السودان على شفا مجاعة شاملة: مدن محاصرة واستجابة دولية ضعيفة
اطفال مصابون بسوء التغذية الحاد بمعسكر كلمة للنازحين (ارشيف)
منتدى الإعلام السوداني
الخرطوم، الفاشر، كادوقلي، 10 يناير 2026 (شبكة عاين) – لم تعد أزمة الجوع في السودان مجرد تحذيرات، بل تحوّلت إلى واقع يومي في مدن كاملة، حيث يُقاس البقاء بعدد الوجبات وليس بالأيام. هناك، حين تصبح “التكايا” بديلاً قسرياً عن الدولة والسوق معًا. بين أرقام التصنيف المرحلي المتكامل التي تؤكد وجود مجاعة فعلية، وشهادات من الميدان تتحدث عن أسر لا تأكل ليومين متتاليين، يقف السودان هنا، والآن، عند أخطر منعطف غذائي في تاريخه الحديث، بينما تتعثر الاستجابة الدولية أمام النزاع والحصار وانهيار الاقتصاد.
من إنذار مبكر إلى مجاعة مؤكدة
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حذرت المنظمات الدولية من تدهور متسارع في الأمن الغذائي. ما كان يُصنَّف سابقًا بوصفه “انعدام أمن غذائي حاد” تحوّل مع مرور الوقت إلى مجاعة مؤكدة في مناطق بعينها. وفق أحدث تحديثات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي حتى يناير 2026، يواجه أكثر من 21 مليون شخص مستويات أزمة غذائية أو أسوأ، بينهم مئات الآلاف في المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الجوع، حيث يصبح الموت خطرًا وشيكًا.
مدن خارج المعادلة الغذائية
تعد الفاشر، في شمال دارفور، وكادوقلي، في جنوب كردفان، نموذجين صارخين لتفشي المجاعة. هناك، حيث الحصار العسكري يُعطّل طرق الإمداد، انهيار الأسواق، وغياب الممرات الإنسانية، كل ذلك جعل الغذاء سلعة نادرة أو معدومة.
في هذه المدن، لم يعد السؤال عن نوعية الطعام، بل عن وجوده من الأساس، مع اعتماد متزايد على مبادرات محلية هشة، مثل التكايا والمطابخ الجماعية، لسد الحد الأدنى من الاحتياجات.
خطر التمدد الجغرافي
لا تتوقف المجاعة عند حدود مدينتين. تشير تقديرات IPC إلى أن نحو 20 منطقة إضافية في دارفور وكردفان تقف على حافة الانزلاق إلى المرحلة الخامسة، في حال استمر النزاع وتعطلت المساعدات.
هذا التمدد المحتمل للجوع لا يعني فقط زيادة أعداد الجوعى، بل يعني أيضاً انهياراً ديمغرافياً واجتماعياً أوسع، مع موجات نزوح جديدة، وتفكك شبكات العيش التقليدية، وارتفاع معدلات الوفيات، خاصة بين الأطفال.
الأطفال مؤشر إنذار نهائي
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن مئات الآلاف من الأطفال يواجهون سوء التغذية الحاد، مع توقعات بتجاوز 800 ألف حالة هزال شديد خلال عام 2026. عندما تتجاوز معدلات سوء التغذية 50٪ في بعض المناطق، يصبح ذلك مؤشرًا مباشراً على وفيات وشيكة، في ظل انهيار أكثر من ثلثي المرافق الصحية وعجزها عن الاستجابة.
استجابة دولية مشلولة
رغم اتساع الكارثة، تعاني الاستجابة الإنسانية من فجوة تمويلية حادة، وقيود وصول معقدة، ومخاطر أمنية متزايدة.
حذّر برنامج الأغذية العالمي من تقليص الحصص الغذائية وربما توقفها في بعض المناطق خلال أشهر، ما يعني عملياً دفع مجتمعات كاملة إلى ما بعد حافة البقاء.
كادوقلي: حصار ممنهج
يقول حسن أحمد، من كادوقلي، إن مؤشرات الجوع ظهرت تدريجيًا منذ أبريل 2023، وتفاقمت بين مايو ويونيو، قبل أن تبلغ ذروتها من يوليو وحتى نوفمبر، حين شهدت المدينة شبه شلل كامل، لا سيما بين في يوليو وسبتمبر، حيث توقفت الحركة التجارية وغابت مظاهر النشاط الاقتصادي.
ويعزو ذلك إلى إغلاق الطرق الرابطة بين كادوقلي ومناطق الإنتاج في أرياف جبال النوبة، شمالا وجنوبا وشرقاً وغرباً، ما أدى إلى انقطاع حركة السلع ومنع دخول المواد الغذائية، ووصف ما جرى بأنه “محاربة اقتصادية ممنهجة” وحصار خانق من جميع الاتجاهات.
وبحسب الإفادة، فقدت المدينة “نفوسًا غالية”، خاصة وسط الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة. لجأ كثير من الأهالي، خصوصًا في يوليو وأغسطس، إلى أكل الحشائش البرية والسير لمسافات طويلة بحثاً عن أنواع صالحة للأكل. كما انقطع الإمداد من مناطق مثل الدلنج وكادقلي، ما فاقم الشح الغذائي وخلق أزمة خانقة.
لجأ الناس لأكل الحشائش البرية والسير لمسافات طويلة بحثاً عن أنواع صالحة للأكل، يقول مصدر من كادوقلي
ازداد الوضع سوءا بعدما تم اقتحام سوق كادوقلي والاستيلاء على البضائع المخزنة، ما ضاعف حدة الاختناق الاقتصادي. فتح منافذ محدودة لاحقاً عبر مناطق تحت سيطرة الحركة الشعبية خفف الأزمة نسبياً ومؤقتاً فقط، بحسب المصدر.
ويرى المصدر في حديثه لـ «عاين» أن ما حدث لم يكن عارضاً، بل فعل مقصود من السلطة المسيطرة التي توقعت الحصار ورفعت الأسعار بصورة وصفها بالجنونية، في ظل سيطرة تجار كبار وضباط نافذين تابعين للجيش. كما انتشرت عمولات مرتفعة على التعاملات البنكية وصلت إلى 50%، ما زاد من ارتفاع الأسعار واستنزاف دخول المواطنين.
وتخضع مدينة كادوقلي لحصار خانق تفرضه قوات “تحالف تأسيس” (وهو تحالف يضم الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو وقوات الدعم السريع).
وأدى الجوع إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان إلى القرى والمناطق الصغيرة تحت سيطرة الحركة الشعبية شمال (قيادة الحلو) بحثاً عن الغذاء، ليس بسبب الاشتباكات العسكرية المباشرة، بل بسبب المجاعة نفسها. ووصف المصدر الوضع بأنه “مجاعة طاحنة” لم تترك للناس خيارًا سوى البحث عن بدائل للحياة.
الصراعات الطويلة في جبال النوبة، إلى جانب انسحاب الجيش من مناطق مثل برنو أم عدارة والمناطق الجنوبية، أسهمت في انعدام الأمن والاستقرار، وأثرت مباشرة على الموسم الزراعي، حيث عجز المزارعون عن الوصول إلى أراضيهم، وتقلصت المساحات المزروعة، وفقاً لذات المصدر.
الطلقة قد لا تقتل يقتل الجوع
يحذر حسن أحمد من أن آثار التدهور ستتفاقم خلال الأشهر المقبلة، متوقعاً أن تكون المجاعة القادمة أشد من عام 2025، بسبب ضعف الإنتاج الزراعي، وانتشار الآفات، وغياب الزراعة الاستراتيجية. الزراعة الحالية محدودة محلياً ولا يمكنها سد الفجوة الغذائية إلا بتحقيق السلام وفتح الطرق وتأمين الممرات الإنسانية.
ويتحدث المصدر عن التدهور الأمني داخل أحياء كادوقلي، خصوصاً العشوائية في الأطراف الشمالية والشرقية والجنوبية، حيث تغيب الحماية الأمنية وتنتشر حوادث إطلاق النار، ما يزيد الخوف داخل الأحياء ويقوض أي محاولة للإنتاج الزراعي أو التعافي.
يخلُص حسن أحمد إلى أن مصير كادوقلي، مثل بقية المناطق المحاصرة في جبال النوبة، “غامض وخطير”، مشدداً على أن المجاعة أخطر من الحرب نفسها، لأنها تقتل بصمت. ويشير إلى أن نحو 90٪ من سكان المدينة نزحوا إلى مناطق أخرى داخل السودان أو إلى جنوب السودان، ليس بسبب القتال، بل بسبب الجوع وانعدام سبل العيش وغياب المساعدات.
كسر الصمت الإعلامي
يشدد المصدر على أن مقاومة المجاعة في كادوقلي مرهونة بوقف إطلاق النار ولو مؤقتاً، وفتح ممرات آمنة لدخول المساعدات الإنسانية، وكسر الحصار الإعلامي الذي يمنع السكان من إيصال صوتهم للعالم. أي تأخير في هذه الخطوات يعني تعميق الكارثة وتهديد بقاء المدينة وسكانها.
حصار وغياب الوصول الغذائي
يفيد مصدر من مدينة الفاشر، طلب حجب اسمه لـ«عاين» بأن الغالبية العظمى من السكان المتبقين يقيمون حالياً في مراكز إيواء مؤقتة تشمل المدارس وبعض المعسكرات، على رأسها معسكر أبوجا (السلام)، معسكر أبو شوك (نيفاشا)، ومعسكر السلام (أبوجا)، إضافة إلى أعداد محدودة تقيم داخل بعض أحياء المدينة. من تبقوا في الفاشر هم في معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب كبار السن، وذوي الإعاقة الحركية، والجرحى.
ووفقا للمصدر شهد الوضع المعيشي توزيع بعض المساعدات الغذائية المحدودة، إلا أنها لا تغطي الاحتياجات الفعلية للسكان. النشاط التجاري شبه مشلول، إذ تعمل ثلاثة أسواق جزئياً فقط: السوق الكبير في الفاشر، وجزء من سوق نيفاشا قرب معسكر أبو شوك، ومنطقة الساحة الشرقية المجاورة للمستشفى السعودي، وهي المصادر الوحيدة لتأمين الاحتياجات اليومية رغم محدودية المعروض وضعف القدرة الشرائية، بحسب ما أفاد ذات المصدر.
ويشير إلى أن فتح الأسواق ظل جزئياً منذ الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، مع غياب الكميات الكافية من المواد الغذائية، حيث تأتي معظم السلع من خارج الفاشر، لا سيما من مليط، وجزء من منطقة طرة، وبعض الإمدادات المحدودة من دار السلام ونيالا. هذا الوضع أدى إلى صعوبة حقيقية في وصول السكان إلى الغذاء.
وسقطت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي كانت آخر معقل مهم للجيش السوداني في دارفور ومركزاً رئيسياً للسكان والأنشطة الإنسانية في يد قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025 بعد حصار دام نحو 18 شهرًا (أكثر من 500 يوم)، خلال الحرب المسلحة التي بدأت في السودان في أبريل 2023.
غياب حرية الحركة وتفاقم الجوع
ويشير المصدر إلى تسجيل حالات جوع حاد كان ظاهراً بشكل خاص وسط الأطفال وكبار السن، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب حرية الحركة. السكان، بمن فيهم القاطنون في مراكز الإيواء، لا يمكنهم التنقل إلا للذهاب إلى الأسواق ثم العودة فورًا، ما يقيد قدرتهم على البحث عن الغذاء أو مصادر بديلة للعيش.
جوع حاد وسط الأطفال وكبار السن: مصدر من كاوقلي
يلفت المصدر إلى أن الحديث عن مجاعة شاملة في الفاشر يحتاج إلى مؤشرات واضحة، إذ تكمن المشكلة الجوهرية في عدم قدرة السكان على الوصول إلى السلع الغذائية الأساسية، إما لندرتها أو القيود المفروضة على الحركة. كما يعيق غياب إحصاءات دقيقة حول عدد السكان داخل المدينة عملية التقييم الموضوعي للوضع الإنساني.
المخاطر على الأطفال وكبار السن
المصدر يشير إلى أن غياب حرية الحركة يؤثر مباشرة على الأطفال وكبار السن، ويجعلهم أكثر عرضة للجوع وسوء التغذية. المطلب الأكثر إلحاحاً هو السماح للسكان بحرية التنقل للوصول إلى الأسواق أو مغادرة المدينة إلى مناطق أكثر أماناً وقرباً من مصادر الغذاء.
الأمن الغذائي والزراعة
الفاشر مستبعدة من تقييمات الموسم الزراعي اللاحقة للحصاد، نظرًا لغياب الزراعة خلال موسم الخريف، ما يجعل الاعتماد على الإنتاج المحلي شبه معدوم. كثير من المعلومات الأساسية لا تزال غير متاحة بسبب ضعف الوصول إلى المدينة، وصعوبة إجراء مقابلات ميدانية شاملة لتقييم أوضاع السكان بدقة وفقاً للمصدر.
ويلفت إلى أن أزمة المياه تمثل عاملاً إضافياً في تفاقم الوضع الإنساني، حيث تعاني الفاشر من ندرة حادة نتيجة تعطل أو تدمير مصادر الإمداد، ما يؤثر على الاستهلاك اليومي وعلى زراعة الخضروات المحيطة بالمدينة، والتي تعتمد على توفر المياه، فتوقف هذا المصدر الغذائي المهم.
كما يشير إلى غياب التدخل العاجل سواء بتحسين الوصول الإنساني أو معالجة أزمة المياه والغذاء ينذر بتدهور أكبر في الأوضاع.
تغير نمط الغذاء بعد الحرب
يقول مصطفى، من الفاشر ويتواجد الآن على جانبي الحدود السودانية التشادية: “إن أوضاع الناس المعيشية مستقرة نسبيًا، ولم تكن هناك مشكلات تُذكر في الغذاء”. لكن بعد بداية الحرب طرأت تغيّرات واضحة على نمط الطعام داخل البيوت، شملت معظم مكونات الوجبات اليومية، مثل الخضروات، واللحوم، والوجبات الأساسية، وحتى بعض الأصناف التي كانت متوفرة سابقًا.
في السابق كانت بعض الأسر تتناول الطعام بشكل طبيعي، لكن مع تدهور الأوضاع أصبح الطعام محدودًا، فالأرز والمعكرونة غالباً غير متوفرة، واقتصر الغذاء على الخضروات واللحوم فقط، ما يعكس حجم التغير الذي طرأ على حياة الناس بعد الحرب.
التكايا: خط البقاء الأخير
مع الانهيار الحاد للأوضاع المعيشية، تحوّلت «التكايا» إلى أحد آخر خطوط البقاء لآلاف الأسر، بحسب إفادات ميدانية. بعض الأسر لم تتناول الطعام ليومين كاملين، ما يجعل الاعتماد على التكايا مسألة حياة أو موت.
وارتبط توسع التكايا بتدهور الأوضاع في الفاشر، حيث بدأت المؤشرات الخطيرة في 16 يونيو 2025، بعد شهرين وثلاثة عشر يوماً من سقوط معسكر زمزم، حين انقطعت المواد الغذائية والسلع الأساسية من الأسواق.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (شبكة عاين). تعكس المادة نذر المجاعة في مدينتي الفاشر، في شمال دارفور، وكادوقلي، في جنوب كردفان، بوصفهما نموذجين صارخين لتفشي المجاعة في السودان.
ففي المدينتين يعطل الحصار العسكري طرق الإمداد الغذائي الذي ويتبع ذلك انهيار الأسواق وغياب للممرات الإنسانية مما يجعل الغذاء سلعة نادرة أو معدومة.
تتبع المادة تأثير هذه الوضع على المواطنين وتشير إلى تسجيل حالات جوع حاد تظهر بوضوح على الأطفال وكبار السن بينما لجأ الناس لأكل الحشائش البرية والسير لمسافات طويلة بحثاً عن أنواع صالحة للأكل
.



and then