أطباء بلا حدود: تسجيل 3396 حالة عنف جنسي في شمال وجنوب دارفور خلال نحو عامين
غلاف نقرير أطباء بلا حدود عن العنف الجنسي في دارفور -مارس 2026-أطباء بلا حدود
أمستردام: 31 مارس 2026: راديو دبنقا
كشفت منظمة أطباء بلا حدود عن تسجيل أكثر من 3396 ناجيًا من العنف الجنسي بين يناير 2024 ونوفمبر 2025، للحصول على الرعاية في المرافق الصحية التي تدعمها منظمة أطباء بلا حدود في شمال وجنوب دارفور، 97% منهم من النساء والفتيات.
وأوضحت المنظمة في تقرير أصدرته اليوم بعنوان: “هناك شيء أريد أن أخبرك به… النجاة من أزمة العنف الجنسي في دارفور”، أن غالبية الجناة مسلحون (غير مدنيين)؛ حيث أفاد أكثر من 95% من الناجين في شمال دارفور بتعرضهم للاعتداء من قبل أشخاص مسلحين. وفي جنوب دارفور، أفاد 68% بالأمر نفسه. كما حدد الناجون في جنوب دارفور جناة آخرين، بمن فيهم مدنيون (24%)، وشركاء حميمون أو أفراد من نفس الأسرة (15.3%)، وجماعات إجرامية (2.5%).
وكشف التقرير عن تجارب مروعة للناجيات من العنف الجنسي في دارفور، حيث يروين معاناتهن في ظل النزاع المستمر. وتسلط الشهادات الضوء على حجم الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والفتيات، بما في ذلك الاغتصاب، والاستغلال، والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
وأشار التقرير إلى أن الاعتداءات وقعت من قبل عدة جناة؛ ففي جنوب دارفور، تعرض 1395 ناجيًا (59.8%) للاعتداء من قبل أكثر من جانٍ واحد خلال الهجوم نفسه. وكانت نسبة كبيرة من الناجين من الأطفال.
وتشير التقارير إلى أن العديد من الناجيات لا يحصلن على الدعم الكافي، سواء من حيث الرعاية الصحية أو النفسية، كما يواجهن وصمة اجتماعية تمنعهن من التحدث عما تعرضن له أو طلب المساعدة. في جنوب دارفور، كان 20% من الناجين دون سن 18 عامًا، بمن فيهم 41 طفلاً دون سن الخامسة. وفي طويلة بشمال دارفور، كان 27% من الناجين الذين تمت رؤيتهم في سبتمبر وأكتوبر 2025 دون سن 18 عامًا.
أثناء الأنشطة اليومية
وأشار التقرير إلى وقوع العديد من الهجمات أثناء الأنشطة اليومية، ففي جنوب دارفور تعرض 522 ناجيًا (22%) للاعتداء أثناء جمع الحطب أو الماء أو البحث عن الطعام، وتعرض 803 ناجين (34%) للاعتداء أثناء العمل في الحقول أو السفر إلى الأراضي الزراعية.
وتحكي ناجية أخرى أنها تعرضت للاعتداء أثناء جمع الحطب خارج المخيم، وهو نشاط تقوم به العديد من النساء يوميًا لتوفير الوقود لأسرهن. وتشير إلى أن المعتدين استغلوا غياب الحماية الأمنية في تلك المناطق.
عنف أثناء النزوح
ونبه التقرير إلى أن العنف الجنسي وقع أثناء النزوح وبعد الفظائع الجماعية، ففي شمال دارفور، تعرض أكثر من 90% من الناجين للاعتداء أثناء سفرهم على الطرق بين الفاشر وزمزم وأبو شوك، الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، باتجاه الأمان في طويلة. وفي الأسبوعين التاليين لسيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025، قدمت منظمة أطباء بلا حدود الدعم لـ 30 ناجيًا من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي في طويلة.
وتروي إحدى الناجيات أنها تعرضت للاعتداء أثناء فرارها من قريتها بعد هجوم مسلح، حيث تم فصلها عن أفراد أسرتها واقتيادها إلى منطقة نائية، وتعرضت هناك لاعتداءات متكررة من عدة أشخاص. وتقول إنها شعرت بالخوف الشديد والعجز، ولم تجد أي وسيلة للدفاع عن نفسها.
وتوضح الشهادات أن كثيرًا من النساء يفضلن الصمت بعد تعرضهن للعنف، خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو الانتقام، مما يجعل هذه الجرائم غير موثقة بشكل كافٍ. كما تؤكد التقارير أن الخدمات الصحية المتاحة في المخيمات والمناطق المتأثرة بالنزاع تعاني من نقص حاد في الموارد، بما في ذلك الأدوية والكوادر الطبية المدربة للتعامل مع حالات العنف الجنسي. وتشير إلى أن الدعم النفسي والاجتماعي يكاد يكون منعدمًا في كثير من الحالات، رغم الحاجة الماسة إليه لمساعدة الناجيات على التعافي وإعادة الاندماج في المجتمع.
العنف الجنسي سمة متفشية
وتقول فيكي هوكينز، المديرة العامة لمنظمة أطباء بلا حدود في هولندا ومركز العمليات بأمستردام، إن العنف الجنسي أصبح سمة متفشية ومميزة للصراع، بينما يستمر حتى خارج خطوط المواجهة النشطة. لقد خيضت هذه الحرب، بطرق عديدة، على حساب النساء والفتيات، كما أن النزوح، وانهيار شبكات الدعم المجتمعي، وانعدام فرص الحصول على الرعاية الصحية، وعدم المساواة الجندرية المتجذرة؛ تساهم في انتشار هذه الانتهاكات في جميع أنحاء السودان.
وأوضحت أن هذا التقرير يستند إلى بيانات طبية وشهادات ناجين جمعتها منظمة أطباء بلا حدود في شمال وجنوب دارفور بين عامي 2024 و2025، مبينة أنه ليس سوى لمحة سريعة عن العنف الجنسي المرتكب في هذا النزاع.
وأكدت أن العنف الجنسي قد ارتكبته جميع الأطراف المتحاربة في النزاع. لكن في دارفور، يكمن استمراره في عقود من الصراع والفشل المتكرر في حماية المدنيين ومحاسبة الجناة. ويُعتبر سقوط الفاشر في أكتوبر 2025 أحد أكثر فصول هذا الصراع صدمة، حيث كشف عن أبشع أنواع الوحشية. وقد وصفت النساء والفتيات اللواتي تمكنّ من الفرار من المدينة في هذا التقرير أفظع المحن التي لا ينبغي لأحد أن يتحملها.
لا حماية
وأوضح التقرير أنه غالبًا ما يُجبر الناجون من العنف الجنسي على تحمل عبء صدماتهم الهائلة في صمت وعزلة، في بيئة لا توفر سوى القليل من الحماية، والقليل جدًا من المساءلة. برزت روايات العنف الجنسي في دارفور بشكل أوضح خلال لحظات القتال العنيف، وغالبًا ما يكون ذلك على أسس عرقية كشكل من أشكال العقاب الجماعي، كجزء من نمط أوسع من الفظائع المرتكبة ضد المدنيين. ولكن في ظل الصراع الطويل، تستمر النساء والفتيات في مواجهة العنف الجنسي كواقع روتيني لا مفر منه حتى بعد انحسار القتال: في الطرقات، والأسواق، والحقول، ومنازلهن، وأثناء النزوح. هذا الاستمرار يعكس بيئة تشكلت بفعل سنوات من الصراع، مع تجذر عدم المساواة بين الجنسين في النظام، مما عزز الإفلات من العقاب بين الجناة الذين يتصرفون دون خوف من العواقب.
ونبهت المنظمة إلى أن هناك مبادرات قليلة للغاية لحماية الناجين، ودعم تعافيهم، أو منع المزيد من الانتهاكات. لقد فشل النظام الإنساني بشكل جوهري في الاستجابة لاحتياجات الناجين أو تلبيتها. وقد مارس الجناة المسلحون غير المدنيين الانتهاكات، بينما تُرك الناجون دون حماية أو عدالة أو دعم حقيقي.
وسيلة لترهيب المجتمعات
يشير التقرير إلى أن العنف الجنسي في دارفور ليس مجرد حوادث فردية معزولة، بل يُستخدم في كثير من الأحيان كوسيلة لترهيب المجتمعات المحلية وإخضاعها. ويوضح أن هذا النمط من الانتهاكات يندرج ضمن سياق أوسع من العنف المرتبط بالنزاع.
ويلفت التقرير إلى أن الفتيات القاصرات يتعرضن أيضًا لهذه الانتهاكات، مما يترك آثارًا نفسية وجسدية عميقة قد تستمر مدى الحياة، ويؤثر على فرصهن في التعليم والحياة الطبيعية. وتواجه الناجيات صعوبات كبيرة في الوصول إلى العدالة، حيث تعيقهن عدة عوامل، من بينها ضعف المؤسسات القانونية، والخوف من الانتقام، ونقص الوعي بالحقوق.
كما تبرز مشكلة الزواج القسري أو المبكر كأحد التداعيات غير المباشرة للعنف، حيث تلجأ بعض الأسر إلى تزويج بناتهن في سن مبكرة كوسيلة للحماية، مما يفاقم من معاناة الفتيات.
توصيات
ودعا التقرير إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز الحماية للنساء والفتيات، بما في ذلك توفير الأمن في محيط المخيمات، وضمان وصولهن إلى الخدمات الأساسية، وتحسين آليات الإبلاغ عن الانتهاكات. ويؤكد التقرير على أهمية تعزيز جهود المساءلة ومحاسبة مرتكبي جرائم العنف الجنسي، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة للناجيات ومنع تكرار هذه الانتهاكات.
كما يشدد على ضرورة دعم المنظمات المحلية والدولية العاملة في مجال حماية النساء، وتوفير التمويل الكافي للبرامج التي تستهدف تقديم الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية للناجيات. ويدعو إلى إشراك المجتمعات المحلية في جهود التوعية، من أجل الحد من الوصمة المرتبطة بالعنف الجنسي، وتشجيع الناجيات على الإبلاغ وطلب الدعم دون خوف.
وتبرز الحاجة إلى استجابة إنسانية شاملة تأخذ في الاعتبار خصوصية النساء والفتيات، وتضمن توفير بيئة آمنة تحفظ كرامتهن وحقوقهن.
وفي الختام، يؤكد التقرير أن معالجة أزمة العنف الجنسي في دارفور تتطلب التزامًا جادًا من جميع الأطراف، بما في ذلك الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، للعمل بشكل مشترك من أجل حماية النساء والفتيات وضمان حقوقهن الأساسية.


and then