الدراما السودانية في زمن الحرب: من تجسيد المأساة إلى صناعة الأمل

مهرجان مسرح البنات في كمبالا- اكتوبر 2026- وسائل التواصل

مهرجان مسرح البنات في كمبالا- اكتوبر 2026- وسائل التواصل


أمستردام – 8 أكتوبر 2026 – راديو دبنقا

“على الدراميين أن يوسعوا من خلال أعمالهم دوائر الأمل، وأن يؤكدوا أن السودانيين استطاعوا أن يحرروا أنفسهم من اليأس”. هذا ما قاله الكاتب والمخرج المسرحي ربيع يوسف الحسن في حديثه لراديو دبنقا، رداً على سؤالٍ حول دور الدراميين في ظروف الحرب التي نعيشها.

وأكد في حديثه أن سرديات وتفاصيل المأساة الحادثة والحزن الذي يلف المزاج العام يجب أن تُواجَه بخطاب المقاومة؛ لأنه وبحسب طبيعة الأشياء، ليس هنالك قاهرٌ دون أن يُواجَه بمُقاوِم.

وأوضح أن الحرب، بقدر ما تمظهرت في أشكال العنف المختلفة وأشكال القهر اليومية التي تواجه المواطن في حياته التي انقلبت رأساً على عقب، بقدر ما وُجدت حكايات وقصص مقاومة نجحت وأفلحت في أن تضيء مساحات من الأمل، ونجحت بالتالي في تحرير السودانيين من اليأس، مضيفاً أن هذا هو الدور الذي يجب أن تضطلع به الدراما في الظرف الراهن، والتي يجب ألا تغرق في استعادة الخطاب المأساوي بقدر تبنيها لخطاب المقاومة والأمل.

المعادل الدرامي وتوثيق المأساة

وأكد المخرج ربيع يوسف أنه لا يرفض أو يهمل البعد التوثيقي للدراما، والتي يجب أن توثق – ولو على المستوى المجازي والافتراضي – ما حدث من مآسٍ ومجازر وتفاصيل يعلم الجميع الكثير منها عن هذه الحرب، مشدداً على وجوب التوصل إلى معادلٍ دراميٍّ افتراضيٍّ ومجازيٍّ خلاق لعكس هذه المآسي وهذه المقاومة.

وأشار إلى أن الدرامي – شأنه شأن سائر أفراد الشعب السوداني وأصحاب المهن الأخرى – يجد نفسه محاصراً بين خيارات الانتماء لهذا الطرف أو ذاك في هذه الحرب لتوفير الحماية لنفسه وأسرته، وبين تفاصيل الاحتياجات اليومية والمعيشية. وفي هذا المقام، فإن المبادئ لا تتجزأ، وعلى كل صاحب قرار أو موقف أن يدرك أن للأمر ثمنه الذي يجب أن يُدفع.

وأضاف ربيع يوسف في هذا الصدد أنه في ظل الاستقطابات الحادة والمخاطر الحقيقية التي تواجه أصحاب المواقف، هناك من يستطيع اتخاذ موقف معلن من أحد طرفي الحرب يعتقد أنه على حق، وهناك أشخاص آخرون لا يستطيعون بحكم ظروفهم اتخاذ موقف واضح.

وأكد أنه يرى وجوب مواجهة “الوعي الزائف” – على حد تعبيره – أياً كانت الجهة الصادرة عنها مثل هذه الخطابات المشوشة والمضللة.

وأوضح أن اتخاذ المواقف يجب ألا يكون من موقع سياسي بل من موقع مهني يوفر لك فرصة أن تكون موضوعياً وترى المشهد والموقف واللحظة التاريخية الراهنة بشكل شمولي وكلي، وذلك دون التخلي عن مسؤولياتك تجاه نفسك أولاً وأسرتك ووطنك، مشدداً على أن هذه المستويات الثلاثة يجب أن تكون في حزمة واحدة؛ لأن منجاة الفرد وأسرته لا تنفصل عن منجاة الوطن بكامله.

وأضاف أن فرصة الفنانين والمبدعين في أن يعيشوا حياة كريمة يستطيعون من خلالها تقديم مساهمات جيدة لوطنهم تكون قليلة وهم فرادى، لكن التنظيمات المهنية والنقابية تجعل صوتهم مسموعاً، وتوفر لهم فرصة التواصل مع مؤسسات دولية وإقليمية تستطيع أن توفر لهم الحماية والحواضن وتمنحهم منصات للانطلاق.

وأشار إلى أن الدراميين يجب أن يقولوا رأيهم الداعم للأصوات الأخرى التي تنادي بإيقاف الحرب.

تجارب صمود ميدانية

من جانبه، يرى الكاتب والشاعر والمسرحي عفيف إسماعيل أن الدراميين – شأنهم شأن كل الشعب السوداني – قدموا نماذج مشرقة للتماسك والتعاون، وضرب مثلاً بالمثل الأفريقي الذي يقول: “إن الشجرة حين تميل تتكئ على أختها”. وكان راديو دبنقا قد تحدث إليه عبر مؤانسة أُقيمت على شرف زيارته لهولندا بأمستردام، وطرح عليه سؤال الدراما والدراميين ودورهم في زمن الحرب الصعب.

وقدم الأستاذ عفيف إسماعيل في حديثه لراديو دبنقا العديد من الأمثلة الإيجابية التي تجسد الإصرار والصمود ومواصلة العطاء حتى في أحلك الظروف كالحرب التي نشهدها الآن، مستشهداً بـ “ياسر علي”؛ أحد مؤسسي مجموعة “الجمام” المسرحية التي تأسست في بداية التسعينيات من القرن الماضي.

وأضاف عفيف أن ياسر علي عاد إلى مسقط رأسه بالحصاحيصا بعد شهر من بداية الحرب وكوّن مجموعة سماها “حجوة”، وكانت تتحرك بين رياض الأطفال والمدارس ومراكز الإيواء قبل دخول قوات الدعم السريع إلى الحصاحيصا والجزيرة؛ حيث توقف نشاطه حتى خروجهم من الجزيرة، ليعاود نشاطه المسرحي مجدداً وينتقل حالياً إلى “أم بدة” حيث يعيش ويواصل العطاء.

رحلات النزوح ومواصلة العطاء المسرحي

أما النموذج الثاني الذي استشهد به عفيف إسماعيل فهو “فرقة المختبر المسرحية” التي تأسست أيضاً في التسعينيات داخل مصحة كوبر لمساندة النزلاء، في وقت كان فيه العلاج بالموسيقى والدراما قيد التجريب. وكان على رأس الفرقة عادل علي الحسن مالك، الذي نزح بعد الحرب من الخرطوم إلى ود مدني، ومنها إلى كسلا بعد دخول الدعم السريع إلى مدني، حيث واصل نشاطه المسرحي في كسلا، وحين ضاق به الحال انتقل إلى القاهرة وظل فيها مواصلاً لنشاطه المسرحي.

والمثال الثالث الذي حكاه الأستاذ عفيف إسماعيل هو محمد أحمد الفيلابي، الذي خرج من الخرطوم بعد اندلاع الحرب عائداً إلى قريته “الجوير” بالولاية الشمالية، وواصل نشاطه هناك في المسرح والتوعية، ثم انتقل منها إلى بورتسودان حيث واصل نشاطه المسرحي والبيئي.

وأكد عفيف إسماعيل أن المسرح والمسرحيين لم يتوقفوا أبداً وظلوا يعملون وينتجون، وضرب أمثلة بالمبدعين والمسرحيين في الخارج، مثل الأستاذ يحيى فضل الله ومحمد كوبر اللذين أنتجا نصاً بعنوان “وسواس” كتبه الرشيد أحمد عيسى وتم عرضه في هاميلتون وتورنتو بكندا، واللذين استُضيفا لاحقاً في منتدى “قدامنا الصباح” الثقافي مع الناقد الأستاذ عبد الجبار عبد الله للحديث عن هذه التجربة الملهمة. واستشهد أيضاً بالأستاذ محمد تروس في هولندا، الذي ظل يقدم أعماله عبر منصات التواصل الاجتماعي منذ الفترة التي سبقت سقوط نظام البشير.

“مسرح الهامش” وتاريخ المقاومة السودانية

وأكد الأستاذ عفيف إسماعيل أن المسرح فعلُ مقاومة، مشيراً إلى أن تاريخ المسرح السوداني بدأ في زمن المستعمر لمقاومته وتأكيد الإحساس بالذات الوطنية، ثم تعاقبت الدكتاتوريات العسكرية على حكم السودان. وكان المسرح ينقسم منذ ذلك الوقت إلى قسمين: أحدهما موالٍ للسلطة تدعمه الدولة وتوفر له كل السبل، وهناك ما يُسمى بـ “مسرح الهامش” – قبل استيلاء السياسيين على هذا المصطلح على حد قوله. وأوضح أن مسرح الهامش هو المسرح الحقيقي والفاعل والمنتمي للناس، وأن غالبية الممثلين والممثلات الذين نراهم الآن في الساحة هم من خريجي مدارس الهامش.

وأكد عفيف إسماعيل أن فعل المقاومة في المسرح سيستمر ولن يتوقف، مشيراً إلى تجربة جائحة كورونا التي كشفت للناس إمكانية العمل الفني وخُلقت خلالها تجارب غنائية ومسرحية في كافة مناحي الفنون، وهو أمر ملهم يمكننا من مواصلة العمل في المسرح المقاوم على مستوى الشتات.

Welcome

Install
×