التعليم في شمال دارفور: جيل كامل مهدد بالضياع تحت وطأة الحرب والانهيار
طلاب لاجؤن سودانيون فرو من دارفور يدرسون بالمرحلة الثانوية في مخيم فرشنا شرق تشاد يجلسون على الأرض وهم يأدون إمتحانات الفترة الأولى للعام الدراسي 25/26 مطلع الاسبوع الماضي .مصدر الصورة : راديو دبنقا
شمال دارفور: الأول من يناير 2026: راديو دبنقا
تقرير: عبد المنعم مادبو
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، لم يكن التعليم بمنأى عن تداعيات النزاع المسلح، بل كان من أكثر القطاعات تضرراً، لا سيما في ولايات الهشاشة التاريخية مثل شمال دارفور. ففي محليتي سرف عمرة وكتم، تكشف تقارير ميدانية أعدّتها منظمة دعم ضحايا دارفور عن واقع تعليمي مأزوم، يتقاطع فيه العنف المسلح مع الفقر والكوارث الطبيعية وانهيار مؤسسات الدولة، مهدداً مستقبل عشرات الآلاف من الأطفال.
ووفقا لمنظمة يونسيف فان حرب 15 ابريل خلفت أزمة تعليمية غير مسبوقة حيث قدرت عدد الاطفال الذين هم خارج المدرسة في السودان بنهاية العام 2025م، بنحو 7.9 مليون طفل في انحاء البلاد نتيجة اغلاق المدارس وارتفاع العنف.
شلل العملية التعليمية
في محلية سرف عمرة، التي يُقدّر عدد سكانها بنحو 301 ألف نسمة، توقفت العملية التعليمية بالكامل منذ اندلاع الحرب، ما حرم آلاف الطلاب من الدراسة لما يقارب ثلاثة أعوام متتالية. ويشير تقرير منظمة ضحايا دارفور ــ الذي اطلع عليه راديو دبنقا ــ إلى أن هذا التوقف لم يكن نتيجة ظرف طارئ، بل حصيلة تراكمية لانعدام الأمن، وتدهور الوضع الاقتصادي، وانهيار الخدمات الأساسية، في منطقة تضم مزيجاً من المجتمعات المستقرة والرعوية، ما يجعل توفير التعليم النظامي تحدياً مضاعفاً حتى في أوقات السلم.
أما في منطقة فروك، الواقعة شمال محلية كتم، فقد أدى النزاع إلى تعطيل معظم المدارس، في مشهد يعكس الانهيار الأوسع للنظام التعليمي في الريف باقليم دارفور. ووفق التقرير، فإن تعليق الدراسة هنا لم يعد مؤقتاً، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية تهدد النسيج الاجتماعي، وتُقوّض حق التعليم باعتباره التزاماً دستورياً ودولياً.

اختلال التوزيع وضعف البنية التحتية
تكشف المعطيات الواردة من سرف عمرة عن خلل عميق في توزيع المؤسسات التعليمية. فعلى الرغم من وجود نحو 40 مدرسة ابتدائية حكومية وأكثر من 10 مدارس خاصة، تظل الكثافة الصفية المرتفعة ورداءة البنية التحتية تحديين مزمنين. ويتفاقم الوضع في المرحلتين المتوسطة والثانوية، حيث تتركز المدارس في رئاسة المحلية، بينما تُحرم الوحدات الإدارية الريفية من هذه الخدمات، ما يضطر الطلاب إلى النزوح التعليمي أو الانقطاع النهائي عن الدراسة.
وفي منطقة فروك بمحلية كتم والمناطق المحيطة بها، تضم المنطقة تسع مدارس فقط، يعمل بعضها جزئياً، ويبلغ عدد طلابها 3362 طالباً وطالبة، يشرف عليهم 81 معلماً و43 موظفاً مساعداً. وتعاني بعض المدارس، خاصة المتوسطة، من نقص حاد في الكوادر، إذ يعمل معلمان فقط في إحدى المدارس المتوسطة دون أي طاقم مساعد، في مؤشر على هشاشة العملية التعليمية حتى قبل توقفها الكامل.
المعلمون في قلب الأزمة
لا تقل أوضاع المعلمين سوءاً عن أوضاع المدارس. ففي سرف عمرة، يعاني المعلمون من انقطاع شبه كامل للرواتب لأكثر من عامين، مع صرف جزئي محدود لم يتجاوز 60% لمدة ثمانية أشهر فقط، وبمبالغ زهيدة لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من المعيشة. كما أشار التقرير إلى إيقاف السلطات في بورتسودان رواتب 26 معلماً بقرارات إدارية وُصفت بالكيدية، على خلفيات سياسية، وإجراءات لا تتوافق مع قانون الخدمة المدنية، ما شكّل انتهاكاً واضحاً لحقوقهم المهنية والإنسانية.
وفي منطقة فروك، أدى غياب الرواتب والحوافز إلى هجرة واسعة للكوادر التعليمية، بحثاً عن الأمان أو مصادر دخل بديلة، ما فاقم العجز في المعلمين المؤهلين، وأضعف أي محاولة لاستئناف التعليم.
الكوارث الطبيعية تعمّق الجراح.
اضافة للآثار التي خلفتها الحرب على واقع التعليم في شمال دارفور، فقد شهد العام 2024 أمطاراً غزيرة وفيضانات تسببت في أضرار جسيمة بمباني المدارس في منطقة فروك، ما جعل العديد منها غير صالحة للاستخدام. وفي ظل غياب الصيانة والدعم، تحولت المدارس إلى هياكل متهالكة، غير قادرة على توفير بيئة تعليمية آمنة.

محاولات لفتح المدارس
في 26 نوفمبر2025، تم الإُعلان عن إعادة فتح المدارس في محلية سرف عمرة، غير أن التقرير وصف الخطوة بأنها إجرائية وشكلية، في ظل استمرار توقف الرواتب، وتشرد أعداد كبيرة من الطلاب، وانعدام الكتب المدرسية والوسائل التعليمية، وغياب البنية التحتية الملائمة. وكذا الحال طرحت مبادرة محلية في منطقة فروك لعودة العملية التعليمية في حدها الادنى عبر تدريس المواد الأساسية فقط، إلا أن هذه الجهود، بحسب تقرير منظمة ضحايا دارفور، لا يمكن أن تنجح دون تدخل إنساني منظم ومستدام لتوفر دعم خارجي.
ضياع جيل كامل
يحذّر التقريران من أن الانقطاع الطويل عن الدراسة يرفع معدلات التسرب المدرسي وعمالة الأطفال بشكل مقلق. ففي سرف عمرة، اتجه بعض الأطفال إلى الخلاوي كبديل اضطراري، بينما اضطر آخرون للعمل في الأسواق لمساندة أسرهم. وفي قرية فروك، يُخشى ألا يعود كثير من الطلاب إلى مقاعد الدراسة مطلقاً، خاصة بين الأسر الأشد فقراً.
ودعت منظمة دعم ضحايا دارفور المنظمات الدولية والإنسانية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، إلى تدخل عاجل وشامل لدعم التعليم في شمال دارفور، عبر دفع رواتب المعلمين، وتوفير الكتب والوسائل التعليمية، وإعادة تأهيل المدارس، وإطلاق برامج تعليم تعويضي وتسريعي للأطفال المنقطعين عن الدراسة. كما شددت المنظمة على أهمية إدماج الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب والمعلمين في أي استجابة تعليمية، في ظل الآثار العميقة التي خلفتها الحرب والنزوح وعدم الاستقرار.
التعليم كقضية بقاء
خلصت المنظمة في تقريريها إلى أن التعليم في شمال دارفور لم يعد مجرد خدمة عامة، بل بات قضية بقاء وحماية اجتماعية. فاستمرار التعليم، حتى في أبسط صوره، يمثل خط الدفاع الأخير ضد الجهل والعنف وضياع جيل كامل. وتحذر المنظمة من أن أي تأخير في الاستثمار في هذا القطاع الحيوي سيترتب عليه ثمن إنساني واجتماعي باهظ، يصعب تعويضه في المستقبل.



and then