سحب تراخيص المحامين… صراع الشرعية أم تسييس للعدالة
7 يناير 2026: راديو دبنقا
تقرير: عبد المنعم مادبو
في خطوة أثارت للجدل في الأوساط القانونية والحقوقية في السودان، أصدرت نقابة المحامين السودانيين ببورتسودان قراراً بسحب تراخيص مزاولة مهنة المحاماة من 31 محامياً ومحامية، وحرمانهم من ممارسة المهنة في جميع المحاكم والهيئات القانونية. القرار الذي صدر عن لجنة قبول المحامين، استند إلى مبررات تتعلق بما وصفته النقابة بمخالفات جسيمة لأحكام قانون المحاماة وقواعد السلوك المهني، وسط تساؤلات متزايدة حول خلفياته القانونية، وإجراءاته، وانعكاساته على استقلال المهنة وسيادة حكم القانون في ظل واقع استثنائي تعيشه البلاد.
مضمون القرار
لجنة قبول المحامين التابعة لنقابة المحامين ــ التي تم تشكيلها في بورتسودان عقب حرب 15 ابريل ويتهمها المحامون بأنها تابعة للنظام السابق الذي اسقطته ثورة ديسمبر ــ قالت إن أسباب القرار تعود إلى ثبوت انضمام المشمولين بالقرار إلى قوات الدعم السريع أو العمل ضمن تنظيمات سياسية أو مسلّحة، معتبرة أن ذلك يشكل مخالفة لأخلاقيات مهنة المحاماة وشرفها، وانتهاكاً لقواعدها التي تنص على نصرة الحق وسيادة حكم القانون وحماية حقوق الإنسان. وأضافت أنها توصلت إلى ذلك استناداً إلى أدلة وقرائن قالت إنها تثبت من تورط المعنيين في أنشطة تتعارض مع معايير المهنة. واشارت الى انها أحالت البيانات الخاصة بالمحامين المعنيين إلى الجهات القضائية والإدارية المختصة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية.
بطلان القرار
وذكرت اللجنة إنها اعتمدت في قرارها على المواد (1/25 هـ، 2/25، 65، و66) من قانون المحاماة، وهي المواد التي قال عنها عضو التحالف الديمقراطي للمحامين عمر سيد احمد انها لا تتصل بدور او نشاط المحامي النقابي أو المهني أو الفكري أو السياسي، وإنما تتعلق بإجراءات تأديبية محددة مرتبطة بممارسة المهنة، ولا تنطبق على الحالات المشمولة بالقرار.
وفي ذات السياق أصدرت اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين بياناً، أكدت فيه بطلان القرار وقالت إن القرار صدر عن جهة غير مختصة وأنه انتحل اختصاص مجلس التأديب، وأشارت اللجنة ــ في البيان الذي اطلع عليه راديو دبنقا ــ إلى أن أي جزاءات تأديبية يجب أن تُصدر حصراً عن مجلس التأديب، مما يعني ان القرار مخالف للقانون. وأضافت “القرار خالف جميع الإجراءات الجوهرية، ولم يتم إخطار المحامين أو سماع دفاعهم، كما استند إلى ادعاءات عامة وغير محددة، وتم توقيع أقصى الجزاءات مباشرة دون مراعاة مبدأ التدرج في الجزاءات، بما يشكل تعسفاً ومخالفة صريحة لقانون المحاماة، كما أن الوقائع الواردة لا تنطبق على أي نص من نصوص قانون المحاماة، بما يجعل القرار باطلاً ومنعدم الأثر قانوناً.
وأكدت اللجنة التسييرية أن نشر كشوفات بأسماء المحامين المشمولين بالقرار غير مشروع ويشكل مساساً بالسمعة وقرينة البراءة، وأن القرار خالٍ من أي تسبيب قانوني، وجددت اللجنة التسييرية التأكيد على أنها الجهة الشرعية المختصة بإدارة شؤون المهنة وتمثيل المحامين وفق المرسوم الدستوري رقم (1/2023) وأحكام القضاء.
من جهتها قالت عضو هيئة محامي دارفور الاستاذة نفيسة حجر ان اللجنة التي أصدرت القرار تم حلّها رسمياً واستبدالها بلجنة تسيير نقابة المحامين بموجب قرارات سابقة، مشيرة إلى وجود طعن قانوني منظور أمام المحكمة المختصة لم يُفصل فيه حتى الآن، ما يعزز بطلان القرار وعدم مشروعيته، لافتة إلى أن سلطة سحب تراخيص مزاولة المهنة سلطة حصرية لجهة قانونية قائمة، وهو ما لا يتوفر في اللجنة التي أصدرت القرار.
انحراف في استخدام السلطة
وعلى صعيد الأساس القانوني والإجرائي، أشار عضو محامي الطواري الاستاذ محمد صلاح إلى أن قانون المحاماة لسنة 1983 وتعديلاته لعام 2014، بوصفه القانون الواجب التطبيق، حدّد اختصاصات لجنة قبول المحامين بدقة، وحصر سلطة سحب أو إيقاف الترخيص في حالات واضحة ومحددة على سبيل الحصر، وجميعها مرتبطة بمخالفات مهنية أو تأديبية بعينها. وأضاف أن القانون اشترط اتباع إجراءات واجبة، في مقدمتها وجود شكوى، وفتح تحقيق، وتمكين المحامي من الدفاع عن نفسه، وصدور قرار مُسبّب، مع كفالة حق الاستئناف ووسائل الطعن المختلفة.
وأكد أن قانون المحاماة لا يجيز للجنة قبول المحامين إيقاف الترخيص من تلقاء نفسها وبصورة فجائية، دون شكوى أو تحقيق أو سماع أقوال المحامي، مشدداً على أن أي تفسير يخالف ذلك يُعد توسعاً غير مشروع في الاختصاص، وخطأً في تطبيق القانون، وانحرافاً بالسلطة وإساءةً لاستعمالها. وذهب إلى أن الإجراء، في هذه الحالة، يعاني من عيب جسيم في الاختصاص والإجراءات، ما يضعه في دائرة الانعدام، لا مجرد البطلان، وبالتالي يفقد أي حياة قانونية من الأساس.
وفيما يتعلق بإخطار الجهات المختصة وتنفيذ القرار.
قال صلاح إنه لا توجد مؤشرات واضحة على اتباع مسار قانوني سليم في إخطار الجهات العدلية المختصة، مثل رئاسة القضاء أو النيابة أو المحاكم، وفق القنوات الرسمية المتعارف عليها. وأضاف أنه حتى في حال تم الإخطار، فإن تبليغ الجهات بقرار صادر من جهة فاقدة للصفة القانونية لا يكسبه المشروعية ولا يرتب أي أثر قانوني، لأن الإجراء برمته يفتقر إلى الأساس القانوني، وأي إخطار أو تنفيذ مبني عليه يكون عديم القيمة القانونية.
توجه سياسي
القيادي بالتحالف الديمقراطي للمحامين، عمر سيد أحمد، قال إن القرار صدر عن جهة لا تملك أي سند شرعي أو قانوني، انما ذات توجه سياسي وتسعى، إلى سحب المشروعية من لجنة تسيير نقابة المحامين واختطاف صوت المحامين. واعتبر سيد أحمد الخطوة بأنها تستهدف ضرب وحدة المحامين في ظل الحرب، التي قال إنها أفرزت واقعاً أقرب إلى الانقسام، واصفاً القرار بأنه تعبير عن نزعة انفصالية وتوجه سياسي واضح داخل هذه المجموعة، على حد تعبيره. لافتاً إلى أن قانون المحاماة يتضمن نصوصاً وإجراءات تكفل حماية حقوق المحامين، ولا تسمح بمعاقبتهم بسبب مواقفهم الفكرية أو السياسية.
واكد أن ما يجري صراع سياسي مقصود يهدف إلى تفكيك وحدة المحامين وسحب المشروعية من لجنة تسيير نقابة المحامين، التي وصفها بالجهة الشرعية، وأضاف “ما يحدث يمثل محاولة لتقويض هذه الشرعية”.
وفي ذات السياق قالت عضو هيئة محامي دارفور، الاستاذة نفيسة حجر، أن الجهة التي أصدرت القرار فاقدة للأهلية والشرعية، موضحة أن اللجنة المشار إليها تتبع لنقابة المحامين المحلولة عقب ثورة ديسمبر، وأنها لجنة مرتبطة بالنظام السابق، الأمر الذي يجعل قراراتها منعدمة الصفة والأثر القانوني. وأشارت إلى أن القرار تحكمه دوافع كيدية وانتقامية، وتجاوزت فيه الجهة المصدرة للقرار كل مبادئ التقاضي العادل، وهدفه ــ بحسب وصفها ــ تصفية حسابات سياسية مع محامين معارضين للنظام السابق. وأكدت حجر رفض هيئة محامي دارفور الاعتراف بالقرار، واعتبرته قراراً باطلاً، مشددة على أن مهنة المحاماة ستظل مهنة مستقلة وعصية على التطويع والتسييس، ولن تنال منها مثل هذه الإجراءات.
استهداف سياسي
واعتبر القطاع القانوني بحزب المؤتمر السوداني القرار بأنه استهداف سياسي مباشر لقوى الثورة.
وأوضح القطاع ــ في بيان صحفي اطلع عليه راديو دبنقا ــ أن القرار شمل محامين من بينهم عضوات وأعضاء في القطاع القانوني للحزب، إضافة إلى منتمين للتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة صمود، واعتبر أن الخطوة جاءت على خلفية تهم سياسية جزافية، تعكس طبيعة الحرب الجارية وأهدافها، وهيمنة عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية على سلطة بورتسودان، واستخدام مؤسسات الدولة لتصفية خصومهم السياسيين.
وأكد البيان أن اللجنة التي أصدرت القرار لا تملك أي شرعية ولا تمثل المحاميات والمحامين، مشدداً على أن الجسم النقابي الشرعي الوحيد هو لجنة تسيير نقابة المحامين، واعتبر أن ما صدر عن اللجنة محل الجدل محاولة فاشلة لإرهاب الأصوات الحرة التي ظلت في مقدمة الصفوف دفاعاً عن المدنيين، وتوثيقاً لجرائم الحرب، وانحيازاً لقيم السلام والحرية والعدالة.
وأعلن البيان تضامن الحزب الكامل مع المحاميات والمحامين المتضررين من القرار، داعياً القوى المدنية الديمقراطية، وقوى الثورة، والنقابات المهنية، ومنظمات حقوق الإنسان، إلى الوقوف صفاً واحداً في مواجهة ما وصفه بالمخططات الرامية إلى ضرب قوى الثورة، والعمل المشترك من أجل عزل دعاة الحرب، وإحلال السلام المستدام، وإنهاء الحروب في السودان.
السيطرة على المثلث العدلي
من جهتها قالت عضو محامي الطوارئ الاستاذة رحاب المبارك أن الجهة التي أصدرت قرار سحب التراخيص غير مخوّلة قانوناً ولا تتمتع بالشرعية التي تتيح لها اتخاذ مثل هذا القرار، معتبرة أن الخطوة تهدف إلى سحب الشرعية من اللجنة التسييرية لنقابة المحامين، وفي الوقت نفسه تمهيد الطريق لتمديد نفوذ ما وصفتها ب”الأجسام الكيزانية” داخل مؤسسات الدولة.
وأضافت المبارك لراديو دبنقا أن هذه التحركات، تسعى إلى فرض السيطرة على المثلث العدلي كاملاً، عبر إخضاع المؤسسات العدلية لهيمنة جهة واحدة، مشيرة إلى أن ذلك سبق أن حدث في السلطة القضائية والنيابة العامة، كما وثّقت ذلك في عدة تقارير سابقة. وخلصت المبارك إلى أن ما يجري يمثل إقصاءً سياسياً واضحاً، يهدف إلى التحكم في مهنة المحاماة وتحديد من يُسمح له بمزاولتها ومن يُمنع عنها، على أسس سياسية لا قانونية.
قال عضو محامي الطوارئ محمد صلاح لراديو دبنقا إن القرار يفتقر إلى أي أساس مهني أو قانوني، ولم يتضمن أسباباً مهنية محددة أو وقائع منضبطة يمكن أن تُشكّل اتهاماً قانونياً معتَبَراً وفق قانون المحاماة. وأضاف “الحديث العام عن أسباب غير مهنية أو مواقف سياسية أو نشاط عام لا يرقى، من الناحية القانونية، إلى مستوى المخالفة المهنية أو الجريمة التي تبرر سحب أو إيقاف الترخيص”. مؤكداً أن الإجراء، يبدو أقرب إلى كونه إجراءً عقابياً ذا طابع سياسي أو انتقامي، لا يستند إلى مسلك مهني مجرَّم بنص القانون، وذكر أن مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني” المعروف بمبدأ المشروعية واضح.
انتهاك القانون
عدد من المحامين الذين تحدثوا لراديو دبنقا اعتبروا القرار انتهاكاً للقانون من جهة تدعي انها تعمل على حماية الحقوق وضمان سيادة حكم القانون، وأكد القيادي بالتحالف الديمقراطي للمحامين، عمر سيد أحمد أن سحب تراخيص المحامين لا يمكن أن يتم قانوناً من دون محاكمات عادلة أو قرارات قضائية صادرة بحق المعنيين، وأشار سيد أحمد إلى أن القرار يتعارض أيضاً مع مبادئ الأمم المتحدة بشأن دور المحامين، التي تكفل استقلالية مهنة المحاماة ودورها في الدفاع عن الحقوق والحريات.
وفي السياق قالت عضو هيئة محامي دارفور، الاستاذة نفيسة حجر، إن القرار يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة حكم القانون وتغولاً غير مسبوق على استقلالية مهنة المحاماة. وقالت أن ما جرى لا يترتب عليه أي أثر قانوني بحق المحامين والمحاميات الذين وردت أسماؤهم في الكشف المرفق. فيما قال القطاع القانوني بحزب المؤتمر السوداني إن هذه الممارسات تصدر عن عصابات إجرامية تستبيح القانون في ظل حرب تُدار ضد المدنيين، وأن استهداف المحامين يمثل محاولة لإسكات الأصوات المناهضة للحرب والاستبداد وعسكرة الدولة.
مناهضة القرار
رحاب المبارك وهي ضمن من شملهم قرار سحب الترخيص قالت إن القرار هو تطور جديد في نزاع قديم وممتد بينهم وبين ما سمّته بنقابة الإسلاميين منذ العام 2018م. وذكرت أن هذا النزاع كان يُدار في السابق عبر المسارات القانونية والمؤسسات العدلية، حيث جرت مناهضة اللجنة المعنية أمام المحاكم والجهات المختصة، إلا أن الجهة المناوئة لجأت ــ بحسب تعبيرها ــ إلى طرق ملتوية بعد عجزها عن استعادة نقابة المحامين عبر الوسائل الرسمية.
فيما قال الاستاذ، المحامي، عامر أبكر عثمان، أحد المشمولين بقرار سحب تراخيص مزاولة المهنة الصادر في بورتسودان، إن القرار صدر عن نقابة غير شرعية ومحلولة، مؤكداً أنها نقابة تم حلها بموجب قرارات دستورية صدرت عقب ثورة ديسمبر المجيدة، شملت حل جميع النقابات والاتحادات المهنية والعمالية المرتبطة بالنظام السابق.
وأوضح أن النقابة التي أصدرت القرار كانت تمثل النظام البائد، وقد تقدمت بطعون قانونية انتهت أمام المحكمة العليا، التي قضت بعدم مشروعية استمرارها منذ ذلك الوقت، وبالتالي قرار صادر عن جهة تفتقر للشرعية القانونية ليست له قيمة قانونية. واضاف “انا وزملائي المحامون سنناهض هذا القرار بكل الطرق العدلية والقانونية لتأكيد حقيقة ان هذه النقابة فاقدة للشرعية، وأن قراراتها منعدمة الأثر ولا يترتب عليها أي التزام قانوني“


and then