دلسة توعية نسوية في مركز ايواء بالضعين- غرف طوارئ الضعين

دلسة توعية نسوية في مركز ايواء بالضعين- غرف طوارئ الضعين

منتدى الإعلام السوداني : غرفة التحرير المشتركة

كمبالا،: 14 يناير 2026 : راديو دبنقا

تقرير عبد المنعم مادبو

بعد أكثر من أربعين عاماً قضاها في العاصمة الخرطوم، لم يكن عوض آدم خير آدم يتخيّل أن تنتهي علاقته بالمدينة التي صنع فيها حياته بهذه القسوة. الحرب التي اندلعت فجأة دفعته إلى مغادرة منزله، حاملاً أسرته في رحلة نزوح طويلة تنقّل خلالها من مكان إلى آخر، بحثاً عن بقعة آمنة تقيهم ويلات القتال. من الخرطوم إلى غرب كردفان، ثم إلى شرق دارفور، كانت كل محطة شاهداً على خسارة جديدة وعدم يقين أكبر. اليوم، يعيش عوض في مدينة الضعين، مع آلاف النازحين الذين أعادتهم الحرب إلى نقطة الصفر، حيث لا شيء مضمون سوى الانتظار، وتبقى قصته مرآة لمعاناة جيل كامل اقتُلع من جذوره بعد عقود من الاستقرار.

ويقول عوض آدم خير آدم لراديو دبنقا إنه عندما غادر منزله في الخرطوم بعد توجه برفقة أسرته أولاً إلى غرب كردفان، واستقر لفترة في محيط مدينة بابنوسة، قبل أن يضطروا للنزوح مرة أخرى نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية. ويضيف “وصلنا أخيراً إلى ولاية شرق دارفور بعد أن سمعنا أنها أكثر أمناً، لكننا فوجئنا بعدم تلقي أي مساعدات إنسانية أو دعم من المنظمات، رغم تنقلنا المتكرر من منطقة إلى أخرى”، وأوضح أن ما خفف عنهم وطأة المعاناة هو تضامن المجتمع المحلي في شرق دارفور، حيث وجد النازحون، استقبالاً طيباً، واقتسم معهم السكان السكن والمياه والموارد المتاحة ــ على حد قوله.

ويشير إلى أن مدينة الضعين باتت تضم تجمعات سكانية كبيرة من نازحين قدموا من ولايات ومناطق مختلفة، مثل سنجة وود النيل وغيرها، مؤكداً أن هذا التضامن المجتمعي كان العامل الأساسي في صمودهم حتى الآن، في ظل غياب التدخلات الإنسانية المنظمة.

فيما يروي مجاهد محمد زيدان دليل صالح، وهو كان يعمل في الخرطوم لسنوات طويلة، تفاصيل نزوحه القسري قائلاً إن الحرب شردت الأسر الآمنة ودفعت آلاف المواطنين إلى مغادرة ديارهم قسراً. ويضيف أنه نزح من الخرطوم إلى ولاية شرق دارفور قبل نحو عام، في ظروف وصفها بالصعبة للغاية.

وقال مجاهد لراديو دبنقا إن أسرته، مثل كثير من الأسر الأخرى، فقدت كل شيء خلفها في الخرطوم، من منازل وممتلكات ومصادر رزق، دون أن تجد أي جهة رسمية أو إنسانية تلتفت إلى معاناتها أو تحاول حصر احتياجاتها كنازحين. وأشار إلى أن التحديات اليومية تشمل صعوبة الإيجارات، وتدهور أوضاع التعليم والصحة، مؤكداً أن هذه المعاناة لا تخص أسرته وحدها، بل تطال أعداداً كبيرة من النازحين في شرق دارفور.

تدخلات غرفة طوارئ

في ظل عدم وجود تدخلات إنسانية لتخفيف المعاناة عن النازحين برز دور غرفة طوارئ الضعين الإنسانية، ويقول منسق البرامج والمشروعات فيها، يحيى أبو عسل، إن النازحين في شرق دارفور يُعدّون من المنسيين، إذ لم تُقدَّم لهم خدمات غنسانية بحجم احتياجاتهم، وأبان أنهم لمواجهة متطلبات الوضع الانساني أسسوا غرفة طوارئ منذ الأسبوع الثاني لاندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهي حرب أكملت ألف يوم من المأساة، خلّفت تشريداً واسعاً ونزوحاً ولجوءا ومعاناة غير مسبوقة للسودانيين والسودانيات.

أبو عسل ذكر لراديو دبنقا أن ولاية شرق دارفور بمحلياتها الـ 9 استقبلت خلال الفترات الماضية أعداداً كبيرة من النازحين، ما أدى إلى ظهور تجمعات ومعسكرات نزوح جديدة، غير المعسكرات القديمة بالولاية. وأشار إلى أن نحو 45 ألف نازح يتوزعون حالياً في معسكرات “لقاوة، قريضة، صابرين، والمنارة” بمدينة الضعين، مشيراً إلى أن كل هذه المعسكرات أنشئت حديثة بعد حرب 15 ابريل وتعاني جميعها أوضاعاً إنسانية وصفها بالقاسية. وأضاف “الأوضاع داخل هذه المعسكرات بالغة السوء، حيث توقفت المطابخ الجماعية، ولا تملك الأسر أي مصادر دخل، ولا يوجد وصول كافٍ للغذاء أو المياه، في ظل شح شديد في مصادر المياه وغياب شبه كامل للخدمات الأساسية”، وأكد أن التدخلات الإنسانية الحالية محدودة وشحيحة ولا تتناسب مع حجم الاحتياجات.

وأشار أبو عسل إلى أن غرفة طوارئ الضعين الإنسانية ظلت تقدم، رغم شح الإمكانيات، خدمات إنسانية للفئات الأكثر هشاشة، شملت تشغيل المطابخ الجماعية، والعلاج المجاني، وتوزيع السلال الغذائية والمواد الأساسية. إلا أن عدداً كبيراً من المطابخ الجماعية توقف خلال الفترة الماضية، بسبب نقص التمويل. وأضاف أن غرفة طوارئ الضعين تواصل أيضاً تقديم العلاج المجاني داخل المستشفيات للنازحين والفئات الأكثر هشاشة.

إحصائيات النازحين

يقول مدير الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية بولاية شرق دارفور، جمال الزين محمود، إن التقديرات تشير إلى وجود ما يقارب ثلاثة ملايين نازح داخل الولاية، إضافة إلى ثمانية معسكرات للنازحين موزعة على محليات أبوجابرة، وبحر العرب، وبوكارنكا، وعسلاية، إلى جانب معسكرات أخرى داخل مدينة الضعين، عاصمة الولاية.

وأشار الزين لراديو دبنقا إلى أن مدينة الضعين وحدها تضم ثمانية معسكرات رئيسية للنازحين، من بينها معسكر النيم الذي يضم نحو 180 ألف نازح، إضافة إلى 18 ألف نازح جديد، ومعسكر المنارة الذي يضم نحو 3 آلاف أسرة، ومعسكر لقاوة الذي يضم 7,800 أسرة، ومعسكر صابرين الذي يضم قرابة 56 ألف أسرة، إلى جانب معسكر قريضة الذي يضم نحو 3,800 أسرة.

وأضاف أن معسكرات النزوح لا تقتصر على مدينة الضعين فقط، بل تنتشر في جميع محليات الولاية، بما في ذلك بوكارنكا، وعديلة، وبحر العرب، وعسلاية، وياسين، وشعيرية، لافتاً إلى أن أكبر تجمعات النازحين توجد في وحدة خزان جديد الإدارية التابعة لمحلية شعيرية، حيث يُقدّر عدد النازحين هناك بأكثر من 900 ألف شخص موزعين بين معسكر الوحدة، ومعسكر النخيل، ومعسكر خزان جديد، إضافة إلى معسكر كبير بمحلية ياسين، فضلاً عن نازحين يقيمون في الأعيان الحكومية والمدارس.

وذكر مدير الوكالة أن عدد سكان ولاية شرق دارفور قبل الحرب كان يُقدَّر، وفق الإحصاءات الرسمية، بنحو 400 ألف نسمة، إلا أن آخر تعداد أجرته الوكالة السودانية للإغاثة بالتعاون مع المنظمات ووكالات الأمم المتحدة العامة في الولاية ضمن عملية تقييم مشترك (Joint Mission Assessment)، قدّر العدد الكلي للسكان الموجودين حالياً في الولاية بنحو 3.6 مليون نسمة.

وأكد أن هذه الزيادة الكبيرة في أعداد النازحين واللاجئين شكّلت ضغطاً هائلاً على الخدمات الأساسية، خاصة في قطاعات الصحة والغذاء والمياه، ما انعكس سلباً على الأوضاع الإنسانية للنازحين، الذين يعيشون ظروفاً بالغة الصعوبة، في ظل محدودية المساعدات المقدمة. في حيث لا يتجاوز عدد المنظمات الدولية العاملة في الولاية ثلاث منظمات فقط، هي (Care، World Vision، Alight)، وهو ما يعكس حجم الفجوة الإنسانية واتساع دائرة الاحتياجات. ولفت إلى استمرار تدفق النازحين إلى شرق دارفور من ولايات سنار والجزيرة والنيل الأزرق، عبر معبر الرقيبات المتاخم لجنوب السودان، ثم إلى داخل الولاية، ما ينذر بتفاقم الأوضاع الإنسانية خلال الفترة المقبلة.

نداء عاجل

منسق البرامج والمشروعات بغرفة طوارئ الضعين نبه إلى أوضاع إنسانية صعبة يعيشها النازحون الجدد في مراكز الإيواء والمعسكرات، وقال إن كل هؤلاء النازحين في حاجة إنسانية عاجلة للغذاء، والمطابخ الجماعية، ومصادر المياه، وخدمات التعليم. ودعا المنظمات العاملة والفاعلين الخيرين إلى تضافر الجهود لدعم هذه المراكز والمعسكرات بالمواد الغذائية وتمويل المطابخ الجماعية، حتى يمكن تلبية الاحتياجات العاجلة. وأشار إلى أن الغرفة تشرف على نحو 150 مطبخاً جماعياً تعمل حالياً لتغطية جزء من الاحتياجات الإنسانية، لكنها تعاني نقصاً حاداً في الدعم المالي.

يقول جميل الله الصادق الحاج، متطوع بغرف طوارئ الضعين الإنسانية، إن الغرفة أطلقت نداء استغاثة عاجلاً لدعم معسكرات النازحين ومراكز الإيواء في شرق دارفور، في ظل أوضاع إنسانية بالغة القسوة واحتياجات طارئة لا تحتمل التأجيل. وأوضح أن النازحين في المعسكرات ومراكز الإيواء يواجهون نقصاً حاداً في الاحتياجات الاساسية، إضافة إلى احتياجات التعليم، مؤكداً أن هذه الاحتياجات ملحّة وتشكل مسألة حياة أو موت لآلاف الأسر المتضررة من الحرب.

وأضاف أن غرفة طوارئ الضعين تناشد المنظمات الإنسانية التي سبق أن قدمت دعماً للمعسكرات بضرورة استمرار الدعم وتوسيعه، خاصة في مجالات المطابخ الجماعية، ومراكز الإيواء، وتوفير المياه والمستلزمات الأساسية قبل تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل أكبر، مشيراً إلى أن أي دعم يُقدَّم في هذه المرحلة يمثل بارقة أمل حقيقية لعوض خير ومجاهد زيدان وآلآف النازحين الذين يعيشون تحت وطأة الحاجة، في ظل تقليص الدعم الدولي للمساعدات الإنسانية ما دفع برنامج الغذاء العالمي بدوره إلى إعلان تقليصه مساعداته في السودان إلى حوالي 70%.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (راديو دبنقا) لتعكس ما فعلته ألف يوم من الحرب في ولاية (شرق دارفور). إذ تحولت مدن وقرى هذه الولاية إلى مسرح عمليات كبير حيث خلفت الحرب أكثر من 3 ملايين نازح داخل الولاية موزعين على 8 معسكرات للنازحين بما فيها معسكرات داخل مدينة الضعين.

ألف يوم من الحرب جعلت الناس هناك يواجهون ظروفا صعبة مع تناقص الدعم الدولي للاحتياجات الإنسانية ما يحتم أهمية الوصول إلى حلول سياسية عاجلة بين المتحاربين لتدارك الأوضاع.

شعار منتدي الاعلام السوداني

Welcome

Install
×