هيومن رايتس ووتش: الأمن السوداني يواصل احتجاز مواطنين على أساس إثني
البرهان محاطا بالجنود خلال زيارته لشندي بولاية نهر النيل يوم السبت 17 فبراير 2024 - وكالة السودان للانباؤ
أمستردام، 8 أبريل 2026 – راديو دبنقا
قالت “هيومن رايتس ووتش” أمس إن القوات الأمنية والعسكرية المرتبطة بـ”القوات المسلحة السودانية” أقدمت على احتجاز مدنيين تعسفيًا وتعذيبهم وإساءة معاملتهم بطرق أخرى في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وحرمتهم من حقوقهم في محاكمة عادلة.
وأوضحت، في تقرير اطّلع عليه راديو دبنقا، أن قوات الأمن والجيش احتجزت مدنيين بزعم تعاونهم مع “قوات الدعم السريع”، التي تقاتل الجيش، لا سيما في المناطق التي استعاد الجيش السيطرة عليها، وغالبًا ما كان ذلك بناءً فقط على هويتهم الإثنية، أو انتمائهم السياسي الحقيقي أو المتصور، أو عملهم الإنساني. وأكدت أن الحرمان غير القانوني من الحرية وسوء المعاملة والتعذيب ضد المدنيين قد يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
قال محمد عثمان، وهو باحث السودان في “هيومن رايتس ووتش”:
“شنت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها حملة ترهيب وانتقام ضد أشخاص يصفونهم بالمتعاونين، بسبب هويتهم أو عملهم الإنساني أو نشاطهم السياسي، أو لمجرد أنهم عاشوا تحت سيطرة قوات الدعم السريع. ترسم روايات المعتقلين السابقين وأقاربهم ومحاميهم صورة قاتمة لانتهاكات تعسفية يشجعها مناخ الإفلات من العقاب“.
وفيات تحت التعذيب
وجدت “هيومن رايتس ووتش” أن قوات الجيش السوداني وتلك المرتبطة به احتجزت المعتقلين بمعزل عن العالم، ما قيّد حصول العائلات على معلومات عن ذويها وقدرتها على التواصل معهم، وفي بعض الحالات أخفت أشخاصًا قسرًا. كما أن رقابة النيابة العامة والقضاء غير كافية، ولا يحصل المعتقلون على مشورة قانونية أو يحصلون عليها بشكل محدود.
وقالت المنظمة إنها أُبلغت بوقوع حالتي وفاة على الأقل جراء التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز. ويُفترض أن السلطات مسؤولة عن الوفيات أثناء الاحتجاز، ما يلزمها بإجراء تحقيقات سريعة ونزيهة وفعالة.
أجرت “هيومن رايتس ووتش” مقابلات مع 28 شخصًا، بينهم سبعة محتجزين سابقين، وتسعة من أقارب المحتجزين، و11 محاميًا وناشطًا، وعنصر في قوات الأمن، وذلك بين يونيو 2025 وفبراير 2026. ورووا الانتهاكات التي تعرض لها الرجال والنساء المحتجزون من قبل القوات المسلحة السودانية والجهات التابعة لها في المناطق التي يسيطر عليها الجيش أو التي استعادها منذ عام 2024، بما في ذلك ولايات الخرطوم، والجزيرة، والقضارف، والبحر الأحمر، والشمالية.
ردود حكومية
قالت “هيومن رايتس ووتش” إنها راسلت مكتب رئيس “مجلس السيادة الانتقالي” ومكتب النائب العام في 18 مارس بشأن النتائج التي خلصت إليها، وقد ردّ كلا المكتبين في 2 أبريل.
وفي ردها، رفضت النائب العام الادعاءات المتعلقة بالاعتقالات التعسفية والوفيات أثناء الاحتجاز، باستثناء حالة واحدة أقرت فيها بأن الإجراءات الجنائية جارية، لكنها لم تقدم تفاصيل عن المتهمين.
ورغم أن التقارير تشير إلى تراجع بعض الانتهاكات، فإن الاحتجاز التعسفي لا يزال مستمرًا في ظل ضعف الرقابة من النيابة العامة أو القضاء.
انتهاكات الخلايا الأمنية
قال الذين أُجريت معهم مقابلات من قبل فريق “هيومن رايتس ووتش” إن قوات متعددة منظمة ضمن ما يُعرف بـ”الخلايا الأمنية” متورطة في عمليات احتجاز غير قانونية. وتشمل هذه الخلايا “جهاز المخابرات العامة”، و”الاستخبارات العسكرية”، وأحيانًا ميليشيا مرتبطة بالجيش تُعرف بـ”كتيبة البراء بن مالك”.
وقال شرطي أُدمج في خلية أمنية في أم درمان، وهي جزء من منطقة الخرطوم الكبرى، إنه في أبريل 2025 شاهد زملاءه يسيئون معاملة امرأة متهمين إياها بالتعاون مع قوات الدعم السريع:
“توجهنا في ثلاث سيارات إلى منزلها. اقتحم رجلان من كتيبة البراء بن مالك المنزل وهما مسلحان، وسرعان ما أخرجاها نصف عارية وهم يضربونها ويصفعونها على وجهها، قبل أن يلقوا بها في مؤخرة إحدى شاحناتنا الصغيرة”.
احتجاز نساء
وثّقت منظمات حقوقية أيضًا احتجاز مئات النساء بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع بناءً على إثنيتهن أو مكان إقامتهن، حيث حُكم على 25 منهن على الأقل بالإعدام.
في يناير 2026، زار القائد العسكري عبد الفتاح البرهان سجن النساء في أم درمان، وأمر بالإفراج عن 400 امرأة، من بينهن بعض المتهمات بالتعاون مع جهات معادية، وأصدر تعليمات بمراجعة أوضاع قضايا المحتجزات. ومع ذلك، قال محامون ومراقبون إن العديد من النساء لا يزلن محتجزات دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة.
هربت امرأة تبلغ من العمر 35 عامًا مع شقيقيها إلى بورتسودان من ولاية الجزيرة، التي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع في أواخر فبراير 2024. واحتجزتهم عناصر خلية أمنية في بورتسودان متهمين إياهم بالتعاون مع العدو. قالت المرأة:
“ضُربتُ في كل مكان رغم توسلاتي بأنني مصابة بالسكري. استمروا في ضربي وصفعي بالعصي والسياط وإهانتي. شعرت بإهانة شديدة، وكأنني لم أعد إنسانة. ضربوني حتى تبرزت على نفسي دون إرادتي”.
أُفرج عنها بعد أسبوع دون توجيه تهمة، وغادرت البلاد.
احتجاز في منشآت عسكرية ومنازل
قال محتجزون سابقون ومحامون إن الخلايا الأمنية، وكذلك الاستخبارات العسكرية، احتجزت أشخاصًا بشكل غير قانوني في منشآت عسكرية، بما فيها قواعد عسكرية، وكذلك في منازل حُوّلت إلى مواقع احتجاز.
ونفت النائب العام هذه الادعاءات، مؤكدة أن المحتجزين لا يُحتجزون إلا في مراكز الشرطة أو السجون، ويخضعون لزيارات منتظمة من النيابة العامة.
ومن الحالات الحديثة، شاب يبلغ 25 عامًا اعتُقل من منزله في فبراير 2026 ثم أُخفي قسرًا. وقال شقيقه:
“دخلوا المنزل وبدأوا بضربه بشدة متهمين إياه بالتعاون. سألناهم إلى أين يأخذونه، لكنهم رفضوا الإجابة. قال أحدهم: من الأفضل أن تمضي في طريقك؛ أخوك لن يعود”.
وأضاف أنه يعتقد أن السبب هو مشاركته في احتجاجات عام 2021. وحتى 9 مارس، لا يزال مصيره مجهولًا.
استهداف على اساس الهوية
استهدف الجيش أفرادًا بناءً على هويتهم، خاصة القادمين من دارفور، إذ يُنظر إليهم كمتعاونين محتملين. وقال أحد المحتجزين إن عناصر خلية أمنية ضربوه مع آخرين قائلين:
“أنتم الدارفوريون مثيرو شغب، جلبتم الحرب إلينا”.
كما استُهدف عاملون في المجتمع المدني، بمن فيهم العاملون في الإغاثة، واتُّهموا بالتعاون مع جهات معادية.
مطالبات
دعت المنظمة مكتب النائب العام إلى التعاون مع السلطة القضائية، والإفراج الفوري عن جميع المحتجزين بشكل غير قانوني، والسماح للمراقبين المستقلين بالوصول إلى مواقع الاحتجاز.
ومع اقتراب 15 أبريل، الذي يصادف مرور ثلاث سنوات على اندلاع النزاع، دعت إلى منح وصول كامل وغير مقيد للبعثات الدولية لتقصي الحقائق.
كما دعت الجهات الدولية والإقليمية إلى الضغط على القيادة العسكرية لإنهاء الاحتجاز التعسفي وضمان احترام الإجراءات القانونية.
وفي أواخر فبراير، شكّلت المملكة المتحدة وإيرلندا والنرويج وألمانيا وهولندا تحالفًا لمنع الفظائع في السودان.
وقال عثمان:
“ينبغي للسلطات إنهاء الاحتجاز التعسفي وتقديم التعويض للمعتقلين وأسرهم، وعلى الجهات الدولية أن تؤكد أن هذه الانتهاكات لن تمر دون محاسبة”.


and then