تصمد أمام قوات الدعم السريع، في دراسة لتعادل القوة على الأرض.

ويضيف بأنه”: كان من الحكمة من سلفاكير التواصل مع البرهان وحميدتي لعدم تدمير حقول البترل، التي تمثل شريان الحياة لحكومة جنوب السودان، فكان لزاماً عليهم أن يتدخلوا ووجد هذا التدخل الموافقة من الطرفين.

ويشير في هذا السياق، إلى أن القوات المسلحة خرجت من المنطقة ودخلت إلى جنوب السودان بنحو 1650 من ضباط الصف والجنود، إضافة إلى 60 ضابطاً، حيث قاموا بتسليم أسلحتهم إلى حكومة جنوب السودان، وتولى جيش جنوب السودان مهمة تأمين وحماية منطقة هجليج.

ويعتقد محمد نور بأن الاتفاق الحالي، إذا ما نُظر إليه من الناحية السياسية، تجد فيه تغول أو تقلقل لدولة جنوب السودان داخل الحدود السودانية، ويحذر من الخطورة بمكان حول كيف تصل الاطراف للبحث عن أي شكل من الاتفاقيات لإعادة جيش جنوب السودان إلى حدوده السابقة قبل سيطرته على منطقة هجليج.

ويؤكد أن الطرفين هدفا لحماية مصالحهما الاقتصادية خاصة وأن “الدعم السريع” تأخذ في كل جالون 2 دولار، بمعدل يصل إلى مبلغ 600 مليون دولار، ويقول: حين كانت هنالك مصالح مادية خفض الطرفين من صوت السلاح “البندقية”، ما يؤكد بأن حياة الشعب السوداني لاتعني للطرفين شيئاً.

مكسب وإحراج للجيش:

ويعتقد الأمين العام للقيادة المركزية العليا لـ”تضامن” بأن هذا الاتفاق يُعد مكسباً سياسياً كبيراً لـ”الدعم السريع”، ويفترض أن يضع حكومة بورتسودان في إحراج أمام شعبها بسبب عدم الموافقة على الهدنة. ويقول: “إنَّ الهدنة، نحن نسميها من زاوية عسكرية، فترة لإعادة تنظيم القوات، فترة استقطاب وتحضير لعمليات أوسع”.

ويقول: إنَّ هذا الأمر يخيف أو يقلق القوات المسلحة، لأن قوات الدعم السريع في الأساس واضح جداً تفوقها في العمليات من ناحية تعادل قوة ومن حيث كثافة النيران.
وهذا ما يجعلهم غير مرتاحين لمسألة الهدنة.

ويرى المتحدث باسم “تضامن” إنه مع دخول البعثة الأممية إلى الفاشر، سيمارسون ضغوطاً على حكومة بورتسودان والتي سيكون موقفها محرجاً، وتوقع أن تحدث تطورات في الأيام القادمة مع ضغوط مبادرة دول الآلية الرباعية التي حددت فترة من 10 ـ 12 يوم في التوصل لقرارات نهائية في مسألة الهدنة بين الطرفين.

ويعيب على القوات المسلحة استمرارها في الهزائم وإخلاء المواقع ويشير إلى أن ذلك يوضح أن القوات المسلحة التي تم اختطافها من حكومة الاسلاميين التي افرغتها من مهنيتها ومن قدراتها العسكرية واضعفتها لدرجة واضحة في هذه الحرب منذ اليوم الاول. لعدم وجود مشاة.

ويرجع ذلك إلى أنه أعطى الدعم السريع الافضلية وعنصر المبادئة في إنه يتمكن من محاصرة الوحدات العسكرية في الخرطوم وبعض الفرق في غرب السودان وإلى حد وصوله إلى ولاية الجزيرة وسنار وكل هذه المناطق.

ويقول محمد نور إنَّ هذا الأمر يكشف حقيقة أن القوات المسلحة ليس لديها جاهزية لخوض المعارك ويرى أن عملية تجيش المليشيات المستمر، يؤكد أنها اضعف أوقاتها على مر التاريخ.

لماذا تم الاتفاق:

ويقول القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي د. أحمد بابكر أن السؤال هنا ليس كيف يمكن تعميم هذا الاتفاق، وإنما هو: لماذا تم هذا الاتفاق.

ويضيف في حديثه لـ”راديو دبنقا” بقوله: إذا فهمنا لماذا تم الاتفاق، فإن فهم العناصر التي بُني عليها يقودنا إلى فهم طبيعة هذه الحرب نفسها. ويرى أن الأتفاق تم بناءً على عاملين أساسيين.

العنصر الأول هو الضغط الخارجي، إذ إن النفط الموجود هناك هو نفط جنوب السودان، وفي الأصل هذا النفط تابع للإمارات لأنها قامت بشرائه وهذا عنصر مهم.

أما العنصر الثاني، كما يضيف بابكر، فهو أن نفط هجليج يُعد مصدراً للتمويل بالنسبة لأطراف الحرب. ويؤكد على أن هذان هما السببان الأساسيان، ويقول: إذ إن الطرفين لا يرغبان في فقدان مصدر تمويل الحرب.

ويقول: هذا يقودنا إلى نقطة أخرى، وهي أن الطرفين يعتمدان على الذهب في تمويل الحرب. فالجيش وقوات الدعم السريع كلاهما يعتمد على الذهب، ويصدرانه إلى الإمارات. فلا معنى للحديث عن الإمارات أو ما يُسمى بدويلة الشر أو غير ذلك من هذا الحديث.

ويضيف: بأن طبيعة الحرب الجارية لا علاقة لها عن الحديث الذي يتردد عن الكرامة أو الديمقراطية، ويؤكد أن هذه الشعارات تصدر للمواطن من أجل التحشيد والتعبئة ودفعه للمشاركة في هذه الحرب كذلك تبرير لاستمرارها.

ويؤكد القيادي البعثي أن أصل هذه الحرب في جذرها حين اندلعت بين الطرفين لخلاف حول الثروة والسلطة، لا أكثر، ويقول: “صحيح بعد ذلك مع مرور الوقت تناسلت وتغيرت الأهداف ودخل العامل الخارجي على خط الأزمة”، وهو أمر وصفه بالطبيعي.

ويضيف بأن تعميم هذا الاتفاق يرى أنه يمكن أن يتم بنفس الكيفية عبر التدخل الخارجي، في حال بالمصالح الاقتصادية سواء لهذا الطرف أو ذاك من خلال العقوبات الاقتصادية وغيرها من الأدوات.

لكنه يرى أن الطرفين المتحاربين ليس لديهما إرادة في تحقيق السلام، ولا حتى الرغبة في إنهاء الحرب، بل لديهم إرادة في القتال واستمراريته ويشكل مصلحة عليا للطرفين.

ويعتقد القيادي البعثي د.أحمد بابكر أن القوة التي تقف وراء هذه الحرب لديها مصلحة في استمرارها، ولذلك ليس لديها إرادة لإيقافها، إلا إذا كان هنالك ضغوط أعلى منها من الخارح، أو ضغوطًا مرتبطة بمصالحها الاقتصادية من أجل ذلك هي تحارب.

ويعيب على القوى السياسية أنها أضاعت فترة طويلة جدًا في أن تلتقي أو تشكل جبهة شعبية واسعة ضد الحرب، وهو ما دفع المواطن للاصطفاف هنا وهناك، “فالحياة لا تقبل الفراغ”.

ويرى بابكر أنه لو كان هنالك جسم حقيقي نشأ من الشعب ومن قواه السياسية الحقيقية، وعبّر عن مواقف المواطن منذ بداية الحرب، لكان المواطن، بشكل أو بآخر، قد اصطف مع هذا الجسم، وهذا الأمر كان سيعمل على تحصين المواطن من الانجرار والاصطفاف مع أي من طرفي الصراع، ولم يدخل في الاصطفافات القبلية والجهوية وغيرها.

ويشير إلى أن تأخر القوى السياسية لفترة طويلة أتاح الفرصة للطرفين لتكوين حواضن شعبية، وهو ما أثّر في نهاية المطاف على تأثير القوى السياسية نفسها.

Welcome

Install
×