WFP Video طفل سوداني في مخيم دالي في طويلة. فرت أسرته من أعمال العنف في الفاشر.(ارشيف)

الضعين: 19 اغسطس 2026: راديو دبنقا

في الرابعة من عصر السبت، لم يكن الطفل علي كبور البالغ من العمر 11 عاماً، يعرف أن الطريق القصير بين منزله وصالون الحلاقة سيقوده إلى واحدة من أكثر التجارب رعباً في حياته.
أعطاه والده بعض المال وطلب منه الذهاب إلى صالون قريب من المنزل في حي دونكي أبوعمة، ليحلق شعره استعداداً للمدرسة في اليوم التالي. خرج الطفل علي برفقة ابن عمه، لكنهما وجدا الصالون مغلقاً، فقررا العودة إلى المنزل.

في الطريق، ظهرت عربة لاندكروزر مسلحة. اعترضت طريق الطفلين، وحين حاولا الابتعاد، بدأت العربة في ملاحقتهما. ركضا، لكن السيارة كانت أسرع. لاحقت (علي) حتى حاصرته، قبل أن يترجل أحد المسلحين ويحمله بالقوة إلى داخل العربة.
تم وضع الطفل في المقعد الأوسط، وجلس مسلحان إلى جانبيه. كان كل شيء يحدث في شارع تعج جوانبه بالأطفال الذين كانوا يلعبون كرة القدم. صرخ الأطفال، وانتقلت صرخاتهم سريعاً إلى الجيران.

خالتي.. الناس ديل خاطفني

كانت ميادة خالد، إحدى جارات الأسرة، من أوائل النساء اللواتي خرجن لمعرفة ما يحدث. سألت الأطفال عن سبب صراخهم، فجاءها الرد: “الكروزر دي خطفت علي كبور” لم تنتظر ميادة طويلاً. تقدمت نحو العربة ووقفت في طريقها. كان بإمكانها أن تبتعد، خصوصاً أن من بداخل السيارة كانوا مسلحين، لكنها اختارت أن تواجههم. طلب منها المسلحون التنحي جانبا عن الطريق، لكنها رفضت. هددوها بإطلاق النار عليها، وظلت في مكانها. فنزل أحد المسلحين وحاول سحبها من يدها وإبعادها عن الطريق، لكنها قاومت وتمسكت بموقفها. وفي تلك اللحظة، خرج صوت الطفل علي من داخل العربة “خالتي ميادة.. الناس ديل خاطفني، أنقذوني منهم” كانت تلك الصرخة بمثابة نداء استغاثة للحي كله.
بدأ الرجال والنساء في التجمع حول العربة. وبينما كان المسلحون منشغلين بمحاولة إبعاد ميادة وفتح الطريق، وجد شاب كان ضيفاً في الحي فرصة للتدخل، وتمكن من سحب الطفل من داخل السيارة وإنقاذه. لم تنته القصة هنا. فقد لاحق المواطنون العربة وطاردوها عبر أحياء المدينة، قبل أن يتمكنوا من القبض على أفراد المجموعة وتسليم العربة والأسلحة إلى الشرطة. وتقول أسرة الطفل إن أفراد المجموعة تم التعرف عليهم، وإنهم ينحدرون من منطقة (بواطي الخيل) جنوب الضعين، فيما أفادت الأسرة بأن بعضهم معروفون بارتكاب جرائم سابقة.

أم واجهت الخوف مرتين

بالنسبة إلى والدة الطفل، نازك عز الدين، لم تكن محاولة الاختطاف مجرد حادثة عابرة. حيث تقول لراديو دبنقا إن موقف جارتها ميادة استفز المسلحين، وإنها أصرت أمامهم على أن الطفل ابنها وأنها لن تسمح لهم بأخذه. لكن لحظة إنقاذ الطفل علي كانت قاسية على الأم. تقول نازك إنها حاولت الوصول إلى طفلها أثناء إنزاله من العربة، لكنها دخلت في حالة إغماء من شدة الصدمة، ولم تعرف ما حدث بعد ذلك إلا لاحقاً. والأصعب أن هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها علي لمحاولة اختطاف. فعندما كان في الثامنة من عمره، وفي الصف الأول، تعرض لحادثة اختطاف للمرة الأولى بالقرب من مدرسته. وتروي والدته أن الخاطفين عرضوا عليه صورتين لأشخاص من أقاربه، وحين لم يتعرف إليهما، أنزلوه من السيارة بعد مسافة قصيرة. وقبل إطلاق سراحه، هددوه بالقتل إذا تحدث أو حاول إصدار أي صوت.
بالنسبة إلى نازك، أعادت حادثة السبت الصدمة القديمة بكل تفاصيلها، وتقول إنها لم تعد تنام بصورة طبيعية، وإنها تستعيد في ذهنها السؤال نفسه: ماذا كان سيحدث لطفلها لو لم يكن الجيران موجودين في تلك اللحظة؟ وتضيف أن الخوف لا يتعلق بعلي وحده، بل بما إذا كانت هذه الحادثة جزءاً من نمط أوسع، في ظل وجود أطفال آخرين فقدوا ولم تُعرف أماكنهم حتى الآن على حد قولها.

عربة “الجمرة” والأسلحة

وتقول عمة الطفل إن العربة التي استخدمها المسلحون مكتوب عليها في الخلف كلمة “الجمرة” بخط عربي كبير، وإن أفراد المجموعة كانوا يحملون سلاح رشاش واسلحة كلاشنكوف.
وذكرت أن هذه العربة لم تكن مجهولة تماماً في الحي؛ إذ سبق أن تعرض أحد السكان لمحاولات لنهب سيارته، وتعرض لتهديدات من المجموعة نفسها. وبعد الحادثة، خرج المواطنون خلف العربة، وتمكنوا من ملاحقتها والقبض على أفراد المجموعة، قبل تسليم العربة والأسلحة إلى الشرطة.

حين تتقدم الأعراف.. وتتراجع الدولة


لكن قصة الطفل “علي كبور” تفتح باباً آخر أكثر تعقيداً. في اليوم التالي للحادثة، وصل أقارب للمشتبه بهم، بينهم أعيان من منطقتهم، إلى والد الطفل، وطلبوا إطلاق سراح الجناة، مقابل الحلول الاهلية المبنية على الاعراف والتقاليد، هنا وجدت أم الطفل نفسها أمام معضلة أكبر من حادثة اختطاف ابنها. فهي لا ترى أن التسوية الأهلية أو دفع المال كافيان لإنهاء القضية، وتخشى أن يؤدي الإفراج عن الجناة إلى تكرار الجريمة مع أطفال آخرين.

وتقول إن محاكمة المتهمين بصورة رادعة وإظهار القضية أمام الرأي العام قد يكونان وسيلة ضغط لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.
وتنتقد الأم ما تصفه بضعف حضور المؤسسات الرسمية، قائلة إن غياب جهة حكومية قوية يمكن للأسرة أن تستند إليها يجعل الأهالي أكثر ميلاً إلى تولي قضايا الأمن والعدالة بأنفسهم عبر الأعراف المحلية.

وترى ان الأعراف الأهلية، التي لعبت تاريخياً دوراً مهماً في حل النزاعات داخل المجتمعات، قد تكون في بعض الحالات وسيلة لاحتواء الخلافات ومنع التصعيد. لكن قضية اختطاف الأطفال تضع هذه الآليات أمام سؤال صعب: هل تكفي التسويات الأهلية عندما يتعلق الأمر بجريمة تهدد سلامة الأطفال وتكرارها؟ بالنسبة إلى نازك، الإجابة واضحة. هي تريد أن تعرف من يقف وراء هذه الجرائم، وأن يخضع المتهمون للمساءلة، لا أن تنتهي القضية بتعهد أو تسوية تسمح للجناة بالعودة إلى الشارع.

ما قبل الاختطاف

وتضيف نازك أن الأسرة كانت قد لاحظت تحركات مريبة قبل أربعة أو خمسة أيام من محاولة اختطاف علي. تقول لراديو دبنقا إن أشخاصاً طرقوا باب منزلها في الرابعة فجراً، وعندما خرج زوجها لفتح الباب لم يجد أحداً. وحاول الزوج البحث عن الشخص الذي طرق الباب، لكنها منعته، خشية أن يكون الأمر كميناً. وتقول إن الأمر تكرر مرتين تقريباً عند الساعة الحادية عشرة ليلاً، دون أن يجدوا أحداً عند الباب. ولا تعرف الأسرة حتى الآن ما إذا كانت هذه الوقائع مرتبطة بمحاولة اختطاف علي، لكنها تزيد من مخاوفها بشأن ما حدث.
وتؤكد نازك أن زوجها موظف مدني يعمل محاسباً في هيئة مياه الضعين، ولا تعرف للأسرة أي خصومة سياسية أو شخصية يمكن أن تفسر ما جرى.

سكان حي في مواجهة الخطر

ربما كانت أكثر الصور دلالة في هذه الحادثة هي صورة امرأة تقف أمام عربة مسلحة، بينما يتجمع حولها سكان حي ابوعمة لإنقاذ طفل. ميادة خالد لم تكن شرطية، ولم تكن تحمل سلاحاً. كانت جارة سمعت أن طفلاً خُطف، فخرجت ووقفت في الطريق، ورفضت أن تترك العربة تمر. ثم جاء الرجال والنساء والأطفال، وتحولت محاولة الاختطاف من عملية كان يفترض أن تتم خلال دقائق إلى مواجهة مجتمعية حالت دون اختطاف الطفل. هذا التضامن أنقذ علي كبور، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم الفراغ الأمني الذي يدفع المواطنين إلى المخاطرة بحياتهم عندما يتعرض أحد أفراد مجتمعهم للخطر.

ليست قصة “علي” وحده

انتهت محاولة اختطاف “علي كبور” بعودته إلى أسرته، والقبض على أفراد المجموعة وتسليمهم إلى الشرطة، لكن الخوف لم ينتهِ بالنسبة إلى والدته. تقول نازك إنها تحتاج ربما إلى جلسات دعم نفسي للتعامل مع آثار الصدمة، وإن السؤال الذي يطاردها كل ليلة هو: ماذا لو لم تكن ميادة في الشارع؟ ماذا لو لم يسمع الجيران صرخات الأطفال؟ وماذا لو تمكنت العربة من مغادرة الحي؟
قصة علي كبور انتهت هذه المرة بالنجاة. لكنها تضع مدينة الضعين أمام قضية أكبر: من يحمي الأطفال عندما يصبح الاختطاف ممكناً في وضح النهار؟
وتضع السلطات أمام مسؤولية لا يمكن أن تقوم بها الأعراف وحدها: حماية المدنيين، والتحقيق في جرائم الاختطاف، ومحاسبة المتورطين، وكشف الشبكات التي تقف وراء هذه الجرائم إن ثبت وجودها. أما الأهالي، فقد أثبتوا في هذه الحادثة أن التضامن يمكن أن ينقذ حياة.
لكن لا ينبغي أن تكون شجاعة امرأة تقف أمام عربة مسلحة، أو مخاطرة مواطن يطارد مسلحين، هي خط الدفاع الأول عن أطفال المدينة.

Welcome

Install
×