بعد ألف يوم من الحرب… استمرار القتال في دارفور وكردفان

مستشفى الضمان بالأبيض

مشاهد من مستشفى الضمان في الأبيض بعد قصفه بمسيرة - 30 مايو 2025- صفحة المستشفى على فيسبوك (ارشيف)

ليبيا-12يناير2026م  راديو دبنقا

قال الناشط السياسي، عضو التجمع الاتحادي وعضو تجمع المهنيين بغرب دارفور، المهندس بابكر كورينا، اللاجئ بدولة ليبيا، إن مرور ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان يعني “ألف يوم من الرعب والتشريد والقتل والانتهاكات والخراب والدمار”، مشيرًا إلى أن السودانيين ظلوا يحصون هذه المآسي يومًا بعد يوم حتى اكتملت دورتها ألف يوم، بينما ما زالوا يعيشون حالة نزوح ومعاناة مأساوية يصعب توصيفها.

وحول عودة الحرب إلى دارفور وكردفان، رغم أنها بدأت في مروي بالولاية الشمالية ثم استعرت في العاصمة وولايات الوسط، قال كورينا إن الانتقال السياسي كشف بوضوح قضية المركز والهامش، وحرص الأنظمة المتعاقبة على مركزية السلطة. ووصف الاتفاقيات التي أُبرمت مع حركات الكفاح المسلح بأنها لم تعالج جذور الأزمة بصورة واضحة، بل عززت هيمنة المركز.

وأضاف في مقابلة مع راديو دبنقا: “كنا ننبه دائمًا إلى خطورة تمدد الحرب وتوسعها في أنحاء البلاد”، مشيرًا إلى أن الحرب أثرت على نحو 80 في المائة من مساحة السودان، قبل أن تنكمش وتعود مرة أخرى إلى دارفور، التي شهدت واحدة من أطول الحروب منذ عام 2002، وما زال مواطنوها يعيشون النزوح في أطراف مدن نيالا والفاشر والجنينة وزالنجي والضعين وغيرها.

وأوضح أن معسكرات زمزم، ونيفاشا، وكريندنق، والحميدية، وكلمه، وعطاش، ودريج، ما زالت شاهدة على حجم المأساة، حيث ارتُكبت بحق النازحين أبشع الجرائم والانتهاكات، وقدّرت منظمات عالمية حصيلة القتلى بنحو 300 ألف ضحية، مشيرًا إلى أن ذات الانتهاكات وقعت في كردفان والنيل الأزرق.

وقال إن من المفارقات المؤلمة أن تعود الحرب مجددًا إلى هذه المناطق بصورة أشد ضراوة ووحشية، لافتًا إلى أن أكثر من 80 في المائة من سكان الإقليم أصبحوا نازحين ولاجئين في دول الجوار، من بينها ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وأوغندا وجنوب السودان، إلى جانب ولايات أخرى شردت الحرب سكانها.

سيناريوهات

وحول السيناريوهات الأكثر فاعلية لمعالجة أزمة السودان، قال كورينا إن مبادرة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات، تُعد في تقديره “الأكثر قبولًا وموضوعية حتى الآن”، ويمكن أن تُحدث اختراقًا حقيقيًا لوقف الحرب التي سئم منها جميع السودانيين.

وبشأن الشروخ الاجتماعية التي أحدثتها الحرب، وانتشار خطاب الكراهية، أقر كورينا بأن الحرب فرقت المجتمع بدرجة كبيرة، مؤكدًا أن الحل يبدأ بوقفها في أسرع وقت ممكن، لأن الحرب – على حد تعبيره – تُعد “أكبر مصنع لإنتاج خطاب الكراهية”.

فقدان قرار ايفاف الحرب

وأعرب كورينا عن خشيته من أن يؤدي استمرار الحرب وتوسعها إلى فقدان السودانيين قرار وقفها، ليصبح بأيدي أطراف خارجية، ما يعني ضياع الفرصة الوطنية لإيقافها.

وأضاف كورينا، في حديث خاص لراديو دبنقا، أن الحرب هي “أقبح ما في الوجود”، لكنه شدد على أن المؤمنين بالسلام سيواصلون جهدهم ليلًا ونهارًا إلى أن تتوقف الحرب، لينعم الوطن والمواطن بالأمن والسلام.

وأوضح أن الحرب في جوهرها تمثل وجهًا من أوجه الصراع السياسي في المقام الأول، حيث يسعى كل طرف لفرض مشروعه عبر فوهة البندقية، معتبرًا أن أي مشروع سياسي يُفرض بالقوة هو إهدار لموارد البلاد البشرية والمادية.

وحول الأطراف المستفيدة من الحرب، قال كورينا إن هناك متغيرات عديدة وتقاطعات مصالح وأجندات مختلفة شكلت نواة هذا الصراع، مشيرًا إلى أن تحميل المسؤولية يتطلب فهمًا دقيقًا لتعقيدات المشهد، مع التأكيد على أن مصلحة جميع السودانيين تكمن في وقف الاقتتال وإشاعة السلام في ربوع البلاد.

النضال السلمي الوسيلة الناجعة

وفي معرض رده على سؤال حول ما إذا كانت كل القوى السياسية متورطة بالضرورة في إشعال الحرب أو إطالة أمدها، أكد كورينا أن تجربة ثورة ديسمبر أثبتت أن النضال السلمي هو الطريق الأكثر فاعلية لإحداث التغيير، إذ نجح في إسقاط نظام ظل مهيمنًا على البلاد لأكثر من ثلاثة عقود، مضيفًا: “لا أرى من المنطق أن تعود تلك القوى مرة أخرى إلى أحضان حملة السلاح لفرض واقع جديد”.

وأوضح أن هذا ما يفسر وجود قوى سياسية كبيرة ظلت ترفض الحرب منذ اندلاعها، وتدعو إلى إيقافها واللجوء إلى الحوار والتفاوض.

اتحياز لطرفي الحرب

وبشأن انحياز بعض القوى السياسية لطرفي الحرب رغم أنها كانت جزءًا من منظومة ثورة ديسمبر، قال كورينا إن من الطبيعي أن تتلاقى مصالح البعض، وأن يختار آخرون طريق الحرب لتحقيق مشاريعهم، واصفًا هذه التقديرات بأنها “خاطئة”، لكنه أشار إلى أن الحرب بطبيعتها تفرّق الناس وتُظهر التناقضات والانقسامات.

وأضاف أن حتمية وقف الحرب تظل قناعة راسخة لدى غالبية السودانيين، داعيًا إلى عدم الانشغال بالمواقف المتماهية مع الحرب وسرديات تبريرها، ومثنيًا في الوقت ذاته على الموقف الذي التزمت به مجموعة كبيرة من القوى السياسية، في إشارة إلى تحالف «صمود»، ورفضهم الواضح للحرب.

وفي حديثه عن دور تجمع المهنيين في التغيير والإصلاح، قال كورينا إن الهدف المحوري من تأسيس تجمع المهنيين في بدايات الثورة تمثل في إصلاح مؤسسات الخدمة المدنية وملء فراغ النقابات الحرة التي هيمنت عليها سلطات نظام الإنقاذ. وأوضح أن التجمع لعب أدوارًا مهمة أسهمت فعليًا في نجاح الثورة السلمية، من خلال كيانات مهنية مثل تجمعات الأطباء والصيادلة والزراعيين والمهندسين والمعلمين والمحامين وغيرهم، الذين قادوا عصيانًا مدنيًا وضغطًا سلميًا تكامل مع حراك الشارع، وأفضى إلى قيام ثورة ديسمبر وسقوط نظام الإنقاذ.

وأضاف أن الشعب السوداني لم يجنِ من الحرب سوى الدمار والنزوح والخراب والمآسي، وتوقف تعليم الأبناء والبنات لأكثر من ثلاث سنوات، الأمر الذي وضع مستقبل أجيال كاملة على المحك، محذرًا من أن الوضع مرشح لمزيد من التدهور ما لم تتوقف الحرب، وهو ما يدفعهم دومًا إلى مناشدة أطراف النزاع بالجلوس إلى طاولة المفاوضات بحثًا عن حل سلمي.

أوضاع مأساوية

وتطرق كورينا إلى أوضاع اللاجئين السودانيين في ليبيا، قائلًا إن مئات الآلاف يعيشون أوضاعًا مأساوية، وسط تحديات قاهرة تواجه أسرًا كثيرة، أبرزها غياب مصادر الدخل، وأزمة المستندات الرسمية، مشيرًا إلى أنه وصل إلى ليبيا دون أي وثائق رسمية له أو لأفراد أسرته، في ظل قلة المبادرات التي يمكن أن تسهم في إيجاد حلول، ما فاقم الأوضاع النفسية للاجئين.

وفيما يتعلق بفكرة العودة الطوعية، تساءل كورينا عن مدى ملاءمة الأوضاع في دارفور وكردفان، حيث ينحدر غالبية اللاجئين، للعودة في ظل استمرار الصراع وانعدام الأمن.

واختتم كورينا حديثه برسالة دعا فيها جميع السودانيين إلى العمل الجاد من أجل تحقيق السلام ووقف الحرب، حفاظًا على ما تبقى من الوطن ومستقبل أجياله القادمة.

Welcome

Install
×