نايلة.. أم لستة أطفال تنتظر زوجاً غائباً منذ نحو ثلاثة أعوام
"راكوبة" مصنوعة من القش والحصير وبقايا الأقمشة تؤوي نايلة وأطفالها الستة وسط مياه الفيضانات التي حاصرت مسكنهم خلال موسم الخريف.- راديو دبنقا
أمستردام: الدويم: كمبالا/ الثلاثاء 6 أكتوبر 2026: راديو دبنقا
في التاسع عشر من ديسمبر 2023، لم تكن نايلة محمد أحمد خلف الله تفكر في شيء سوى الخروج بأطفالها من مدينة مدني والنجاة بهم من الحرب التي وصلت إليهم مرة أخرى. وسط الخوف والارتباك وحركة النزوح، وقع ما لم تكن تتوقعه، إذ اختفى زوجها عبده آدم حامد، وانقطعت أخباره منذ ذلك اليوم.
خرجت نايلة من مدني ومعها أطفالها الستة، لكن من دون والدهم. كان أكبرهم يبلغ الثانية عشرة، بينما أصغرهم طفلة لم تتجاوز السادسة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة مختلفة تماماً، لم تعد رحلة نزوح بحثاً عن الأمان فقط، وإنما رحلة أم تحاول حماية ستة أطفال، وفي الوقت نفسه تبحث عن زوج لا تعرف إن كان حياً أو ميتاً.
تروي نايلة لـ”دبنقا”: “فقدنا والد أولادي في مدني لحظة مغادرتنا، ومنذ ذلك الوقت لم نسمع عنه أي خبر، وأخباره مقطوعة”. ومع مرور نحو عامين وعشرة أشهر على فقدانه، لا يزال السؤال الذي خرجت به الأسرة من مدني بلا إجابة، أين عبده آدم حامد؟
من أمبدة بدأت رحلة النزوح
قبل أن تشتت الحرب الأسرة بين المدن، كانت حياة نايلة أكثر استقراراً في الحارة (16) بمحلية أمبدة، غربي أم درمان. هناك كان منزلها يجمعها بزوجها وأطفالهما الستة، قبل أن تندلع الحرب وتقلب تفاصيل حياتهم رأساً على عقب.
ومع اشتداد المعارك في الخرطوم، أصبح البقاء أكثر خطورة، فقررت الأسرة الرحيل بحثاً عن مكان أكثر أمناً. تستعيد نايلة تلك اللحظة قائلة: “خرجنا من الخرطوم ونحن أسرة مجتمعين، ولم يتخلف عنا أحد”.
كان عبده معهم حين غادروا أمبدة، وكان برفقتهم أيضاً عندما وصلوا إلى ولاية الجزيرة، حيث أصبحت مدينة مدني محطتهم الجديدة. اعتقدت الأسرة، مثل كثير من النازحين، أنها ابتعدت عن دائرة القتال، وأن بإمكانها أن تبدأ حياة مؤقتة إلى حين انتهاء الحرب، لكن الحرب لحقت بهم مرة أخرى.
مدني.. المحطة التي اختفى فيها الأب
مع تمدد القتال إلى ولاية الجزيرة واقترابه من مدني، وجدت الأسرة نفسها أمام نزوح جديد. وفي 19 ديسمبر 2023، سقطت المدينة، وتحولت محاولة الخروج منها إلى نقطة فاصلة في حياة نايلة وأطفالها، إذ فقدت الأسرة والدها وسط ظروف المغادرة.
لم تعرف نايلة أين ذهب زوجها، ولم تتمكن من الوصول إليه بعد ذلك. مرت الأيام والأسابيع والشهور، ثم الأعوام، من دون اتصال أو معلومة تحسم مصيره.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت مسؤولة وحدها عن ستة أطفال، بعضهم في عمر لا يسمح له حتى بفهم معنى أن يختفي الأب فجأة ولا يعود. ومع ذلك، كان عليها أن تواصل رحلة النزوح بأطفالها، حتى وصلت إلى مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض.
هناك وجدت، بحسب روايتها، استقبالاً ومساندة من أهل المدينة، وأقامت مع أطفالها في مدرسة خنساء، التي أصبحت مأوى لها ولعدد من الأسر التي دفعتها الحرب إلى النزوح.
لكن الإقامة في المدرسة لم تستمر. فعندما عادت المدارس إلى نشاطها، كان على نايلة أن تغادر المكان الذي آواها وأطفالها. وبرز أمامها سؤال أكثر إلحاحاً، إلى أين تذهب امرأة نازحة مع ستة أطفال، بلا زوج ولا منزل ولا مصدر ثابت يعينها على استئجار مأوى؟
ميدان مفتوح أصبح منزلاً
لم تجد نايلة أمامها سوى الإقامة مع أطفالها في مساحة مفتوحة، بلا سور يحجبهم عن أعين المارة، ولا منزل يحميهم من تقلبات الطقس.
وفي هذا المكان، أقامت نايلة لأطفالها “راكوبة” مصنوعة من القش والحصير وبقايا الأقمشة، لتصبح مأواهم بعد مغادرة المدرسة وتصف وضعها قائلة: “لم أجد مكاناً أسكن فيه مع أبنائي سوى ميدان عام، بلا سور يسترنا من المارة”.
في ذلك الميدان، أصبحت تفاصيل الحياة اليومية تحدياً قائماً بذاته. ستة أطفال يحتاجون إلى الطعام والحماية والرعاية، وأم تتحمل مسؤوليتهم بمفردها، بينما تعيش هي نفسها قلق الانتظار وعدم معرفة مصير زوجها.
أكبر أطفالها في الثانية عشرة، وأصغرهم طفلة دون السادسة، وهي أعمار تجعلهم في حاجة إلى الرعاية والحماية، في وقت تحتاج فيه والدتهم نفسها إلى من يسندها في مواجهة أعباء النزوح.
ومع كل يوم جديد، كان غياب الأب يظهر في تفاصيل حياتهم، في الاحتياجات التي يصعب على الأم توفيرها، وفي المسؤوليات التي تضطر إلى مواجهتها بمفردها، وفي أسئلة الأطفال عن والدهم التي لا تملك لها إجابة.
ولم تكن قسوة المكان المفتوح وحدها ما واجهته الأسرة، فمع حلول الخريف تحولت الأمطار إلى محنة أخرى. الميدان الذي أصبح مأواهم لم يكن مهيأً للسكن، ومع هطول الأمطار تجمعت المياه حولهم، حتى وجدت نايلة نفسها وأطفالها محاصرين.
وتستعيد معاناتها خلال تلك الفترة: “كانت معاناتي مع الخريف كبيرة، حاصرتنا المياه من كل الاتجاهات، وبقيت أعيش مع أطفالي وكأننا في جزيرة”.
وبين محاولاتها لحماية أطفالها من الأمطار والمياه، ظل التفكير في زوجها حاضراً. وفي كل أزمة تواجهها الأسرة، يصبح غيابه أكثر ثقلاً، فالرجل الذي كان يشاركها مسؤولية الأطفال أصبح هو الآخر جزءاً من المجهول الذي صنعته الحرب.
البحث عن عبده
لم تكتفِ نايلة بالانتظار، بل أبلغت الجهات الحكومية والمدنية المعنية بالمفقودين، وقدمت المعلومات المتعلقة بزوجها، أملاً في أن يقود ذلك إلى معلومة تكشف مكانه أو تحسم مصيره.
لكن حتى الآن، لم يصل الخبر الذي تنتظره الأسرة.
نحو عامين وعشرة أشهر مرت منذ اختفاء عبده آدم حامد، ولا يزال مصيره مجهولاً بالنسبة إلى زوجته وأطفاله، الذين واصلوا حياتهم في الدويم من دونه.
أهل الدويم.. سند في الغياب
وسط هذه الظروف، تتحدث نايلة بامتنان عن أهل الدويم والخيرين الذين قدموا لها ولأطفالها ما استطاعوا من مساعدة. ففي غياب الزوج وانعدام مصدر ثابت لإعالة الأسرة، أصبحت تلك المساعدات إحدى الوسائل القليلة التي تمكنها من الاستمرار ورعاية أطفالها.
وعن المساندة التي وجدتها، تقول: “نحن حالياً بدون عائل والظروف قاسية، لكن الناس في الدويم ما قصروا معنا، وبمساعدة الخيرين استطعنا أن نعيش”.
ومع صعوبة العودة إلى أمبدة، تتمسك نايلة بالبقاء في الدويم، حيث ترى أن ذلك أكثر أمناً لأطفالها، في انتظار أن تستقر الأوضاع أو يصلها خبر عن زوجها.
خسرت نايلة خلال الحرب استقرارها ومنزلها، ثم فقدت زوجها أثناء النزوح، ولم تحصل حتى الآن على إجابة يمكن أن تنهي انتظارها.

and then