تقرير: الحظر الإماراتي الجوي والبحري على السودان تسبب في صدمة اقتصادية

المصدر:تقرير المركز السودان للشفافية والسياسات

المصدر:تقرير المركز السودان للشفافية والسياسات

أمستردام- 8 أبريل 2026-راديو دبنقا

قال المرصد السوداني للشفافية والسياسات إن تعرض السودان لصدمة اقتصادية مباشرة وقاسية في أغسطس 2025. تمثلت هذه الصدمة في فرض دولة الإمارات العربية المتحدة حظراً جوياً وبحرياً شاملاً على بورتسودان، العاصمة الفعلية والمركز التجاري الرئيسي للبلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وأوضح المركز في تقرير له صدر أمس أعده الباحث محمد صلاح عبدالرحمن واطلع عليه راديو دبنقا أدى هذا الحظر إلى محاصرة سوق الوقود والسلع الاستهلاكية الاستراتيجية في السودان بين فكي الجغرافيا السياسية الإقليمية واقتصاد الحرب الداخلي.

جذور القطيعة الدبلوماسية والاقتصادية

بدأ التصعيد في مايو 2025 عندما قطع السودان علاقاته الدبلوماسية مع الإمارات، متهماً إياها رسمياً بدعم قوات الدعم السريع عسكرياً ومالياً، وهو ما نفته أبوظبي باستمرار. وقد أعقب ذلك لجوء السودان إلى محكمة العدل الدولية. ورداً على ذلك، اتخذت الإمارات في أغسطس 2025 قرارات حاسمة بوقف جميع الرحلات الجوية (الركاب والشحن) من وإلى السودان، ومنع السفن التي ترفع العلم الإماراتي أو تلك التي تمر عبر الموانئ الإماراتية من التعامل مع بورتسودان. وكان الهدف الاستراتيجي من هذا الحظر، وفقاً للمحللين، هو خنق الموارد المالية لحكومة الأمر الواقع السودانية، وتحديداً عائدات تصدير الذهب والنفط.

التداعيات الاقتصادية والإنسانية الشاملة

أحدث الحظر الإماراتي صدمة عنيفة للاقتصاد السوداني، الذي كان يعتمد بشكل شبه كلي على الإمارات كأكبر شريك تجاري ومركز لوجستي لإعادة التصدير في عام 2024. وقد برزت التداعيات في عدة مسارات:

  • ارتفاع تكاليف الشحن والزمن:  اضطر المستوردون والمصدرون إلى استخدام طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة (مثل موانئ عُمان، وجدة، ومصر)، مما زاد من تكاليف النقل بنسب تتراوح بين 15% إلى 70%.
  • انهيار العملة المحلية: تسبب تراجع عائدات التصدير في أزمة نقد أجنبي حادة، مما أدى إلى تسارع وتيرة انهيار الجنيه السوداني، لينخفض من 2,650 جنيهاً للدولار قبل الحظر إلى 3,500 جنيه في غضون شهر واحد.
  • تفاقم الأزمة الإنسانية: أدت تكاليف الشحن المرتفعة وضعف العملة إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الغذائية المستوردة والأدوية، مما زاد من حدة انعدام الأمن الغذائي في بلد يعيش بالفعل أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

تأثير الحظر على القطاعات الحيوية

1. قطاع الذهب (شريان العملة الصعبة):

أصبح الذهب هو المورد الأساسي للعملة الأجنبية في السودان بعد تراجع الصادرات الزراعية بسبب الحرب (بلغ الإنتاج 64-80 طناً في 2024). وكانت الإمارات تستحوذ على 96.8% من الصادرات الرسمية. أدى إغلاق سوق دبي إلى تعطيل الصادرات الرسمية، وحرمان السودان من استيراد مدخلات التعدين الأساسية. ونتيجة لذلك، تم دفع التجار نحو القنوات غير الرسمية، مما أدى إلى زيادة كبيرة في عمليات التهريب عبر الحدود (مثل مصر وإريتريا).

2. قطاع النفط والوقود:

في عام 2024، استورد السودان 84.1% من إمداداته البترولية من الإمارات. وقد هدد انقطاع هذه الإمدادات الاستهلاك المدني والعمليات العسكرية على حد سواء. بالتزامن مع ذلك، استهدفت قوات الدعم السريع حقول النفط في “هجليج” (المنطقة الوحيدة العاملة منذ بدء الحرب). على الجانب الآخر، تضررت الإمارات أيضاً بخسارة النفط الخام السوداني الذي كان يُكرر في الفجيرة، مما رفع أسعار الوقود البحري هناك بنسبة 15%.

3.استثناء القطاع المصرفي

على الرغم من القطيعة الشاملة، ظل القطاع المصرفي بمنأى عن الحظر. يعود ذلك إلى الاعتماد التاريخي للشركات السودانية على النظام المصرفي الإماراتي والدرهم لتجاوز العقوبات الأمريكية السابقة (1997-2020). وقد أدرك الطرفان أن تمديد الحظر ليشمل البنوك كان سيؤدي إلى شلل تام للقطاعين العام والخاص والعمليات الإنسانية في السودان.

الاستجابة الحكومية: سياسات متخبطة

حاولت الحكومة السودانية التخفيف من آثار الحظر عبر البحث عن أسواق بديلة في مصر وقطر وآسيا. ومع ذلك، اتخذت لجنة الطوارئ الاقتصادية قرارات أثبتت فشلها، أبرزها:

  • احتكار تصدير الذهب: أعادت الحكومة في أغسطس 2025 منح البنك المركزي حق احتكار تصدير الذهب (منشور 14/2025) وإلزام التجار بالبيع بالسعر الرسمي الأقل من السوق الموازية، مع تجريم حيازة الذهب دون وثائق.
  • النتائج العكسية: أدى هذا القرار إلى توقف شبه كامل للصادرات الرسمية وتشجيع التهريب. تاريخياً، تسببت سياسات مشابهة (بين 2012 و 2018) في تهريب 200 طن من الذهب وخسارة 4.11 مليار دولار.
  • التراجع: تحت ضغط الشركات، أقيل محافظ البنك المركزي، وتم التراجع عن هذه القيود في نوفمبر 2025، ليعود السماح للقطاع الخاص بالتصدير.

مخاوف

يؤكد التقرير أن استخدام نقاط الاختناق الاقتصادية والقيود التجارية في ظل انهيار مؤسسات الدولة واقتصاد الحرب لا يؤدي إلى تقليص النشاط التجاري، بل يعيد توجيهه نحو الشبكات العسكرية وغير الرسمية والتهريب. لقد كشفت الأزمة عن الضعف الهيكلي الخطير للاقتصاد السوداني المتمثل في الاعتماد المفرط على شريك تجاري واحد (الإمارات). وعليه، فإن استعادة الاستقرار تتطلب إطاراً اقتصادياً كلياً متماسكاً، وتنويعاً حقيقياً للعلاقات التجارية الإقليمية لتقليل التبعية وتخفيف حدة الصدمات الخارجية.

Welcome

Install
×