خبير: أزمة الدولار تتطلب حلاً اقتصادياً شاملاً وسياسات بنك السودان حققت نجاحات جزئية
بنك السودان المركزي يؤكد حدوث إنفراج في النظام المصرفي - المصدر - وكالة السودان للأنباء
أمستردام: 15 يوليو 2026: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
وضع التصاعد المتسارع لسعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني الحكومة في مأزق البحث عن حلول لهذه الأزمة؛ إذ عاد “الدولار” إلى الصعود مرة أخرى بعد أقل من أسبوع من انخفاض مؤقت، حيث كان قد تراجع إلى 5800 بدلاً من 6000 جنيه في أعقاب ضخ بنك السودان كمية من العملات الأجنبية. وباتت السياسات التي يضعها بنك السودان المركزي لمعالجة هذا الارتفاع أشبه بـ “المسكنات” أو “الحلول المؤقتة” وليست حزمة شاملة لمعالجة الأزمة الاقتصادية من جذورها.
وفي تطور لافت، اتخذ بنك السودان المركزي حزمة من الإجراءات الرقابية والإدارية بحق بعض المصارف، وذلك استناداً إلى نتائج أعمال التفتيش والرقابة التي رصدت مخالفات لأحكام اللوائح والمنشورات المنظمة لعمليات النقد الأجنبي.
تحقيق الاستقرار:
رهن الخبير المصرفي عبد اللطيف علي إبراهيم تحقيق الاستقرار الاقتصادي بحدوث تناغم وتكامل بين سوق العمل والسياسات المالية والنقدية، مشيراً إلى أن بنك السودان -بصفته المسؤول عن تنفيذ السياسة النقدية- يأتي دوره في هذا الإطار للحفاظ على استقرار هذه السياسة من خلال إدارة عرض النقود، وتنظيم التمويل، والإشراف على سوق النقد الأجنبي.
وقال في مقابلة مع “راديو دبنقا”: «من هذا المنطلق، فإنَّ لبنك السودان المركزي الحق في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد بعض المصارف والعاملين فيها، على خلفية مخالفات تتعلق بعمليات النقد الأجنبي»، مبيناً أن هذه الإجراءات تحفظ له سير سياسات النقد الأجنبي بصورة عملية.
وحذر من أن أي اختلال في تنفيذ سياسات النقد الأجنبي سيؤدي إلى تشوهات في عدة مفاصل؛ سواء في سعر الصرف، أو مستوى المديونية، أو معدل التضخم، لافتاً إلى أن هذه كلها قد تكون نتاجاً لممارسات المنظومة الاقتصادية الحالية.
وأضاف أن أي اختلال في تنفيذ هذه السياسات أو ارتكاب مخالفات يؤثر بصورة مباشرة في استقرار سعر الصرف، ويؤدي إلى استنزاف احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، كما ينعكس سلباً على تمويل الواردات وسلامة الجهاز المصرفي، فضلاً عن إضعاف ثقة الجمهور في النظام المصرفي عامة.
واعتبر أن السياسات التي اتخذها بنك السودان المركزي قبل أيام قليلة بضخ 400 مليون درهم في المصارف أدت إلى انخفاض محدود ومؤقت في سعر الصرف، مضيفاً أن الأيام الأولى شهدت تراجعاً في سعر الصرف، لكن وتيرة هذا التراجع سرعان ما تباطأت. ورأى أن تلك السياسات حققت نجاحاً جزئياً، لكنها تظل خطوات غير كافية لمعالجة جذرية لسعر الصرف.
غياب التكامل:
وأكد عبد اللطيف إبراهيم أن مشكلة ارتفاع سعر الدولار لا تزال قائمة بسبب غياب التناغم والتكامل بين السياسات النقدية والمالية وسوق العمل. لكنه اعتبر -في الوقت ذاته- أن هذا الغياب ليس السبب الوحيد في تدهور سعر الصرف، مشدداً على أن الأزمة تتطلب معالجة هيكلية شاملة للمشكلة الاقتصادية.
وأشار إلى أن الإجراءات التي اتخذها بنك السودان ضد بعض المصارف والعاملين فيها تعد جزءاً من الصلاحيات القانونية التي يمكن أن يتخذها البنك، لكنها لا تعالج الاختلال الهيكلي في سعر الصرف ولا تلغيه.
وقال: «إذا كان البنك المركزي يحاول معالجة الأزمة وهنالك أطراف أخرى تحاول فتح ثغرات تزيد من ارتفاع سعر الصرف، فإنَّ هذا الأمر سيؤدي حتماً إلى فشل السياسات المصرفية والنقدية»، موضحاً أن فشل السياسات ناتج عن تراكمات وإخفاقات اقتصادية متعددة تتعلق بمستوى السيولة، والسياسات الاقتصادية العامة، وحجم الاحتياطي من النقد الأجنبي، معتبراً أن القضية لا تتعلق بإيقاف عاملين بل بتبني معالجة شاملة للأزمة الاقتصادية.
ورأى أن بنك السودان المركزي يملك الحق، بموجب قانون البنك المركزي وقانون تنظيم العمل المصرفي وقانون العمل، في اتخاذ ما يراه مناسباً من إجراءات تكفل له تنفيذ السياسة النقدية، مشيراً إلى أن دور بنك السودان هو دور رقابي بالأساس، وتابع قائلاً: «كلما كانت الرقابة لصيقة ومشددة، كان أداء الجهاز المصرفي متماشياً مع السياسات النقدية التي يطرحها البنك المركزي».
وشدد على أنه عند رصد أي مخالفة تتعلق بالخروج عن النصوص الواردة في هذه السياسات النقدية، فإن البنك المركزي يملك الصلاحية القانونية للتدخل فوراً لحماية سلامة القطاع المصرفي واتخاذ التدابير اللازمة.
وأوضح أن الأمر لا يقتصر على قطاع النقد الأجنبي فحسب، بل يمتد إلى عمليات التمويل، وحماية أموال المودعين، والتدخل لمعالجة أي اختلاسات أو تجاوزات قد تؤثر في سلامة الجهاز المصرفي، مشيراً إلى وجود ترسانة من القوانين التي يمكن أن يستند إليها البنك المركزي للمضي قدماً في هذه الإجراءات.
سلطة البنك المركزي:
وحول مدى سلطة بنك السودان المركزي في إنهاء خدمة موظفي المصارف، قال الخبير المصرفي عبد اللطيف علي إبراهيم في مقابلته مع “راديو دبنقا”: «إذا كان المقصود هو إلزام المصرف باتخاذ إجراءات عقابية بحق موظفين ثبتت مسؤوليتهم عن ارتكاب مخالفات جسيمة، فإن هذا الإجراء يأتي تماماً في إطار التدابير الرقابية للبنك المركزي».
وأشار إلى أن بنك السودان المركزي يمكنه توجيه إدارة المصرف المعني باستبعاد الموظفين المسؤولين عن ارتكاب تلك المخالفات، أو التوجيه باتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم لعدم صلاحيتهم لشغل مناصبهم، إذا ثبت أنهم لم يعودوا مستوفين لشروط الكفاءة أو تسببوا في تجاوزات جسيمة.
ولفت إلى أن العلاقة القانونية المباشرة بين بنك السودان وإدارات المصارف تتمثل في اعتماد تعيين المدير العام ونائبه، مبيناً أن هذه العلاقة تمنح البنك المركزي، وفقاً للقانون، الحق في إلغاء اعتماد تعيينهما أو المطالبة بإبعادهما إذا ثبت تورطهما في أي مخالفات تمس سلامة العمل المصرفي. وفي المقابل، لا توجد علاقة قانونية مباشرة بين البنك المركزي وبقية العاملين في المصارف، بل يقتصر دوره على توجيه مجالس إدارات هذه المصارف باتخاذ العقوبات اللازمة بحق أي موظف يثبت تورطه في مخالفة جسيمة.
الالتزام بالقانون:
وأكد الخبير المصرفي أنه لا يملك معلومات كافية تؤكد التزام بنك السودان المركزي بجميع الإجراءات والمعايير القانونية عند اتخاذه العقوبات الأخيرة بحق عدد من المصارف والعاملين فيها، لكنه رجح أن يكون البنك قد التزم بالمسار القانوني الصحيح.
وأرجع ذلك إلى أن إدارة الرقابة على المصارف بالبنك المركزي تمتلك فرقاً وأجهزة متخصصة في التفتيش والرقابة الدورية على أداء المصارف، وتقوم بمراجعة مدى الالتزام باللوائح والسياسات المصرفية، بما في ذلك الضوابط المنظمة لعمليات التمويل والتعامل بالنقد الأجنبي.
وأضاف أن التاريخ المصرفي في السودان حافل بالأحداث؛ إذ شهدت المصارف على مدى السنوات الماضية ضبط العديد من المخالفات المتعلقة بعمليات التمويل والنقد الأجنبي، وتابع قائلاً: «بالتالي، فإن تجربة بنك السودان المركزي تؤهله للتعامل مع مثل هذه القضايا، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين».
وأوضح أن عدم الالتزام بالإجراءات القانونية الدقيقة قد يضعف الموقف القانوني للبنك المركزي، ويجعل قراراته عرضة للطعن أمام الجهات القضائية المختصة من قبل المصارف أو الأفراد المتضررين، وهو ما قد يقوض فاعلية الإجراءات الرقابية مستقبلاً.
ورأى أن التزام البنك المركزي بالإجراءات القانونية عند فرض العقوبات يعزز مبادئ العدالة وسيادة القانون، ويمنح قراراته قوة ونفاذاً أكبر، محذراً من أن أي إخلال شكلي أو إجرائي قد يتيح ثغرات للطعن في هذه القرارات وإلغائها.
المعايير الدولية:
وحول مدى استناد تلك الإجراءات إلى المعايير الدولية، جدد الخبير المصرفي عبد اللطيف علي إبراهيم تأكيده أنه لا يملك تفاصيل دقيقة عن السند القانوني المحدد الذي اتخذه بنك السودان المركزي بحق المصارف في هذه القضية الحالية.
لكنه أوضح قائلاً: «إذا كانت تلك الإجراءات قد اتخذت بصورة متوافقة مع القوانين والمعايير المحلية المنظمة لعمل بنك السودان، أو وفقاً للقانون العام المنظم للعمل المصرفي، فلا أعتقد أنها ستثير أي إشكالات مع معايير الرقابة المصرفية الدولية».
وأضاف أن هذا النوع من الإجراءات والتدخلات يعد من الأدوار الأصيلة للبنوك المركزية عالمياً، مشيراً إلى أن بنوكاً مركزية في دول أخرى، مثل بنك إنجلترا والمصرف المركزي الإماراتي، سبق أن اتخذت إجراءات رقابية حازمة بحق مصارف عاملة لديها شملت فرض غرامات وعقوبات تنظيمية وإدارية، معتبراً أن هذا هو الدور المعياري والرقابي الطبيعي للبنوك المركزية.
وأوضح أنه من منظور الحوكمة والرقابة المصرفية، فإن تشديد الرقابة على معاملات النقد الأجنبي يعد أمراً طبيعياً وضرورياً، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة التي يمر بها السودان، وما يشهده سوق الصرف من اضطرابات حادة.
وأشار إلى أن البنك المركزي مطالب بالتدخل بشتى الوسائل المتاحة في مثل هذه الظروف لاستعادة الاستقرار الاقتصادي، مستدركاً بأن فعالية هذه الإجراءات تعتمد بالدرجة الأولى على وضوح المخالفات المنسوبة إلى المصارف أو الأفراد، وعلى اتباع الإجراءات القانونية السليمة قبل توقيع العقوبة.
وخلص إلى أن المصارف المعنية يجب أن تُمنح حق الرد والدفاع عن نفسها بالكامل، وإذا رأت أن الإجراءات المتخذة بحقها غير قانونية أو جائرة، فمن حقها التظلم إدارياً أمام بنك السودان أو اللجوء إلى القضاء والجهات الأعلى المختصة للطعن في تلك القرارات. وأكد في ختام حديثه أن الجزاءات يجب أن تتناسب طردياً مع حجم وطبيعة المخالفة المرتكبة، مشدداً على أن تحقيق التوازن بين الصرامة الرقابية وضمانات العدالة هو السبيل الوحيد لتعزيز الثقة في النظام المصرفي ككل.


and then