المكتبة الرئيسية في جامعة الخرطوم- وسائل التواصل

المكتبة الرئيسية في جامعة الخرطوم- وسائل التواصل

كمبالا 18 أغسطس 2026: راديو دبنقا

تسعى جامعة الخرطوم إلى استعادة نشاطها الحضوري بعد سنوات من الحرب والنزوح والتعليم عبر المنصات الإلكترونية، لكن طريق العودة يبدو محاطاً بتحديات تتجاوز مجرد تحديد موعد لفتح أبواب الجامعة، التي تُعد واحدة من أعرق مؤسسات التعليم العالي في السودان.

فبين معامل وقاعات تضررت، ورواتب فقدت جانباً كبيراً من قيمتها، وأساتذة تفرقت بهم مناطق النزوح وبلدان اللجوء، تطرح قرارات العودة أسئلة حول مدى جاهزية الجامعة، والقدرة الفعلية لأساتذتها وطلابها وموظفيها على استئناف نشاطهم بصورة مستقرة ومستدامة.

ويقول عضو اللجنة التسييرية للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم والأستاذ بكلية العلوم، الدكتور محمد أمين صديق، إن اللجنة لا تعارض مبدأ العودة إلى الدراسة الحضورية، بل ترى أن استعادة نشاط الجامعة هدف يتفق عليه الجميع، غير أن الخلاف يتمحور حول الشروط والطريقة التي تجعل هذه العودة ممكنة ومستدامة.

وأوضح، في مقابلة مع (راديو دبنقا)، أن الأساتذة لديهم رغبة حقيقية في العودة إلى الوطن والمشاركة في التدريس الحضوري، لكن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب واقع البنية التحتية داخل الجامعة، تجعل العودة صعبة، ومستحيلة عملياً بالنسبة لبعضهم في الوقت الحالي.

من الأول من أغسطس إلى 15 سبتمبر

وكانت إدارة الجامعة قد حددت في البداية الأول من أغسطس موعداً لمباشرة العمل الحضوري، كما اشترطت حضور الأساتذة العاملين بالمشاهرة إلى الجامعة قبل 30 يونيو الماضي لتجديد عقودهم.

وبحسب صديق، فإن الأساتذة الذين لم يتمكنوا من الحضور قبل الموعد المحدد لم تُجدد عقودهم، رغم أن عدم عودتهم لم يكن بسبب رفضهم مبدأ العودة، وإنما نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يمرون بها.

وبعد تحديد الأول من أغسطس موعداً لمباشرة العمل، عدلت الإدارة لاحقاً موعد استئناف الدراسة إلى 15 سبتمبر، وعزت ذلك إلى عدم جاهزية الداخليات لاستقبال الطلاب.

ويرى صديق أن تعديل الموعد يكشف أن قرار العودة الأول لم يستند إلى تقييم شامل للظروف الموضوعية داخل الجامعة، موضحاً أن التأجيل بسبب الداخليات يطرح تساؤلات حول مدى دراسة جاهزية بقية مرافق الجامعة قبل تحديد موعد العودة.

وأضاف أن قرارات العودة لم تُبنَ، بحسب تقييم اللجنة، على بيانات كافية عن واقع الجامعة، ولا أوضاع الأساتذة في مناطق النزوح وبلدان اللجوء، كما لم تراعِ بصورة كافية أوضاع الطلاب الموجودين داخل السودان وخارجه.

مهلة 45 يوماً

وفي موازاة تعديل موعد الدراسة، قال صديق إن بعض الكليات أصدرت تعميمات تمنح أعضاء هيئة التدريس مهلة 45 يوماً للعودة بعد الأول من أغسطس، رغم تغيير موعد استئناف الدراسة إلى 15 سبتمبر.

وأوضح أن بعض التعميمات تحدثت عن إجراءات قد تصل إلى إنهاء خدمة الأساتذة الذين لا يتمكنون من الحضور خلال المهلة، وهو ما أثار مخاوف داخل أوساط هيئة التدريس.

ويرى أن فرض مهلة محددة للعودة لا يمكن فصله عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأساتذة، خاصة أن بعضهم نزح داخل السودان، بينما استقر آخرون خارج البلاد خلال الحرب، كما أن العودة نفسها تحتاج إلى تكاليف سفر وسكن واستقرار لا تتوفر لدى الكثيرين.

معامل مدمرة وخدمات ناقصة

ولا تقتصر التحديات، بحسب اللجنة، على أوضاع الأساتذة، إذ لا تزال أجزاء واسعة من البنية التحتية للجامعة بحاجة إلى صيانة وتأهيل بعد الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب.

وأشار صديق إلى تعرض عدد من المعامل للتدمير الكامل، إلى جانب فقدان أجهزة ومعدات ومواد استهلاكية ضرورية للتدريس والبحث العلمي، بينما اقتصرت أعمال الصيانة على عدد محدود من القاعات.

وضرب مثالاً بكلية العلوم، موضحاً أن بها قاعتين كبيرتين، لم تتضرر إحداهما بصورة كبيرة، بينما تمت صيانة الأخرى إلى حد بعيد، لكن مشكلات الكهرباء والمياه والصرف الصحي ما تزال قائمة.

وقال إن الوضع نفسه ينطبق على عدد من المعامل، حيث لم تُعالج بصورة كافية مشكلة الأجهزة والمواد الاستهلاكية التي يعتمد عليها التدريس العملي، ما يطرح تساؤلات حول مدى إمكانية استئناف دراسة حضورية مكتملة في الوقت الراهن.

رواتب لا تكفي للمعيشة

وإلى جانب البنية التحتية، تمثل الأوضاع الاقتصادية لأعضاء هيئة التدريس أحد أكبر العوائق أمام العودة.

وقال صديق إن الرواتب تآكلت بصورة كبيرة بفعل التضخم، ولم تعد تفي بأبسط متطلبات الحياة، موضحاً أن رواتب عدد من العاملين تتراوح بين 130 و200 ألف جنيه سوداني، بينما لا يتجاوز راتب الأستاذ الجامعي في أفضل حالاته نحو 350 ألف جنيه.

وأضاف أن هذه المستويات من الأجور لا تكفي لتغطية تكاليف السكن والمواصلات والمعيشة، فضلاً عن تكاليف العودة من مناطق النزوح أو دول اللجوء.

وأشار إلى أن الجامعة أعلنت في يناير 2026 زيادات في الرواتب، لكنها اقتصرت على الأساتذة في الخدمة المستديمة، ولم تشمل العاملين بالمشاهرة والعقود السنوية.

ثلث القوة بالمشاهرة

ويكتسب ملف الأساتذة العاملين بالمشاهرة أهمية خاصة، إذ يقول صديق إنهم يمثلون نحو ثلث القوة العاملة في هيئة التدريس.

وأوضح أن هذه الفئة تضم عدداً من كبار الأساتذة الذين تعتمد عليهم الجامعة في التدريس والبحث العلمي وتصنيفها الأكاديمي، كما يسهمون في وضع المقررات واللوائح وتطوير العمل الأكاديمي، ويقدم بعضهم إسهامات لجامعات أخرى.

واعتبر أن استبعادهم من الزيادات التي أُقرت للأساتذة في الخدمة المستديمة يخلق شعوراً بالغبن والتهميش، رغم الدور الكبير الذي يقومون به في البحث العلمي والتدريس.

وحذر من أن استمرار التعامل مع هذه الفئة بالشروط الحالية قد يؤدي إلى فقدان الجامعة عدداً من كبار أساتذتها، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على العملية التعليمية والبحث العلمي والتصنيف الأكاديمي.

منازل مدمرة وتكاليف مرتفعة

وتزداد صعوبة العودة بالنسبة للأساتذة الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم خلال الحرب.

وقال صديق إن عدداً كبيراً من أعضاء هيئة التدريس تعرضت منازلهم للتدمير أو التخريب، وفقدوا أثاثهم وممتلكاتهم، ما يعني أن العودة لا تتطلب فقط تكلفة السفر، وإنما أيضاً إعادة تأهيل المنازل أو استئجار مساكن جديدة وتأثيثها بالحد الأدنى من الاحتياجات.

وأضاف أن الرواتب الحالية لا تمكن من يملك منزلاً مدمراً من إعادة تأهيله، كما لا تمكن من لا يملك مسكناً من استئجار منزل مناسب وتأثيثه.

وأشار إلى غياب مبادرة من إدارة الجامعة أو وزارة التعليم العالي تساعد الأساتذة على مقابلة هذه التكاليف، رغم استمرار مطالباتهم بهيكل راتبي يسمح لهم بالعودة والاستقرار.

كما أوضح أن تكلفة السفر نفسها باتت مرتفعة سواء بالنسبة للنازحين داخل السودان أو من استقروا خارج البلاد، في وقت يواجه فيه الأساتذة ظروفاً اقتصادية واجتماعية لا توفر لبعضهم حتى الحد الأدنى من تكلفة العودة.

وقف الإجازات

وبالتزامن مع قرارات العودة، أثار قرار إدارة الجامعة وقف جميع أنواع الإجازات انتقادات اللجنة التسييرية.

وقال صديق إن الإجازات السنوية والمرضية، وإجازات مرافقة الزوج أو الزوجة، والإجازة من دون مرتب، جميعها حقوق مقننة تحكمها لوائح واضحة.

واعتبر أن وقفها بصورة شاملة يمثل تجاوزاً للوائح المنظمة للعمل، ولا يراعي الظروف الموضوعية التي قد تدفع الأستاذ إلى تقديم طلب إجازة.

وأضاف أن المطلوب هو السماح بتقديم الطلبات والنظر في كل حالة وفق مبرراتها، بدلاً من وقف جميع أنواع الإجازات بصورة عامة.

ويرى صديق أن القرار لا يراعي أيضاً ما بذله الأساتذة خلال سنوات الحرب، حيث واصلوا التدريس عبر المنصات الإلكترونية وأسهموا في تخريج ثلاث دفعات متتالية وعقد ست دورات امتحانية.

هل وراء العودة أهداف سياسية؟

وحول ما يُثار بشأن ارتباط قرارات العودة بأهداف سياسية أكثر من استنادها إلى جاهزية الجامعة، قال صديق إن اللجنة تنظر أولاً إلى الوقائع والمعطيات الموجودة على الأرض.

وأوضح أن عدداً من المعامل دُمر، وأن بعض القاعات والخدمات الأساسية ما تزال بحاجة إلى تأهيل، في مقابل أوضاع اقتصادية صعبة يعيشها الأساتذة والطلاب، وتدني الرواتب، وتشتت منسوبي الجامعة بين مناطق النزوح وبلدان اللجوء.

واعتبر أن قرار العودة بصورته الحالية لا ينسجم مع هذه المعطيات، وقال إن القرارات ستظل نصوصاً على الورق ما لم توفر السكن والمعيشة والخدمات والأمان الذي يساعد على استقرار الأستاذ والطالب والموظف.

مستحقات وليست مطالب

وبالنسبة للجنة التسييرية، فإن ما تطالب به قبل إلزام أعضاء هيئة التدريس بالعودة لا يمثل، بحسب صديق، مجرد مطالب، وإنما مستحقات ضرورية لاستقرار العملية التعليمية.

ووضع في مقدمة هذه المستحقات توفير راتب مجزٍ يمكن الأستاذ من المعيشة والاستقرار، مؤكداً أن الأستاذ الذي لا يملك استقراراً اقتصادياً واجتماعياً لن يكون قادراً على أداء عمله بصورة طبيعية.

كما تشمل المطلوبات تأهيل القاعات والمعامل، وتوفير الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ومعالجة أوضاع السكن والمواصلات، إلى جانب تقديم مساعدة حقيقية لمن يحتاجون إلى العودة من مناطق النزوح أو من خارج السودان.

وأشار صديق إلى وجود مقترح لتوفير مرتب إسعافي يساعد الأساتذة في العودة والاستقرار داخل السودان، لكنه قال إن المقترح لم يُناقش مع إدارة الجامعة.

ثلاثة خطابات للإدارة

وفي محاولة لمعالجة هذه القضايا، قال صديق إن اللجنة التسييرية أعدت خطة تفصيلية لمطلوبات العودة واستئناف العمل، ورفعت خطاباً أول إلى مدير الجامعة، ثم ألحقته بخطاب ثان، لكنها لم تتلق رداً على أي منهما.

وأضاف أن اللجنة رفعت خطاباً ثالثاً تطلب فيه الجلوس مع مدير الجامعة والتفاكر حول القضايا المطروحة، أملاً في الوصول إلى صيغة تحقق استقرار العملية التعليمية واستقرار الجامعة ومنسوبيها.

وأكد أن الأساتذة شركاء أساسيون في العملية التعليمية، ولا يمكن التعامل معهم باعتبارهم مجرد منفذين لقرارات تصدر من الإدارة.

وقال إن الجامعة تقوم على الأستاذ والطالب والعامل والقاعات والمكتبات والمعامل، وإن غياب التناغم بين هذه المكونات يعرض استقرار العملية التعليمية للخطر.

ويربط عضو اللجنة التسيرية لأساتذة جامعة الخرطوم، جانباً آخر من الأزمة بطريقة اتخاذ القرارات داخل الجامعة، مشيراً إلى أن القرارات المتعلقة بالعملية التعليمية ينبغي أن تبدأ من الأقسام الأكاديمية، باعتبارها الأعرف بطلابها واحتياجاتها الحقيقية من الأساتذة والمعامل ومتطلبات جاهزيتها.

وأوضح أن القرارات يفترض أن تنتقل بعد ذلك إلى مجالس الكليات، ثم إلى مجلس الأساتذة، الذي يمثل، بحسب قوله، ركناً أساسياً في كل ما يتعلق بالعملية التعليمية وإجازة اللوائح والسياسات ومنح الدرجات العلمية.

لكنه قال إن إدارة الجامعة اختزلت خلال الفترة الماضية دور مجالس الأقسام والكليات في بعض الجوانب المرتبطة بإجازة الامتحانات، بينما تراجع دورها في رسم السياسات العامة المتعلقة بالعملية التعليمية.

كما تحدث عن تغييب دور مجلس الأساتذة بصورة وصفها بأنها لافتة، رغم أهميته في إدارة الشؤون الأكاديمية واتخاذ القرارات المتعلقة بالدراسة.

العودة هدف مشترك

ورغم الانتقادات، أكد صديق أن اللجنة لا تقف ضد عودة الجامعة إلى نشاطها الحضوري، بل تعتبرها هدفاً تتفق فيه مع إدارة الجامعة.

وأوضح أن الخلاف ينحصر في الطريقة التي يتم بها تحقيق هذا الهدف، مشدداً على أن العودة لا يمكن أن تتحقق بصورة حقيقية إذا لم تُهيأ القاعات والمعامل، ويُوفر راتب يسمح للأساتذة بالاستقرار، وتُعالج أوضاع السكن والتنقل، ويُشرك الأساتذة ومجالسهم الأكاديمية في اتخاذ القرار.

وحذر من أن الإصرار على شروط العودة الحالية قد يؤدي إلى فقدان عدد كبير من الأساتذة، سواء العاملين في الخدمة المستديمة أو بالمشاهرة، مؤكداً أن عدم تمكن بعضهم من الحضور لا يعني عدم رغبتهم في العودة، وإنما يرتبط باستحالة تلبية المتطلبات في ظل ظروفهم الحالية.

وبينما يبقى 15 سبتمبر هو الموعد المعلن لاستئناف الدراسة الحضورية، ترى اللجنة التسييرية أن نجاح عودة جامعة الخرطوم لن يقاس بمجرد فتح أبوابها، وإنما بقدرتها على إعادة بناء البيئة الأكاديمية وتوفير الحد الأدنى من شروط الاستقرار للأستاذ والطالب والعامل، بما يجعل استئناف الدراسة عودة حقيقية وقابلة للاستمرار، لا مجرد قرار يصعب تطبيقه على أرض الواقع.

Welcome

Install
×