في أدغال أوروبا… لاجئون سودانيون عالقون بين الحرب والحدود

طالبو لجوء سودانيين في سراييفو بمعية وفد من منظمة سوس- يوليو 2026- من صفحة عضو وفد المنظمة إشراقة مصطفى على فيسبوك

طالبو لجوء سودانيين في سراييفو بمعية وفد من منظمة سوس- يوليو 2026- من صفحة عضو وفد المنظمة إشراقة مصطفى على فيسبوك

كمبالا: 16 يوليو 2026: راديو دبنقا

لم يكن الطفل السوداني، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، يبحث عن أكثر من مكان آمن ينهي فيه رحلة نزوح بدأت بالحرب وانتهت في أدغال أوروبا. وعندما التقى الناشطة السودانية في حقوق الإنسان إشراقة مصطفى داخل أحد معسكرات اللاجئين في البوسنة، لم يجد ما يقوله سوى عبارة واحدة: “ممكن أقول لكِ أمي؟” كانت لحظة تختزل حجم الفقد الذي يعيشه آلاف السودانيين العالقين في أدغال أوروبا، بعد أن سرقت الحرب منهم الأهل والوطن، ووضعتهم في مواجهة رحلة لا تقل قسوة عن الحرب نفسها.

عادت إشراقة مصطفى من زيارة استمرت أسبوعاً إلى معسكرات اللاجئين الواقعة على الحدود بين البوسنة وكرواتيا، برفقة وفد من منظمة SOS النمساوية، وهي تحمل شهادات تصفها بأنها من أقسى ما رأته في حياتها. وتروي إشراقة لـ(راديو دبنقا) أن السودانيين يشكلون المجموعة الأكبر داخل عدد من المعسكرات التي زارتها، حيث يتراوح عددهم بين 200 و250 شخصاً في كل المعسكرات، معظمهم من الشباب الذين فروا من الحرب في السودان بحثاً عن الأمان، إضافة إلى وجود لاجئين من جنسيات أخرى مثل الباكستانيين والأفغان والمصريين.

رحلة تنتهي عند الأسلاك الشائكة

بحسب إشراقة، فإن كثيراً من السودانيين ينجحون في اجتياز الحدود والوصول إلى الأراضي الكرواتية، وهي بوابة الاتحاد الأوروبي، لكنهم يُعادون قسراً إلى البوسنة فيما يُعرف بسياسة “الإعادة القسرية”، رغم أن القانون الأوروبي واتفاقية جنيف ينصان على حق طالبي اللجوء في تقديم طلباتهم والحصول على الحماية.

وتروي أنها شاهدت بعينيها مجموعات من اللاجئين عادوا حفاة بعد تعرضهم للضرب، فيما صادرت قوات الحدود هواتفهم وحطمتها أمام أعينهم، وهي الوسيلة الوحيدة التي يعتمدون عليها لمعرفة الطرق والتواصل مع ذويهم، في مشاهد وصفتها بأنها مهينة وغير إنسانية. وتضيف أن أحد اللاجئين أخبرها بأن شرطية قالت لهم -بعد أن أطلقت النار من مسدسها على هواتفهم-: “أنتم لستم بشراً”.

وترى أن ما يجري على الحدود يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، ويعكس سياسة أوروبية تركز على منع وصول اللاجئين أكثر من تركيزها على توفير الحماية لهم.

ضحايا لا يعرفهم أحد

المأساة، بحسب إشراقة، لا تنتهي عند الحدود؛ فخلال زيارتها رافقت متطوعين إلى مقابر تضم لاجئين توفوا أثناء محاولات العبور، بينهم سودانيون لم تُعرف هوياتهم، ولم يُكتب على قبورهم سوى أنهم “سودانيون”.

وفي مشهد آخر تصفه بأنه لن يغادر ذاكرتها، زارت ثلاثة شبان سودانيين فقدوا أطرافهم بعد أن تجمدت أقدامهم أثناء عبور الغابات والجبال في الشتاء القارس، فيما بُترت أيدي اثنين منهم بسبب إصابات ناجمة عن البرد القارس.

كما تشير إلى أن الغرق أصبح أحد أخطر التهديدات التي تواجه السودانيين في هذا الطريق، مستشهدة بحادثة غرق 10 سودانيين أثناء محاولتهم عبور نهر على الحدود بين سلوفينيا وكرواتيا، دون أن يتمكن أحد من انتشال جثمانيهم.

إنسانية البوسنيين… في مواجهة قسوة الحدود

ورغم قسوة الطريق، تؤكد إشراقة أن المجتمع البوسني يقدم نموذجاً مختلفاً في التضامن الإنساني؛ إذ تروي كيف شاهدت سيدة بوسنية مسنة، تجاوزت السبعين من عمرها، تُعد الطعام للاجئين وتنتظرهم قرب أحد المساجد لتوزيعه عليهم، كما التقت متطوعين يكرسون وقتهم لمساعدة اللاجئين، وآخرين يتولون غسل ودفن من يفارقون الحياة أثناء رحلة الهجرة. وترى أن تجربة الحرب التي عاشها البوسنيون قبل عقود جعلت كثيرين منهم أكثر تفهماً لمعاناة الفارين من النزاعات.

الحرب… أصل الحكاية

وتؤكد أن معظم من التقتهم هم شباب شارك بعضهم في ثورة ديسمبر 2019م، دفعهم استمرار الحرب في السودان إلى المجازفة بحياتهم، وأن قصصهم تكشف حجم اليأس الذي دفع بعضهم إلى عبور عدة دول سيراً على الأقدام وعلى متن قوارب متهالكة، أملاً في الوصول إلى مكان يوفر لهم الحماية.

وتلفت إلى أن شاباً في السابعة عشرة من عمره روى لها رحلة بدأت من إحدى قرى الجنينة، مروراً بتشاد، وليبيا، والنيجر، والجزائر، واليونان، قبل أن يصل إلى البوسنة، في مسار استغرق سنوات وتخللته مخاطر لا تُحصى.

وترى الناشطة الحقوقية أن أزمة اللاجئين السودانيين لن تُحل عبر تشديد سياسات الهجرة، بل بإنهاء الأسباب التي تدفعهم إلى الفرار، وفي مقدمتها الحرب المستمرة في السودان. وتشدد على أن وقف الحرب في السودان هو الحل الحقيقي لأزمة اللجوء، قائلة إن استمرار القتال لا يعني فقط ضياع وطن، بل ضياع جيل كامل يتشتت اليوم في أنحاء العالم.

ووجهت إشراقة رسالة مناشدة للمجتمع الدولي والسودانيين على حد سواء، مؤكدة أن ما رأته على الحدود بين البوسنة وكرواتيا ليس مجرد أزمة هجرة، بل مأساة إنسانية تهدد جيلاً كاملاً، مضيفة أن الطريق الحقيقي لوقف نزيف الأرواح يبدأ بإحلال السلام داخل السودان، حتى لا يضطر مزيد من الشباب إلى خوض رحلات قد تنتهي في الغابات، أو تحت مياه الأنهار، أو في مقابر تحمل أسماء مجهولة.

Welcome

Install
×