محللون: زيارة الوفد البريطاني إلى السودان تمثل «اعترافًا واقعيًا» بالحكومة الحالية

البرهان يستقبل وفدا بريطانيا- يناير 2026-إعلام مجلس السيادة

البرهان يستقبل وفدا بريطانيا- يناير 2026-إعلام مجلس السيادة

أمستردام: الأربعاء 4 فبراير 2026م: راديو دبنقا

أثارت زيارة وفد عسكري دبلوماسي بريطاني إلى مدينة بورتسودان، حاضرة ولاية البحر الأحمر، الأسبوع الماضي، ولقاؤه بعدد من المسؤولين، وعلى رأسهم رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وإجراؤه مباحثات امتدت ليومين، كثيرًا من اللغط والتساؤلات من حيث التوقيت، وطبيعة الوفد الأمنية، والملفات التي بحثها الطرفان المعلنة وغير المعلنة، خاصة أن الزيارة جاءت بعد ثلاث سنوات من الحرب، رغم مواقف بريطانيا المتشددة تجاه السودان.

وضم الوفد أربعة من كبار الجنرالات بالجيش البريطاني، برئاسة الأدميرال إدوارد ألغرين، نائب وزير الدفاع وكبير المستشارين العسكريين لدى وزارة الدفاع البريطانية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب الملحق العسكري البريطاني في القاهرة – وهو كبير الضباط العسكريين المنتدبين لدى السفارة البريطانية هناك – إضافة إلى ريتشارد كراودر، المبعوث الخاص للمملكة المتحدة لمنطقة القرن الأفريقي، الذي مثّل الجانب الدبلوماسي البريطاني.

وبحث الوفد عددًا من الملفات الإقليمية والمحلية المهمة، من بينها الهدنة الإنسانية، وحماية المدنيين، ووقف الحرب، وبحث إمكانية تحقيق السلام، فضلًا عن القضايا الإقليمية المتعلقة بالأمن في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، ومصالح بريطانيا في المنطقة.

ذات طابع أمني

من جهته، يقول الخبير الأمني والمحلل الاستراتيجي الفريق د. جلال تاور إن طبيعة الوفد ومناصب أعضائه تشير بوضوح إلى أن الزيارة ذات طابع أمني وعسكري في المقام الأول، أكثر من كونها زيارة سياسية، خاصة أن رئيس الوفد أدميرال برتبة فريق أول في القوات البحرية البريطانية، ويتمتع بخبرات وإمكانات واسعة، كما أن المرافقين له ينتمون إلى دوائر ذات قدرات ورؤى أمنية متقدمة.

ويرى أن هذه الزيارة في هذا التوقيت تحيطها كثير من التساؤلات بشأن أسباب اهتمام بريطانيا بالسودان، مشيرًا إلى أنه على الرغم من الخلفية التاريخية لبريطانيا واستعمارها للسودان خلال فترة الحكم الثنائي، فإن موقفها منذ خروجها من السودان اتسم بالحياد النسبي، إلا أن هذا الموقف يبدو أنه يشهد تحولًا في ظل الظروف الراهنة.

ويقول إن بريطانيا تتولى حاليًا دور «حاملة القلم» في مجلس الأمن الدولي فيما يخص الملف السوداني، مضيفًا أنها أجهضت شكوى السودان ضد الإمارات داخل مجلس الأمن، كما كان لها موقف واضح العام الماضي بمحاولة فرض إدخال قوات أممية إلى السودان دون موافقته، لولا استخدام روسيا حق النقض «الفيتو». كما أشار إلى أن مواقف بريطانيا لم تكن مؤيدة للحكومة السودانية، بل استضافت في فترات سابقة مؤتمرات وتحركات وفعاليات وُصفت بأنها معادية للسودان.

محط اهتمام العالم

وأشار الفريق د. جلال تاور إلى أن بريطانيا تُعد حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة الأمريكية، وتأتي هذه الزيارة في ظل متغيرات كبيرة وواضحة في السياسة الأمريكية تجاه السودان، خاصة بعد ظهور المبادرة السعودية–الأمريكية بشأن الأزمة السودانية.

وأكد أن البحر الأحمر أصبح محط اهتمام عالمي، في أعقاب تطورات أزمة العلاقات السعودية–الإماراتية، ودخول إسرائيل إلى إقليم أرض الصومال «صوماليلاند»، وتصاعد التوترات الأمنية في الخليج بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران والمعسكر الموالي لها، بما في ذلك الصين وروسيا، من جهة أخرى.

ويعتقد الخبير الأمني والاستراتيجي أن هذه المعطيات مجتمعة تمثل دوافع أمنية تجعل السودان، والقرن الأفريقي عمومًا، والبحر الأحمر على وجه الخصوص، محط أنظار القوى العالمية.

وتابع تاور قائلًامن المعروف تاريخيًا أن بريطانيا تُعد سيدة البحار بأسطولها البحري الكبير ذي التحركات الواسعة في هذه المناطق، وإذا اندلعت حرب فإنها تكون مشاركة فيها بصورة أو بأخرى، وكل هذه الدوافع تفسر قدوم هذا الوفد إلى السودان في هذه اللحظات لتأمين مصالحه ومواقفه».

وأضافهذه الخطوة تؤكد اعترافًا ضمنيًا قويًا من بريطانيا بالحكومة السودانية الحالية، والتعاون معها على أساس الندية، من خلال فتح آفاق للتعاون ومناقشة القضايا الأمنية الخطيرة، لا سيما المتعلقة بساحل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل توقعات بتطورات قادمة».

زيارة إيجابية

وحول ربط الزيارة بمناقشة الهدنة الإنسانية، وصف د. جلال تاور الزيارة بأنها إيجابية وفي مصلحة الحكومة السودانية، متوقعًا أن يطرح الجانب البريطاني مطالب تتعلق بفتح المسارات الإنسانية وتسهيل وصول الإغاثة، مشيرًا إلى أن الحكومة السودانية منفتحة تجاه هذه المطالب دون اعتراضات جوهرية.

كما ربط تاور الزيارة بزيارة مدير جهاز المخابرات السوداني، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، إلى الولايات المتحدة مؤخرًا، مؤكدًا أن الزيارة البريطانية تكتسب أهمية خاصة لكونها جاءت عقب تلك الزيارة.

وأوضح أن الموقف الأمريكي بات واضحًا بعدم دعم قوات الدعم السريع، ورفض بقائها كقوة عسكرية، واصفًا إياها بأنها مليشيا ارتكبت انتهاكات جسيمة، خاصة بعد أحداث الفاشر التي أثرت سلبًا على صورتها.

ورجّح أن يكون مفضل قدّم خلال زيارته لواشنطن أدلة ووثائق تتعلق بموقف الحكومة السودانية، وبالدعم الذي تتلقاه قوات الدعم السريع من الإمارات، والمعسكرات والنشاطات في دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان وليبيا وإثيوبيا والصومال.

واعتبر تاور أن هذه المعطيات جعلت بريطانيا تستوعب حقيقة ما يجري في السودان، بعيدًا عن الروايات التي اختزلت الصراع في كونه مجرد خروج عن القانون، مؤكدًا أن الصراع كان جزءًا من لعبة إقليمية كبرى استهدفت تفتيت السودان.

وشدد على أن فكرة تقسيم السودان لم تعد مطروحة، مقابل إجماع دولي متزايد على وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض أي كيانات موازية.

اعتراف واقعي وليس بالشرعية

من جانبه، يرى النائب البرلماني السوداني وعضو مجلس تشريعي مدينة بريستول بالمملكة المتحدة، محمد علاء الدين مكاوي، أن زيارة الوفد العسكري البريطاني تحمل اعترافًا واقعيًا بالحكومة الحالية أكثر من كونها اعترافًا بالشرعية السياسية.

وأوضح في حديثه لـ«راديو دبنقا» أن الجيش السوداني أصبح طرفًا لا يمكن تجاوزه بعد ثلاث سنوات من الحرب، في أي ترتيبات تتعلق بوقف إطلاق النار، أو إيصال المساعدات الإنسانية، أو أمن البحر الأحمر.

واعتبر أن الزيارة جاءت في إطار بحث وقف إطلاق النار، ومعالجة الوضع الإنساني، والتنسيق الأمني، وليس بصيغة اعتراف رسمي بالحكومة القائمة.

ولم يستبعد مكاوي وجود تنسيق أمريكي–بريطاني وثيق بشأن التطورات في السودان، مشيرًا إلى أن بريطانيا لا تتحرك خارج المظلة الأمريكية، وأن تزامن زيارة مدير المخابرات السوداني لواشنطن مع وصول الوفد البريطاني يعكس هذا التنسيق، وإن جاء متأخرًا.

وتطرق مكاوي إلى مخاوف غربية من توسع النفوذ الروسي عبر البحر الأحمر، في ظل أنباء عن موافقة السودان على منح روسيا قاعدة عسكرية في بورتسودان، مرجحًا أن تكون الزيارة جزءًا من محاولة ضبط قنوات الاتصال مع الجيش السوداني في ظل حرب طويلة ومفتوحة.

وقف الدعم العسكري

وأشار مكاوي إلى أن حزب الخضر البريطاني ظل يمارس ضغوطًا متواصلة داخل البرلمان والحكومة البريطانية، سواء في عهد المحافظين أو حكومة العمال الحالية، للدفع نحو إيقاف الحرب، خاصة عبر وقف الدعم العسكري لقوات الدعم السريع.

وأوضح أن هذه الجهود شملت المطالبة بوقف تصدير السلاح إلى الإمارات، والضغط عليها لوقف دعمها العسكري، والدعوة إلى تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية.

وأكد استمرار هذه المساعي بالتنسيق مع منظمات مدنية بريطانية، وبمشاركة فاعلة من الجاليات السودانية، عبر التواصل مع النواب والبرلمانات المحلية، من بينها برلمان مدينة بريستول جنوب غرب المملكة المتحدة.

Welcome

Install
×