من قلب المعاناة… الصحافة السودانية تحصد الجائزة الدولية لحرية الصحافة
أثناء تسلم جائرة اليونسكو لحرية الصحافة التي فازت بها نقابة الصحفيين السودانيين يوم 4 مايو ويظهر في الصورة المدير العام لليونسكو خالد العناني ويتسلم الجائزة الصحفي حريكة- راديو دبنقا
باريس: 5 مايو 2026: راديو دبنقا
في لحظة امتزجت فيها مشاعر الفخر بعظمة المسؤولية، تسلّمت نقابة الصحفيين السودانيين جائزة اليونسكو لحرية الصحافة للعام 2026م، أمس الاثنين خلال احتفالٍ بالعاصمة الفرنسية باريس، شهد حضورًا لافتًا لصحفيين سودانيين توافدوا من مختلف الدول الأوروبية، اجتمعوا في مناسبة حملت طابعًا تضامنيًا بقدر ما كان احتفاليًا، في ظل واحدة من أقسى الفترات التي تمر بها الصحافة في السودان.
الجائزة، التي تسلمها نيابةً عن النقابة كلٌّ من الصحفية نبع الألماظ ومحمد موسى حريكة، لم تكن مجرد تكريم مهني، بل تحوّلت إلى منصة لسرد معاناة الصحفيين السودانيين، الذين يواصلون عملهم تحت وطأة الحرب والانتهاكات والتشريد.
تكريم في وجه الخطر
في كلمته خلال حفل التكريم، قال رئيس نقابة الصحفيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، إن هذا التكريم يأتي في وقتٍ لم تعد فيه الصحافة مجرد مهنة، بل مخاطرة يومية قد تُكلّف الحياة. وأشار إلى أن ما دفعه الصحفيون في السودان من ثمن لم يكن أقل قسوة، مؤكدًا أن الحقيقة، رغم كل شيء، لا تموت. وكشف أبو إدريس عن توثيق النقابة لأكثر من 680 انتهاكًا بحق الصحفيين منذ اندلاع الحرب، بينها مقتل 34 صحفيًا، من بينهم خمس صحفيات، معتبرًا أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل شهادات حية على كلفة نقل الحقيقة في بيئة معادية لها.

تجربة ديمقراطية في بيئة معادية
وشدد أبو إدريس على أن النقابة تمثل تجربة ديمقراطية نادرة في تاريخ السودان الحديث، باعتبارها أول جسم مهني منتخب بعد ثورة ديسمبر، رغم تعقيدات المشهد السياسي الذي أعقبها، من انقلاب عسكري إلى حرب أهلية، وفي بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من ضمانات العمل النقابي وحرية التنظيم. وأشار إلى أن هذه التجربة، التي حظيت بعرض أمام مجلس الأمن الدولي، واجهت منذ بداياتها عراقيل غير مسبوقة، من بينها رفض السلطات تسجيل النقابة رغم انتخابها عبر عملية حرة ونزيهة بإشراف دولي، في خطوة عكست — بحسب قوله — حجم القيود المفروضة على حرية التنظيم حتى قبل اندلاع الحرب. وأوضح أبو إدريس أن النقابة لا تزال تواجه تحديات قاسية، أبرزها تشريد أعضائها، وانهيار بيئة العمل الصحفي، وغياب آليات الحماية، في ظل تصاعد الانتهاكات المباشرة ضد الصحفيين دون مساءلة.
دعوة لتضامن دولي مع الصحفيين
ورغم هذه الظروف، أكد أن الصحفيين السودانيين يواصلون أداء دورهم، ليس فقط كناقلين للأحداث، بل كمدافعين عن الحق في المعرفة، وعن قيم العدالة والسلام، مشيرًا إلى أن الجائزة تمثل “مسؤولية إضافية” قبل أن تكون تكريمًا. وجدد دعوته إلى تضامن دولي يتجاوز بيانات الإدانة إلى خطوات عملية، تشمل محاسبة مرتكبي الانتهاكات، ودعم الجهود الرامية للإفراج عن المعتقلين وكشف مصير المفقودين، مؤكدًا أن حماية الصحفيين “ليست مسؤولية وطنية فحسب، بل التزام دولي مشترك”. كما شدد على أهمية تعزيز التعاون مع المنظمات والاتحادات الصحفية الإقليمية والدولية لتطوير آليات فعالة للرصد والحماية، بما يمكّن الصحفيين من أداء عملهم بأمان، ويعزز دور الصحافة كأداة لبناء السلام.
وقال إن الجائزة بمثابة إهداء لكل من دفع ثمن الكلمة، ولكل من لا يزال متمسكًا بها، مؤكدًا أن هذا التكريم يمثل نقطة انطلاق نحو التزام أعمق ببقاء الصحافة السودانية حرة ومهنية.
الجائزة لمن بقوا، ولمن رحلوا
من جانبها، قالت الصحفية نبع الألماظ، التي تسلمت الجائزة نيابة عن النقابة، إنها تهدي التكريم للصحفيين الذين يعملون في ظروف الحرب، وللمعتقلين والمفقودين، مشيرة إلى أن شعورها ممزوج بالفخر والمسؤولية تجاه زملائها الذين يواصلون العمل في ظروف مأساوية.
أما الصحفي محمد موسى حريكة، فاعتبر أن الجائزة تمثل تقديرًا مستحقًا في ظل التشريد والقتل والاختفاء القسري، مضيفًا أنها تسلط الضوء على معاناة الصحفيين، وقد تشكل دافعًا للأجيال القادمة لمواصلة طريق الصحافة الحرة المسؤولة.
صحافة في المنفى، وصوت لا ينكسر
وشكّل الاحتفال أيضًا مساحة للقاء صحفيين سودانيين قدموا من دول أوروبية مختلفة. فقد وصف الصحفي محمد سليمان، القادم من بلجيكا، الجائزة بأنها تتويج لجهود الدفاع عن حرية التعبير، بينما رأى منصور الصويم، مدير تحرير “الجبراكة نيوز”، أن ما تحقق هو فخر لكل الصحفيين السودانيين الذين واصلوا أداء مهامهم رغم الظروف القاسية داخل وخارج البلاد.
وأجمع عدد من الصحفيين المشاركين في الحفل على أن الجائزة تتجاوز كونها تكريمًا رمزيًا. واعتبرها رئيس تحرير “سودان تريبيون”، محمد ناجي، اعترافًا بحق الصحفيين في الحياة كمدافعين عن حقوق الإنسان، بينما قال الصحفي محمد عبد الحميد إن الجائزة تضع على عاتق الصحفيين مسؤولية إضافية، خاصة في ظل ما يمكن أن تجلبه من اهتمام دولي بقضايا السودان.
وفي السياق ذاته، شدد الصحفي جعفر السبكي على ضرورة أن يتحول هذا التكريم إلى ضغط دولي لحماية الصحفيين داخل السودان، بينما دعا الصحفي محمد الأسباط إلى تعزيز الجهود لتوفير بيئة عمل آمنة، خصوصًا لأولئك الذين يعملون في مناطق النزاع.

تكريم وجائزة مالية
من جهته، قال خالد العناني، المدير العام لليونسكو، خلال مخاطبته حفل توزيع جائزة اليونسكو غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة لعام 2026، إن الجائزة تكريم للصحفيين الذين يدافعون عن هذه القيمة في البيئات الخطرة.
وأوضح أن الجائزة تُمنح سنويًا في اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 مايو)، احتفاءً بالعمل الحيوي الذي يقوم به الصحفيون في جميع أنحاء العالم، تكريمًا لإرث غييرمو كانو، الصحفي الكولومبي ورئيس تحرير صحيفة “إل إسبكتادور”، الذي اغتيل عام 1986 لالتزامه النزاهة الصحفية والتقارير المستقلة والدفاع عن حرية الصحافة والتفاني في سبيل السلام.
وأشار إلى أن الجائزة تُمنح للأفراد أو المنظمات التي تقدم إسهامات بارزة في الدفاع عن حرية الصحافة وتعزيزها، لا سيما في مواجهة الخطر، بدعم من مؤسسات مختلفة وعائلة كانو إيزازا.
وأكد أن جائزة هذا العام 2026 مُنحت لنقابة الصحفيين السودانيين وأعضائها لعملهم الجوهري في خضم الصراع الدائر في السودان، وتشمل إسهاماتهم ضمان استمرار تغطية الحرب، وتوثيق الاعتداءات على الصحفيين، ودعم المحتاجين رغم النزوح والمعاناة الإنسانية الهائلة.
وأكد أن الجائزة تتضمن شهادة تقدير ومبلغًا قدره 25,000 دولار أمريكي.
من جانبها، قالت روان الضامن، عضو لجنة الترشيح للجائزة، في كلمة خلال الحفل، إن الصحفيين في السودان يعملون في ظل انهيار تام وانعدام المساءلة، حتى مع قيام الجناة بتصوير جرائمهم.
وأوضحت أن الصحفيين يواجهون انقطاعات في الاتصالات، ويستخدمون صور الأقمار الصناعية لحماية عائلاتهم، ويكافحون دورة إعلامية عالمية تتجاهل قصتهم إلى حد كبير.
وأكدت أن الصحفيين يعملون سرًا، ويهربون مقاطع الفيديو، ويوثقون عمل متطوعين شجعان لمنع طمس هوية السودان.
وأشارت إلى أن الصحفيين كشفوا الإبادة الجماعية في الفاشر والعنف القائم على النوع الاجتماعي والجشع الأجنبي.
بين التكريم والمأساة
رغم أجواء الاحتفال، ظل الحاضرون يدركون أن الجائزة تأتي في سياق مأساوي، حيث ما يزال صحفيون خلف القضبان، وآخرون في عداد المفقودين، بينما يعمل كثيرون من المنافي في محاولة لإبقاء صوت الحقيقة حاضرًا.
وبينما تُرفع الجائزة في قاعات التكريم الدولية، تبقى في السودان قصص لم تُروَ بعد، قصص صحفيين يدفعون ثمن الكلمة، ويصرّون، رغم كل شيء، على أن تظل الحقيقة حية.


and then