تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

بلى وإنجلى ... حمدا لله ألف على السلامة

أكتوبر ٢١ - ٢٠٢٠ الخرطوم / راديو دبنقا
عبدالباقي جبريل
عبدالباقي جبريل

 

بقلم :  عبد الباقي جبريل 

 

إن إعلان الحكومة الأمريكية، مساء يوم الاثنين 19 اكتوبر 2020 عن بدء الإجراءات لرفع إسم السودان عن القائمة الامريكية للدول الراعية للإرهاب هي لحظة مفصلية في تاريخ السودان تضع نهاية لواحدة من أكثر تركات نظام المؤتمر الوطني السابق دمارا وخرابا للاقتصاد في السودان وضياعا لفرص التنمية فيه.

بالتخلص من هذه التركة سيئة السمعة فمن المتوقع أن تفتح آفاق رحبة من الفرص أمام السودان وعليه أن ينتهذها بحصافة من أجل دعم عملية الإصلاح الاقتصادي الشامل والاستقرار السياسي والسلام وما يتبع ذلك من تحولات إجتماعية إيجابية من توفر للخدمات الخ.

بهذا القرار يكون السودان قد تجاوز عقبة كؤود من مخلفات نظام المؤتمر الوطني اقعدت به لما يقارب الثلاثة عقود من الزمان ذاق فيها الشعب الأمرين معانيا من الفقر والجوع والمرض ومن الظلم وسرقة واستغلال موارده من قبل أتباع النظام السابق في الداخل ومن قبل كثير من الأجانب في الخارج.

هذا القرار هو ضربة البداية لفتح الباب على مصراعيه لعودة العلاقات الطبيعية بين السودان والأسرة الدولية، خاصة إعادة فتح باب التعاون مع النظام المصرفي والمالي العالمي واستعادة حقوقه الائتمانية مع مؤسسات التمويل والتنمية الدولية، مما يأذن بتدفق إستثمارات مهمة من الشركات والمؤسسات الخاصة والعامة من كل أنحاء العالم إلى البلاد. هذا التطور المهم والذي طال انتظاره يمثل أحدى أكبر إنتصارات ثورة ديسمبر 2018 المجيدة بعد أن دكت حصون النظام السابق ووأدت عهد العداء غير المبرر بين السودان وبعض دول العالم مما يمكن البلاد من إعادة علاقاتها القديمة من الصداقة والتعاون مع الشعوب الأخرى إلى سابق سيرتها.

لقد تم كل هذا الإنجاز الكبير بعد أن فدى السودان نفسه بإمكانياته الذاتية وعذيمة أبناؤه مواصلا معالجة الأسقام التي ورثها من النظام السابق في رقي وتحضر وكبرياء رغم قلة الموارد المالية وشظف العيش الذي يجابهه المواطن في إيثار وحب للوطن وصبر لا تلين له قناة من أجل التغيير والوصول إلى التحول الديمقراطي الموعود.

من الضروري التذكير بمسؤولية النظام السابق الكاملة عن هذه القضية ولتجاهله لإجراءاتها القضائية حتى وصل الحكم النهائي فيها من قبل المحاكم الأمريكية الى ما يقارب 10 مليار دولار ودخل مرحلة النفاذ وذلك لكي تتم المقارنة مع الدور الكبير الذي قامت به الحكومة الإنتقالية من أجل حل هذه القضية الشائكة بأقل الخسائر للبلاد. ففي أغسطس 2017، أعلن وزير الخارجية في ذلك الوقت، وبلا تاكيد من مصادر مستقلة، بأن حكومة المؤتمر الوطني السابقة استعانت بمكتب محاماة أمريكي (Squire Patton Boggs) ونجحت في تخفيض تعويضات ضحايا الهجمات الإرهابية إلى ملياري دولار أمريكي وهو مبلغ مهول مقارنة بما نجح مفاوضي الحكومة الإنتقالية في تحقيقه، بقيادة رئيس الوزراء ووزير عدله الدكتور نصرالدين عبدالباري وبقية زملائهم، خاصة تفادي الوقوع في فخ الابتزاز السياسي المفضوح بربط الموضوع بقضايا أخرى، إلى أن توصلوا إلى شروط ميسرة للدفع بما فيها تخفيض المبلغ المطلوب كتعويضات إلى 335 مليون دولار أمريكي لا غير وهو ما يعادل سدس ما كان سيدفعه النظام السابق حسب إعلانه في وقتها.

إن صدور هذا القرار، في هذا التوقيت الحاسم، يمثل مهرا لإنجاح إتفاقية جوبا للسلام في السودان وأكبر دافع لأطرافها وللقوى السياسية الأخرى للمضى قدما في تنفيذ بنودها حتي الوصول إلى نهاياتها الناجحة بمشيئة الله وريادة وأمر الشعب، خاصة ضحايا الحرب الداخلية والنزاعات المسلحة من مشردين داخليا ومن لاجئين في دول الجوار.

من الضروري كذلك الإشارة إلى إن قرار رفع إسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب هو إجراء مكمل للقرار الذي اتخذته إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في يناير 2017 والخاص بإنهاء جزء من العقوبات الاقتصادية والتجارية الأحادية علي السودان، والتي مازالت تبعاتها تكبل الشركات والبنوك العالمية والمحلية وتمنعها من التعامل التجارى والمصرفي الطبيعي مع السودان.

أهمية القرار الأخير إنه يزيل أخر مخاوف البنوك والشركات الأجنبية في التعامل التجاري مع السودان في كل المجالات المالية والاقتصادية - تمويلا واستثمارا او استيرادا وتصديرا. يبقي اهم مكتسبات السودان من هذا القرار هي استعادته لحقوقه المهدرة في السحب من مؤسسات التنمية والتسليف الدولية والإقليمية وعلى رأسها مجموعة البنك الدولي المختصة بإعادة الإعمار والتنمية ومساعدة البلدان النامية على مكافحة الفقر.

القرار يمهد الطريق للسودان للمطالبة بحقوقه في إعفاء ديونه الخارجية التي تبلغ أكثر من 60 مليار دولار أمريكي والتخلص من أعبائها غير المحتملة. يسمح القرار كذلك بالتبادل التجاري المباشر بين السودان والشركات الأمريكية مما يمكن البلاد من استيراد قطع الغيار لإعادة تأهيل قطاعات اقتصادية إستراتيجية مهمة مثل الطيران والسكك الحديدية والنقل البحري وعلي تطوير صناعاتها الوطنية باستيراد برامج التشغيل والمعدات الحديثة.

أولى الخطوات الضرورية للإستفادة القصوى من هذا القرار هي أن تعمل الحكومة الإنتقالية على وضع خطط شاملة وواقعية للاصلاح الاقتصادي  والتنموي وكخطوة ذات أولوية خاصة للتحضير للإصلاح الاقتصادي الهيكلي، عليها إعادة تأهيل النظام المصرفي والمالي في السودان والقضاء على الفساد الاداري في هذين القطاعين الهامين وبأسرع فرصة، خاصة في مجالي السياسات والاجراءات، بما في ذلك إعادة احكام وتقوية اجراءات حوكمة الشركات ومؤسسات الدولة وإلزام البنوك باتباع الأعراف المالية والمصرفية العالمية مثل توصيات مجموعة العمل المالي.

إن المهمة ستكون معقدة بعد أن خرجت البنوك والمصارف السودانية من النظام المالي والمصرفي العالمي منذ عام 1992 مما حرمها بصورة مميتة من التعامل مع نظيراتها الخارجية ومن مواكبة التطورات في هذا المجال الحيوي ومن التوسع وتأمين احتياجات السودان في مجالي الاستيراد والتصدير بصورة طبيعية. 

كنتيجة حتمية للفساد السياسي والاداري والقانوني وللتخبط والانهيار المالي والإقتصادي الذي شهده السودان خلال العشرة سنين الأخيرة، فالبنوك السودانية تعاني من اختلالات هيكلية خطيرة تتمثل في الفساد المؤسسي وضعف رأس المال العامل ومن تأكل أصول أموالها بصورة مخيفة. كذلك لا تستطيع البنوك السودانية المنافسة عالميا لأنها لا تتبع مقررات وتوصيات منظمة سلامة العمل المصرفي ودرء المخاطر المصرفية، بما في ذلك عدم قدرتها علي تطبيق المعايير الدولية المتفق عليها في مقررات بازل 1 لعام 1988 وبازل 2 لعام 1992 واخيرا بازل 3 لعام 2009 والتي تهدف لحماية أموال المصارف من المخاطر المختلفة (مخاطر الائتمان، مخاطر السوق، ومخاطر التشغيل) وذلك من خلال وضع معادلات ترجيح أوزان تلك المخاطر وتخصيص جزء من أرباح المصارف كاحتياطات تدعم رأس المال.

يجب كذلك التنبيه إلى إن على الحكومة العمل بجدية من أجل إصلاح نظم المحاسبة والمراجعة المالية والضرائب والجمارك ورسوم الانتاج وعلى إستقرار سعر الصرف لتفادي آثاره السالبة على الإقراض وتمويل المشروعات خاصة وإن الظروف الحالية تعني إن استرداد البنوك السودانية للمديونيات والعوائد منها لا يحقق ارباح فعلية للبنوك وانما ارباح اسمية. كذلك تعيش معظم المصارف في السودان في حالة تخلف تقني فظيع يمثله الإعتماد على العمل اليدوى وعدم الإبتكار بينما تعتمد المصارف العالمية على سلع ومنتجات مصرفية عالية التقنية والفعالية.

مع تباشير السلام التي تلوح في الأفق، وقرب انفراج أزمات البلاد الاقتصادية والمالية، فالفرصة الآن مؤاتية أكثر من أي وقت مضى لنهضة شاملة في السودان تفجر طاقات بنيه من أجل البناء والأعمار والرفاه الاقتصادي لكل اهل البلاد بلا إقصاء أو تهميش مما يذيل الغبن ويساعد على وحدة الهدف والمصير والتعايش والسلم المجتمعي. لتحقيق الأهداف المرجوة لثورة ديسمبر 2018 في الحرية والسلام والعدالة، فمن الضروري أن تتوحد تطلعات وآمال وجهود جميع أبناء الوطن من أجل المصلحة العامة ونبذ الخلافات السياسية والأيديولوجية القديمة والمجربة في اقعاد البلاد وتكبيلها. الوقت للعمل الدؤوب من أجل تفجير الطاقات وتحرير إمكانيات البلاد المادية والبشرية والإستفادة من التطورات العلمية والتقنية من أجل الحداثة والخير ولإطعام الناس من جوع وتأمينهم من خوف ...


عودة الي النظرة العامة