العدالة الاجتماعية في ظل الحرب في السودان: تحييد التعليم وإعادة احياء الطبقة الوسطى
اسر تزحت من الفاشر الى طويلة : مصدر الصورة : اللجنة الدولية للصليب الاحمر
أمستردام:26 فبراير 2026:راديو دبنقا
صادف الأسبوع الماضي اليوم العالمي الذي حددته الأمم المتحدة للعدالة الاجتماعية والتنمية الاجتماعية. في ظروف الحرب الحالية التي يعيشها السودان والتي تعود جذورها الى اختلال ميزان العدالة الاجتماعية طوال عقود منذ استقلال السودان، في هذه الظروف يختل ميزان العدالة الاجتماعية وتختفي تقريبا الطبقة الوسطى بكاملها.
هذا ما قاله الخبير الاقتصادي دكتور عبدالحليم تيمان لراديو دبنقا ضمن هذا الملف الذي يشمل الجانب العدلي والتعليمي والاجتماعي.
يقول تيمان انه منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 ابريل 2023 شهدت البلاد تحولات عميقة اثرت بشكل مباشر على بنية المجتمع والاقتصاد وادت الى تزايد معدلات الفقر وذلك بسبب تعطل طرق التجارة والتبادل بين الولايات وتأثر انسياب الصادر وانهيار الخريطة الإنتاجية في معظم مناطق البلاد.
كذلك هجر المزارعون مزارعهم التقليدية في الولايات البعيدة التي تعتمد على الزراعة المطرية. كما شمل الدمار مناطق الزراعة المروية خاصة في السنة الأولى التي فت فيها مساحات الزراعة المروية لانعدام الوقود بسبب الحرب وبالتالي أدت الى فقدان عدد كبير من السودانيين مصادر دخلهم، ليس المزارعون وحدهم وانما شمل الامر قطاعات أخرى مثل الحرفيين وعمال اليومية والتجار وسائقي المركبات. كما ساهمت الحرب في التضخم مع توقف الرواتب حيث فقد الجنية السوداني 85 بالمائة من قيمته منذ اندلاع الحرب, وأدى كل ذلك الى انخفاض مستوى المعيشة وزيادة معدلات الفقر.
تضرر قطاعات التعليم
ويقول الخبير الاقتصادي عبدالحليم تيمان لراديو دبنقا ان قطاعات التعليم والصحة تضررت هي الأخرى كثيرا في مناطق واسعة من السودان ولكن الأثر الأكبر حدث في المناطق الريفية البعيدة. هذا الوضع أدى الى عدم تكافؤ الفرص في الحصول على الخدمات مثل الصحة والعليم وبقية الخدمات الأخرى.
وهناك أيضا غياب امدادات الدواء للمناطق البعيدة عنن المركز خاصة في غرب البلاد والمناطق التي تقع تحت سيطرة الدعم السريع حيث حرم المواطن من الدواء وبالأخص أدوية الامومة والطفولة وامصال التطعيم ما يهدد بعودة امراض خطيرة مثل شلل الأطفال. وكذلك انعدمت ادوية الامراض المزمنة وتوقفت مراكز غسيل الكلى. كذلك يعاني أصحاب الامراض المزمنة مثل السكري وامراض القلب من غياب الرعاية الصحية الضرورية .
زيادة البطالة
من ناحية أخرى كذلك تسببت الحرب في زيادة البطالة خاصة بين الشباب وبالأخص بعد تعطل الدراسة في مناطق واسعة من السودان وبخاصة في غرب السودان حيث قلت فرص الجلوس لامتحانات الشهادة الابتدائية والمتوسطة والثانوية. هذا الواقع يعمق بدوره الشعور بعدم المساواة ويدفع الشباب في اتجاه التجنيد لصالح الأطراف المتحاربة من دعم سريع وحركات مسلحة والجيش، الامر الذي يساهم في فرص استمرار الحرب.
ويضيف تيمان في حديثه لدبنقا إن من افرازات الحرب استفادة فئة محدودة من أنشطة المضاربة واحتكار السلع وعمليات الاستيراد والعطاءات، وكذلك ظهور تجار الأسلحة. يحدث كل ذلك في ظل ضعف المؤسسات الرسمية الامر الذي ساهم في زيادة وانتشار الفساد والمحسوبية وظهور اقتصاد الظل كما هو ظاهر للجميع. اضف لذلك غياب العدالة الامر الذي يعمق الشعور بعدم المساواة.
وأشار الى ان الواقع في السودان اليوم يكشف عن وجود مناطق حضرية فيها خدمات البنوك والجامعات والمدارس والخدمات الطبية، وأيضا فرص تدفق المساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية وخدمات الاتصالات ومختلف أنواع الخدمات.
في الجانب الاخر هناك مناطق نائية بأطراف البلاد وبخاصة في غرب البلاد تعاني من غياب كل ما ذكر من الخدمات المتوفرة في المناطق الحضرية، كأنما الحصول على هذه الخدمات بات مرتبطا بالقدرة المالية أو الموقع الجغرافي، ما أخل بمبدأ المساواة في الوصول الى الخدمات والتمتع بالحقوق الأساسية للمواطن وهذا امر خطير يجب الانتباه اليه، فمن ناحية سيسمر الاختلال بين طبقة صغيرة ثرية مستفيدة من الحرب مقابل طبقة واسعة فقيرة، ويزداد هذا الاختلال يوما بعد يوم.
جرف الطبقة الوسطى
ويوضح الدكتور عبدالحليم تيمان أن الواقع يجرف كل يوم قطاعات من الطبقة الوسطى الى قطاع الطبقة الفقيرة وهذا بحسب رأيه اخطر اشكال غياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية. خطورة الامر لانه سيضعف الاستقرار طويل المدى وسيجعل من عملية إعادة الاعمار اصعب.
ويضيف ان الحرب اعادت تشكيل توزيع الثروة والفرص ووسعت الفجوة بين الفئات والمناطق واضعفت مؤسسات الدولة التي تعد الضامن الأساس لمبدأ تكافؤ الفرص
وانزلاق شرائح واسعة من الطبقة الوسطى الى الفقر يحدث تحولا حادا في التركيبة الاجتماعية، كما ان الطبقة الوسطى هي الجسر الرابط ما بين الطبقة الغنية والفقيرة، والسودان كان يتميز بوجود طبقة وسطى قوية تدير الاقتصاد وتساهم فيه وفي دفع عجلة الإنتاج، وغياب هذه الطبقة او انجرافها سيؤثر على الاستقرار طويل المدى.
إضافة لذلك تسببت الحرب في موجات نزوح داخلي واسع لان كثير من المناطق خاصة مثل الفاشر اتجه سكانها الى المدن البعيدة مثل الدبة وبعضهم الى مناطق طويلة وبعضهم الى خارج البلاد في معسكرات اللجوء. كما ان قطاعات كبيرة من سكان كردفان أيضا نزحوا الى النيل الأبيض والى المدن الكبيرة مثل كوستي والخرطوم وام درمان. هذه الموجات من النزوح خلقت ضغطا على المدن والمجتمعات المستقبلية مثل بورتسودان وعطبرة. في هذه الظروف يظل النازحون هم الأكثر عرضة للفقر والبطالة ولذلك يجب على الدولة الانتباه لمثل هذه التطورات.
الحرب عموما أدت الى زيادة الفقر واتساع الفجوة الاجتماعية وتراجع العدالة الاقتصادية وهذا يتطلب معالجة لهذا الاختلال ووقف الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد والمحسوبية واطلاق سياسات تنموية تعيد احياء الطبقة الوسطى وتضمن توزيعا اكثر عدلا للفرص الاقتصادية والخدمات.
مشروع الجزيرة والكنابي فقر وبطالة:
من ناحية قانونية وحقوقية تحدثت لراديو دبنقا المحامية والناشطة الحقوقية الأستاذة نون كشكوش التي اشارت الى اختلال ميزان العدالة الاجتماعية في ولاية الجزيرة وخاصة في شرقها حيث استهدف الدعم السريع هذه المناطق باعتبارها حواضن لابوعاقلة كيكل، في الوقت الذي استهدف فيه الجيش مناطق الكنابي بفرضية انها حواضن اجتماعية للدعم السريع واصولها من دارفور.
وأشارت نون كشكوش انه على مدى تاريخ مشروع الجزيرة منذ قيامه كان المواطنون يتعايشون بشكل سلمي بدون أي تمييز عرقي. ولكن الحرب الحالية اخلت بميزان العدالة الاجتماعية بازدياد نسبة الفقر والبطالة، كما ان اغلب أراضي مشروع الجزيرة حاليا هي خارج الإنتاج لان اغلب الأراضي الزراعية حاليا لا تتوفر فيها مدخلات الإنتاج. الطلمبات متوقفة، لا توجد مياه ري والدولة ليس لديها القدرة على توفيرها، وهذه التزامات يجب ان تقوم بها الدولة بموجب العهد الدولي المعني بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
ضرورة تحييد التعليم وابعاده من الصراع:
في معرض حديثه عن العدالة الاجتماعية من منظور تعليمي وتربوي يقول الأستاذ سامي الباقر المتحدث باسم لجنة المعلمين بأن التعليم في السودان يمر بمنعطف خطير بسبب الكثير من المشاكل المتعلقة بشمول التعليم وجودته وكذلك بعدالة التعليم.
ويضيف الأستاذ سامي الباقر بأنه ومنذ بداية الحرب توقفت العملية التعليمية في مناطق الصراع ومناطق سيطرة الدعم السريع، ونسبة لأن المساحات الجغرافية التي شملتها الحرب واسعة جدا بالتالي حرم عدد كبير جدا من الطلاب من مواصلة تعليمهم.
اما المناطق التي يسيطر عليها الجيش فتعاني من مشاكل تتعلق بجودة التعليم وتسرب الطلاب والتلاميذ بسبب الرسوم الباهظة في وقت رفعت فيه الدولة يدها عن التعليم تماما. اضف لذلك معينات العملية التعليمية من كتاب واجلاس وغيره. إضافة للمشاكل الاقتصادية التي يعاني منها المواطن في ظل الحرب.
وأشار الأستاذ سامي الباقر في حديثه لمسألة تراكم الدفعات خلال سنوات الحرب الماضية من اجل الدخول للمدرسة، وأضاف انه يتوقع ان يتراوح العدد بين ثلاثة ملايين الى أربعة ملايين طفل استحقوا سن الدخول للمدرسة ولم تتوفر لهم الفرصة. إضافة للتلاميذ الذين توقفت دراستهم من الصف الأول والثاني الذين يحتاجون الرجوع من البداية حتى يتمكنوا من استيعاب المادة الدراسية التي انقطعوا عنها طويلا.
إشكالية امتحانات الشهادة
وأشار الباقر الى معاناة طلاب المرحلة الثانوية من عدم الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية حيث تتحدث التقارير عن 200 الف طالب في دارفور وحدها، اضف لذلك نصف هذا العدد في كردفان، واعداد كبيرة أخرى في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.
وأكد ان مثل هذه المشاكل لا يمكن حلها من منظور احادي سواء من قبل حكومة بورتسودان او حكومة الامر الواقع الموجودة في نيالا. فهذه المشكلات تحتاج الى تصور ينطر للمشكلة بأبعادها المختلفة بصورة قومية يتم فيها استبعاد الصراع من حقل التعليم ويوكل امر العملية التعليمية وتنسيقها للجنة اقترحت لجنة المعلمين ان تكون لجنة وطنية تنسق للتعليم. إضافة لتنسيق جهود المنظمات الدولية والإقليمية وحشد الطاقات لمواجهة هذه المشكلات التي يعاني منها التعليم.
وأشار الأستاذ سامي الباقر في حديثه لدبنقا الى أن ما تطرحه الحكومة في بورتسودان فيه اقصاء كبير جدا وفيه عدم نظرة مسئولة للمشاكل التي تتعلق بالتعليم، مؤكدا اننا بحاجة الى نظرة مختلفة محايدة تنظر لمصلحة التعلم وتحيد هذا التعليم وتبعده من الصراع الجاري الان. وقال بأنه يأمل ان يجد هذا المقترح من لجنة المعلمين الاستجابة من كل الأطراف ومن منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية والإقليمية والمجتمع الإقليمي والدولي وتطوير هذا المقترح ليكون اكثر شمولا وفعالية.


and then