من اليمن إلى السودان وسوريا: الصراع يُدار على أجساد النساء

لوحة "البت المشرقة كالشمس تتعرض للاغتصاب" للفنانة التشكيلية: سوزان خلف الله ابوشامة

أمستردام/كمبالا: الأربعاء 4 فبراير 2026راديو دبنقا

في مناطق تتقاطع فيها الحروب مع الانهيار السياسي والقانوني، لم تعد معاناة النساء مجرد أثر جانبي للنزاعات، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من أدوات الصراع وإدارته. فمن السودان إلى اليمن وسوريا، تتكرر أنماط الانتهاكات ذاتها، حيث تُستخدم القوانين، والعسكرة، والخطابات الأخلاقية، لتقييد النساء ومعاقبتهن، وتحويل أجسادهن وحقوقهن إلى ساحات مفتوحة للعنف والترهيب.


وفي ظل هذا الواقع، تتراجع الحماية القانونية، وتتآكل مؤسسات العدالة، بينما تفرض سلطات الأمر الواقع منظوماتها القمعية على المدنيين، وتدفع النساء ثمنًا مضاعفًا بوصفهن الحلقة الأضعف في مجتمعات أنهكتها الحرب، والانقسام، والتدخلات الإقليمية والدولية.


كل ذلك كان في صميم ندوة إسفيرية نظمتها مبادرة لا لقهر النساء، السبت الماضي، جمعت ناشطات وحقوقيات من السودان واليمن وسوريا، لمناقشة مشتركات التجارب النسوية في ظل الحروب، وتفكيك العلاقة بين طبيعة أنظمة الحكم والانتهاكات الواقعة على النساء، إضافة إلى البحث في حدود التضامن النسوي وأدواته، وإمكانية تحويله من فعل رمزي إلى قوة ضغط قانونية وسياسية قادرة على حماية النساء وإنقاذ حياتهن.


ومن خلال شهادات ومداخلات متعددة، قدّمت المشاركات قراءة معمقة لواقع بلدانهن، كاشفات عن أن ما تتعرض له النساء ليس حوادث معزولة، بل جزء من منظومة عنف ممنهجة، تتغذى على الحرب، وتُعاد إنتاجها عبر القوانين، والمؤسسات، والخطابات السائدة.

الحرب على أجساد النساء

السكرتيرة القانونية لمبادرة لا لقهر النساء،أحلام ناصر، اكدت في مستهل حديثها على أهمية تبني خطاب نسوي شامل على مستوى الإقليم، معتبرة أن تضامن النساء يلعب دورًا محوريًا في زمن السلم والحرب، لا سيما في مواجهة التحديات وتسليط الضوء على أوضاع النساء خلال الكوارث والنزاعات.


وأشارت إلى أن أطراف الصراع تستخدم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات كوسيلة لتصفية الحسابات القبلية والسياسية، مستشهدة بما يحدث في حرب السودان، معتبرة أن مناهضة الحرب قضية نسوية بامتياز، تستوجب تحليلًا جندريًا يفكك البنى الأبوية العسكرية.


وأضافت ناصر أن النساء يمتلكن خبرات ومعارف راكمتها تجارب الحروب والنزاعات، ما يجعلهن أكثر قدرة على مقاومة الانتهاكات وبناء شبكات تضامن فعّالة. وقدّمت مثالًا بمقاومة السودانيات لقهر الدولة خلال حكم نظام الإنقاذ، والدور المستمر للحركة النسوية السودانية في مناهضة الحرب حتى اليوم.


وفي حديثها عن أوضاع النساء السودانيات خلال حرب أبريل، أوضحت أن أجساد النساء تحوّلت إلى ساحة للصراع، إلا أن النساء قدمن نموذجًا ملهمًا في مقاومة الحرب عبر مبادرات تهدف إلى وقفها، وتوثيق الانتهاكات، ودعم الناجيات من العنف. كما حذّرت من استخدام الشائعات كسلاح لمحاربة النساء وتشويه أدوارهن.

اليمن: حرب طويلة وصوت غائب

في السياق اليمني قالت المستشارة بمركز الدراسات الاستراتيجية باليمن، بلقيس اللهبي، إن اليمن تعيش حربًا ممتدة منذ نحو خمسة عشر عامًا، تخللتها ويلات حروب متعددة، في ظل عزلة خانقة جعلت صوت اليمنيين، وخاصة النساء، شبه غائب عن العالم. وأوضحت أن الحرب استهدفت كل ما هو مدني، وأن أجساد النساء أصبحت، بشكل أو بآخر، جزءًا من ساحة الصراع.


وأضافت أن اليمن يعاني من معدلات أمية مرتفعة وسط النساء، ومؤسسات تعليمية هشة، وغياب الكوادر والموارد البشرية المؤهلة، مشيرة إلى أن البلاد لم تكن تمتلك خلال سنوات الحرب سوى عدد محدود جدًا من الطائرات لخدمة نحو 30 مليون يمني، مع غياب شبه كامل للخدمات الصحية.


وأشارت اللهبي إلى أن اليمنيين لم تكن أمامهم منافذ حقيقية للنزوح أو اللجوء، سوى البحر الأحمر، حيث اضطر كثيرون للفرار على متن سفن تجارية تنقل المواشي، وصولًا إلى جيبوتي، ليواجهوا هناك معسكرات لجوء تفتقر للخدمات، وتنتشر فيها سوء المعاملة والاستغلال. وأضافت أن النساء تعرضن لأشكال متعددة من الانتهاكات، من العنف الجنسي والمنزلي، إلى التحرش والاستغلال المادي والسخرة، فضلًا عن حملات التشهير والتحريض ضد القيادات النسوية، في مجتمع محافظ تُستخدم فيه مفاهيم الشرف لإقصاء النساء من المجال العام.


وأكدت أن العمل النسوي في اليمن يواجه ضعفًا حادًا في التوثيق وندرة الكوادر، إلا أن النساء طورن أشكالًا من التضامن الاجتماعي فيما بينهن عبر جلسات مستمرة للتخفيف من المعاناة وتقاسم ما هو متاح.


وأضافت أن النساء يتحملن أعباء إضافية خلال الحروب، داعية إلى عدم الانجرار وراء خطاب “النساء يحاربن النساء”، مؤكدة أن النساء لم يصلن يومًا إلى مستويات العنف التي قادها الرجال. كما شددت على أهمية تكتل الضحايا لمواجهة الانتهاكات والسعي نحو العدالة،

سوريا الثورة المسروقة وإعادة إنتاج القمع

من جانبها، اشارت ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية ليلى موسى، إن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء لا يمكن فصلها عن طبيعة الحكم وإدارة الدولة، مؤكدة أن النساء يشكّلن الفئة الأضعف في المجتمع، ولذلك يتعرضن لانتهاكات أكبر.
وأوضحت أن الحراك السوري، الذي بدأ بمطالب إصلاحية داخل منظومة الحكم، تحول بعد ستة أشهر إلى صراع مسلح نتيجة تعنت السلطة وتدخل القوى الإقليمية والدولية، معتبرة أن ما جرى بعد ديسمبر شكّل انقلابًا على مسار الثورة، وليس انتقالًا سياسيًا حقيقيًا.


وأضافت أن السلطة القائمة أعادت إنتاج المنظومة السابقة نفسها، وبدأت بفرض صور نمطية على النساء، بحيث يصبح أي خروج عنها مبررًا للعنف أو القتل. وأشارت إلى أن مشاركة النساء في السلطة شكلية ومحدودة للغاية، مع غياب الكوتا وضعف التمثيل، في وقت تتصاعد فيه الانتهاكات بحق النساء بسبب المواقف السياسية، أو اللباس، أو الانتماء العرقي والديني. كما لفتت إلى أن فصائل منضوية تحت السلطات القائمة مارست انتهاكات جسيمة ضد النساء، مؤكدة أن التوثيق والتضامن يشكلان أدوات ضغط ضرورية على الحكومات.


وسردت موسى أمثلة لانتهاكات طالت النساء، خاصة الكرديات، من بينها حوادث تم فيها التمثيل بجثث مقاتلات، أو السخرية منهن في الفضاء العام، مشيرة إلى أن مثل هذه الانتهاكات أسهمت في خلق موجات تضامن واسعة، على غرار ما حدث في قضية مهسا أميني.


واختتمت بالتأكيد على أن التضامن النسوي والضغط الدولي يمكن أن يجبر الحكومات على التراجع، ويشكّل رادعًا لانتهاكات مستقبلية.

السودان قوانين حدية وسلطات أمر واقع

في السياق السوداني، قالت الناشطة الحقوقية هديل جعفر في مداخلتها، إن النساء في مناطق سيطرة سلطات الأمر الواقع يتعرضن لانتهاكات مضاعفة تفوق بمئات المرات ما كان يحدث قبل الحرب، في ظل بنية قانونية تجرّم النساء وتُحاكمهن. وأوضحت أن المدنيين، وخصوصًا النساء، يخضعون لقوانين تفرضها السلطات المسيطرة على الأرض، سواء جرى الاعتراف بها أم لا.
وأضافت أن السجون باتت مكتظة بالنساء، معظمهن من فئات اقتصادية واجتماعية محددة، ومن اتجاهات جغرافية وإثنية بعينها. وكشفت أنه خلال الأسبوع الماضي تبيّن وجود سيدتين، إحداهما من القضارف والأخرى من النيل الأزرق، محتجزتين في سجن أم درمان، وصدر بحقهما حكم بالرجم، مؤكدة أن القضية تستدعي تضامنًا عاجلًا.
وأشارت إلى أن الإفراج عن أكثر من 400 امرأة بموجب قرارات أخيرة من سلطة بورتسودان متعلقة بقوانين النظام العام لا يعني انتهاء الانتهاكات، إذ ما تزال القوانين الحددة سارية، كما توجد نحو 60 امرأة محتجزات في مدينة الأبيض ومحكومات بتهم التعاون، بموجب المواد 50 و51 و26.

غياب الحماية القانونية

من جانبها اعنترت المحامية والحقوقية سامية الهاشمي إن النساء في بلدان النزاع يواجهن انتهاكات أكبر بحكم كونهن الحلقة الأضعف داخل المجتمع، في ظل غياب شبه كامل للحماية القانونية، سواء في أوقات السلم أو الحرب. وأوضحت أن الأطر القانونية القائمة لا توفر حماية حقيقية للنساء، لأنها تظل مرهونة بطبيعة النظام الحاكم، الذي يمنح الحقوق أو يمنعها وفقًا لمصالحه.


وأشارت إلى أن السودان لم يصادق على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ولا على البروتوكول الأفريقي لحقوق المرأة، ناهيك عن ضعف الأطر القانونية الإقليمية، ما جعل أقصى ما يُتاح حاليًا هو التوثيق، الذي وصفته بأنه توثيق شعبوي لا يؤسس لآليات مساءلة حقيقية، ويعاني بدوره من إشكالات بنيوية.

وأضافت الهاشمي خلال حديثها في الندوة الاسفيرية، أن التضامن بين النساء يظل عنصرًا أساسيًا في هذا السياق، معتبرة أن مثل هذه الجلسات تمنح الناشطات دفعة معنوية، وتؤكد أن النساء لسن وحدهن في هذه المعركة. وشددت على ضرورة الانتقال من تعدد المبادرات إلى فعل مشترك، مشيرة إلى أن عشرات المبادرات النسوية التي تشكلت بعد الحرب تحتاج إلى تنسيق فعلي يهدف إلى إنهاء الحرب، خاصة في ظل تحمل النساء لمسؤوليات متزايدة، وتحولهن إلى ركائز أساسية في إعالة الأسر .

العسكرة وجذور العنف الجندري

وفي السياق ذاته، قالت خبيرة النوع الاجتماعي والناشطة في الحقوق دكتورة عائشة خليل الكارب إن تحليل أوضاع النساء لا يمكن أن يتم بمعزل عن طبيعة نظم الحكم السائدة، موضحة أن هذه النظم، في جوهرها، نظم عسكرية تُدار بعقلية العسكرة. وأكدت أن العسكرة لا تقتصر على وجود السلاح أو المؤسسة العسكرية، بل تمثل منظومة ثقافية وسياسية شاملة، تتغلغل في أنماط التفكير، والعلاقات الاجتماعية، والمعايير الجندرية، وتعمل على إعادة إنتاج ذاتها وتعزيز نفوذها.


وأوضحت الكارب أن جذور العنف المسلح ترتبط بشكل مباشر بعدم المساواة والتمييز الجندري، محذرة من أن أي عمليات سلام لا تعالج هذه الجذور ستقود في النهاية إلى سلام هش ومؤقت، قد يُعيد إنتاج الحروب بصورة أعمق كما حدث في التجربة السودانية.


وأضافت أن الحرب أسهمت في إنتاج ما وصفته بالرجولة السامة، التي تربط تعريف الرجل بقدرته على ممارسة العنف، وتعتبر التعاطف والتعبير عن المشاعر دليلًا على الضعف. ولفتت إلى أن هذه المنظومة لا تكتفي بعسكرة المجتمع، بل تؤدي أيضًا إلى عسكرة النساء أنفسهن، عبر فرض أدوار قسرية عليهن، وأكدت أن السماح بمشاركة بعض النساء في العمل العسكري يظل مشروطًا بتبني صفات الرجولة نفسها، وهو ما يؤدي إلى إعادة إنتاج علاقات القوة والهرمية الجندرية

دعوات لتحرك نسوي إقليمي

في إطار البحث عن مخارج عملية، أكدت السكرتيرة القانونية لمبادرة لا لقهر النساء،أحلام ناصر، الى إن مناهضة الحرب قضية نسوية بامتياز، داعية إلى إطلاق حملة قانونية وإعلامية للتضامن مع النساء المحتجزات والمهددات بأحكام الرجم، وبناء خطة تضامن نسوي على المستوى الإقليمي تتجاوز الحدود الجغرافية.


وفي ختام الندوة، حثت رئيسة مبادرة لا لقهر النساء، أميرة عثمان، إلى التفكير في حراك ميداني أو إسفيري بمناسبة الثامن من مارس، للمطالبة بحق النساء في الحياة الكريمة، وإنهاء الحروب والتدخلات التي تسهم في إشعال النزاعات، وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها.

Welcome

Install
×