تحذيرات من تفاقم الوضع الإنساني جراء الهجوم على “مستريحة” وإغلاق الحدود التشادية
السلطات التشادية تعلن إغلاق الحدود بين تشاد والسودان حتى إشعار آخر- خرائط قوقل
امستردام: الخميس 26/ فبراير/2026م: راديو دبنقا
تتفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية في دارفور على رأس كل ساعة جراء التصعيد العسكري المتواصل، بين قوات الدعم السريع من جهة والجيش السوداني والقوة المشتركة المساندة له من جهة أخرى.
وخلال اليومين الماضيين شكل حدثين هامين في مسيرة تحولات كبيرة على مجريات الحرب أولهما قرار السلطات التشادية إغلاق حدودها مع السودان، جراء تمدد الاشتباكات بين الأطراف المتحاربة من منطقة الطينة السودانية، إلى داخل الأراضي التشادية ما أدى إلى مقتل خمسة جنود من قوات الجيش التشادي.
وأعلنت حكومة تشاد في بيان رسمي أن الحدود ستظل مغلقة حتى إشعار آخر، مشيرة إلى التوغل والانتهاكات المتكررة التي ارتكبتها القوات المتقاتلة في الصراع السوداني، مشيرةً إلى أنها ستغلق نقطة أدري الرئيسية مع غرب دارفور، لمنع الجماعات المسلحة السودانية من العبور إلى تشاد.
مستريحة كانت آمنة:
بينما الحدث الثاني تمثل في هجوم قوات الدعم السريع “المباغت” على بلدة مستريحة معقل قبيلة المحاميد ودامرة الشيخ موسى هلال رئيس ومؤسس مجلس الصحوة الثوري، والذي يشكل تحولاً جديداً في طبيعة الصراع وخارطة نفوذ الدعم السريع في دارفور، برغم مرور 3 أعوام من الحرب دون استهدافها لموسى الهلال الذي انحاز إلى الجيش السوداني فضلاً عن العداء بينه وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو.
وأشار مجلس الصحوة في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا”: تعرض منطقة مستريحة مساء الإثنين، لقصف مكثف بمسيرات مليشيا الدعم السريع”. وأكد البيان نجاة هلال الذي وصل إلى الدبة بالولاية الشمالية من الاستهداف، بينما قضى أحد أبنائه وأصيب الآخر. فيما استهدف القصف مستشفى المنطقة، بجانب مقر ضيافة هلال، ومنازل المواطنين.
من جانبه عبر مفوض العون السابق لولاية الخرطوم مصطفى آدم عن أسفه للهجوم الذي شنته قوات الدعم على منطقة مستريحة معقل قبيلة المحاميد والشيخ موسى هلال ومقتل أحد أبنائه، ويرى أنه من شأنه أن يعقد الوضع الإنساني في داروفور وتوقع أن ينتج حركة نزوح كبيرة جداً، ما يعقد من الوضع الإنساني.
وتوقع آدم في حديثه لـ”راديو دبنقا” أن تتفاقم الأوضاع الإنسانية جراء الهجوم على مستريحة في ظل التعقيدات التي يشهدها إقليم دارفور جراء إغلاق الحدود السودانية التشادية، ويرى أن هذا الأمر يحتاج إلى آليات مختلفة في كيفية التعامل مع الوضع الإنساني الذي صار أكثر تعقيداً وانتشار وتمدد الحرب للمناطق الآمنة.
ويؤكد بأن منطقة مستريحة كانت تعتبر من المناطق الآمنة ويقول إنَّ الشيخ موسى هلال لم يعتدي على أحد إذ ظل باقياً في معقله في منطقة مستريحة، والتي يرى أنه كان يمكن الحفاظ على أمنها وسلميتها ويمكن أن تكون معسكر نزوح لكنها الآن نزحت بفضل هذا الهجوم من قبل الدعم السريع وأصبحت جزء كبير من الأزمة الموجودة حالياً.
تأثيرات إغلاق المعبر:
وفي سياق ذي صلة حذر مفوض العون الإنساني السابق بولاية الخرطوم مصطفى آدم من أن إغلاق السلطات التشادية معبر أدري الشرقي في الحدود التشادية السودانية، لديه آثاراً إنسانية واقتصادية وأمنية سالبة.
ويرى آدم أن إغلاق معبر أدري يعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى النازحين والمتأثرين بالحرب في دارفور، ويشير إلى أن هذا المعبر ظل لفترة طويلة منفذاً رئيسياً لإدخال الإمدادات الإنسانية.
ويعتقد أن للمعبر أهمية في الجانب الاقتصادي إذ يشكل ممراً لحركة التجارة الحدودية وتبادل السلع وغيرها من الاحتياجات الضرورية المطلوبة بين الجانبين هنا وهناك. ويقول إنَّ إغلاق المعبر الحدودي ينعكس سلباً على انسياب المواد الغذائية والدوائية.
ويقول آدم أن هذ الأمر ستسبب في ارتفاع أسعار السلع الغذائية الضرورية، في ظل أوضاع معيشية صعبة أصلاً، حيث لا يوجد مصدر دخل ثابت أو موارد مستقرة للإنسان الموجود في تلك المناطق، والذي يعاني أصلا من حركة النزوح.
الطبيعة الإنسانية:

ويشير الخبير في العمل الإنساني مصطفى آدم إلى أن إغلاق معبر أدري يمتد تأثيره أيضاً إلى حركة الأفراد والتواصل بين اللاجئين في المعسكرات، ويسهم في الحفاظ على الروابط الأسرية وتبادل المنافع والعلاقات الحميمية التي تمثل جزءاً من الطبيعة الاجتماعية للإنسان السوداني عموماً، والدارفوري على وجه الخصوص.
ويشير إلى أن الدول يجب أن تلتزم بالقانون الدولي الإنساني ويقول في حال نظرنا إلى العمل العسكري وحماية المدنيين، فإنّ لديهم حق قانوني وإنساني ومن حقهم أن يتمتعوا بالحماية، لكنه يرى أن هذه الشروط غائبة تماماً وغير متوفرة بل أن المدنيين يتعرضون لانتهاكات كبيرة جداً.
ولفت إلى القوات التشادية نفسها تجرعت من “السم الذي صنعته أو أسهمت فيه”، في إشارة إلى دعمها واستضافتها لقوت الدعم السريع، لكنه يقول بأنها هي أيضاً دفعت الثمن بأن لديها جنوداً لقوا حتفهم وهي تحاول أن تشكل لهم نوع من الحماية وليس المدنيين.
تعزيزات عسكرية:
من جهته قلل خبير عسكري، من قرار السلطات التشادية بإغلاق الحدود مع السودان، مشيراً إلى أنها حدثت عدة مرات ولن تستمر عملية الإغلاق لفترة طويلة، مؤكداً إرسال الحكومة تعزيزات عسكرية إلى الشريط الحدودي لتهدئة الأوضاع ومنع وقوع أي اشتباكات بين الأطراف المتقاتلة.
ويقول الخبير العسكري في حديثه لـ”راديو دبنقا” إن المعارك بين الجيش السوداني وتسانده القوة المشتركة للحركات المسلحة ضد قوات الدعم السريع، تمددت إلى داخل تشاد، موضحاً أن القوة المشتركة اضطرت للاشتباك من داخل الأراضي التشادية وردت لها قوات الدعم السريع، ما أثر سلباً على القوة التشادية الموجودة على الحدود، مشيراً إلى أن الحدود يفصل بينهما وادي صغير.
وفي ما يتعلق بإمكانية إحكام إغلاق الحدود، يرى الخبير العسكري استحالة ضبطها لمنع تدفق السلاح أو الامداد العسكري، في ظل التداخل القبلي، سواء في مناطق الطينة أو أدري أو غيرها من النقاط الحدودية، موضحاً أن الحدود بين السودان وتشاد، وكذلك مع ليبيا أوأفريقيا الوسطى، طويلة جدا وتمتد على مساحات واسعة ووعرة كذلك.
وأوضح أن السيطرة كانت في السابق عادة ما تتركز في نقاط محددة بالاتصال عبر أجهزة اللاسلكي في منطقة مثل منطقة الطينة، كلبس، مع وجود تنسيق أمني بين الجانبين للإبلاغ عن أي تحركات غير اعتيادية في اتجاه دارفور أو في الاتجاه المعاكس نحو تشاد، غير أنه يرى صعوبة نشر قوات على طول الشريط الحدودي بالكامل في ظل الطبيعة الجبلية الوعرة.
الحل في الاتفاق:
ويقول المصدر العسكري إن الحل العملي يتمثل في التوصل إلى اتفاقات وتفاهمات بين الدول المعنية، تقوم على التزام متبادل بعدم دعم أو مساندة أي حركات مسلحة تنشط في المنطقة.
ولفت إلى أن هذه المناطق تشهد عمليات تهريب واسعة، حيث يعتمد بعض السكان المحليين على التهريب كمصدر رزق، سواء لتهريب المركبات أو غيرها عبر الدواب والعربات، ما يجعل معرفة المسارات الصحراوية والطرق الوعرة أمراً متاحاً لديهم، ويزيد من صعوبة منع حركة العبور غير النظامي أو تهريب الأسلحة. ويضيف بأن الحدود مفتوحة ومكشوفة في أجزاء واسعة.
ويشير الخبير العسكري إلى وجود مهابط طيران ترابية منتشرة على امتداد الحدود السودانية التشادية. ويؤكد أنها توجد في عدد من المناطق، من بينها أبو جبرة، والجزء الشمالي، مروراً بالنخيل في العطرون وغيرها، وهي مناطق يمكن أن تهبط فيها طائرات خفيفة أو تُستخدم في عمليات إمداد جوي.
ويؤكد أن مسألة إغلاق الحدود لا يمكن أن تتم عملياً إلا عبر اتفاقات وتفاهمات دولية واضحة بين الدول المعنية، تقوم على سياسات حسن الجوار والتنسيق المشترك، لافتاً إلى أن التداخل الاجتماعي والقبلي بين السودان وتشاد كان يمكن أن يشكل عامل استقرار لو أُدير بصورة فعالة.
ويقول الخبير العسكري: إذا كانت إدارة شؤون القبائل الحدودية، جيدة ومنظمة، كان من الممكن أن تسهم في الحد من التوترات، باعتبار أن المجتمعات المحلية على جانبي الحدود تربطها علاقات ممتدة، وكان يمكن توظيف هذا التداخل إيجابياً بدلاً من أن يتحول إلى منطقة صراع حدودي.
توازنات خطيرة:
ويستبعد الخبير العسكري أي تدخل عسكري مباشر من قبل تشاد في الشأن السوداني رغم أنها متهمة بدعمها لقوات الدعم السريع، ورغم الاشتباكات التي وقعت بين القوتين إلا أنه لايمكن أن تنقلب تشاد ضد الدعم السريع وتدخل معها في معارك، عازياً ذلك لطبيعة الموازنات الداخلية والتركيبة القبلية داخل الدولة التشادية نفسها.
ولفت إلى أن هناك موازنات خطيرة جداً يجب أخذها في الاعتبار، موضحًا أن معظم القيادات العسكرية ونسبة كبيرة من أفراد الجيش التشادي تنتمي إلى القبائل العربية، لا سيما قبائل المحاميد والمهرية وبعض المكونات المرتبطة بالزغاوة “البديات” التي ينتمي إليها الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي.
ويضيف بأن القبائل الأخرى تنتشر في مؤسسات مثل الشرطة وغيرها، ما يجعل حدوث توترات بين الدعم السريع والجيش التشادي أمر مستحيل. نتيجة للترابط اجتماعيًا وقبليًا بامتدادات داخل هذه المكونات معتبراً أن أي توتر من شأنه أن يحدث خلل كبير وربكة شديدة وقد تنتقل من الحدود وتمتد إلى داخل تشاد.
امتداد جغرافي:
ولفت الخبير العسكري في حديثه لـ”راديو دبنقا” إلى أن القبائل العربية في دارفور تمتد جغرافيًا واجتماعيًا عبر حدود عدة دول، من تشاد إلى النيجر ومالي وليبيا وحتى مناطق أبعد من ذلك، مؤكدًا أن هذه الامتدادات تجعل أي مواجهة ذات طابع قبلي قابلة للتوسع إقليميًا. ويعتقد بأن هؤلاء يمكن أن يحاصروا النظام التشادي نفسه لكثرتهم العددية.
وأوضح أن دخول تشاد في حرب مباشرة ضد الدعم السريع سيُنظر إليه – في إطار الخطاب المحلي – باعتباره صراعًا قبليًا أكثر منه كونخ مواجهة بين دولتين أو بين جيشين نظاميين، إذ أن السردية المتداولة في الميدان غالبًا ما تُختزل في صراع بين “العرب” و”الزغاوة”، وليس بين قوات نظامية وأخرى متمردة.
ويضيف الخبير العسكري بأن هذا الطابع القبلي هو ما يزيد خطورة الموقف، لأن الاصطفافات قد تتجاوز الانضباط المؤسسي داخل الجيوش إلى الولاءات الاجتماعية والقبلية.
ويؤكد أن أي تصعيد واسع النطاق ستكون له تداعيات مباشرة على الاستقرار الداخلي في تشاد، خاصة إذا شعرت المكونات العربية هناك بأن أبناءها يتعرضون للاستهداف في السودان، أو العكس، ما قد يدفع إلى ردود أفعال داخلية يصعب احتواؤها.
ويقول الخبير العسكري أن هشاشة المنطقة ناتجة في الأساس عن التركيبة القبلية المتداخلة، وأن الحرب الحالية – في خطابها الشعبي – تُقدَّم باعتبارها صراعًا قبليًا، الأمر الذي يعمّق الاستقطاب.
وحذر الخبير العسكري في ختام حديثه من أن اتساع رقعة الحرب يمكن أن تشمل مواجهة مباشرة بين دول الإقليم، مشيراً إلى أن تحولها إلى حرب ذات طابع قبلي عابر للحدود، ما يجعل الموقف التشادي “حرجًا للغاية” ويتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة وضبط النفس.


and then