السودان وقرار الكونغرس الأمريكي:بين الاحتفاء الدبلوماسي الرسمي وأجندة إدارة الأزمة!!

United States Capitol Building in Whashington DC with Flag on a bright sunny day with blue sky

أمستردام :17 مايو 2026 :راديو دبنقا
تقرير – أشرف عبدالعزيز
يحمل مشروع القرار رقم 1179 الذي تبنته لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي أبعاداً سياسية وإنسانية بالغة الحساسية والتعقيد بالنظر إلى توقيت صدوره وسياقه الزمني الذي يأتي بعد ثلاث سنوات من الاقتتال الدامي في السودان ويسلط هذا التحرك التشريعي الضوء على تنامي القلق الدولي حيال المأساة الإنسانية التي تصنف اليوم الأكبر عالمياً، مديناً الانتهاكات الفظيعة التي وصلت إلى حد التوصيف القانوني كإبادة جماعية وتطهير عرقي ارتكبته قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ضد المجموعات غير العربية في إقليم دارفور ومع أن هذا التوجه يمثل أداة ضغط دبلوماسي متقدمة في المحافل الدولية إلا أن التعاطي معه في المشهد السوداني انقسم بوضوح بين ترحيب رسمي وجد فيه مكسباً سياسياً وبين رؤية تحليلية ناقدة تفكك أهداف الإدارة الأمريكية وتشكك في جدية آليات المعالجة المقترحة ومصالح القوى الدولية الفاعلة.

المطالبة بالحسم:

جاء رد فعل وزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية مرحبًا ومستثمرًا في بنود القرار حيث اعتبرت الموقف الأمريكي خطوة إيجابية تدعم جهود حماية المدنيين وتؤكد على سيادة السودان ووحدة أراضيه ويمثل التركيز الأمريكي على إدانة قوات الدعم السريع والاعتراف بارتكابها إبادة جماعية مكسبًا دبلوماسيًا للحكومة السودانية التي سارعت إلى تجديد استعدادها للتعاون مع الإدارة الأمريكية والشركاء الدوليين غير المتورطين في دعم التمرد بهدف إنهاء الحرب ومحاسبة الجناة.

وقد سعت الخارجية السودانية من خلال بيانها إلى تحويل الدعم اللفظي في القرار إلى خطوات إجرائية ملموسة عبر المطالبة الصريحة بتصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية معتبرة أن هذا التصنيف هو السبيل الأنجع لتحييد القوى الإقليمية الدولية التي تمد الميليشيا بالسلاح والتمويل والغطاء السياسي كما شددت الوزارة على أن غاية حكومة الأمل هي بناء سودان ديمقراطي مستقر يحافظ على السلام والتماسك الاجتماعي.

رؤية نقدية تفكيك أبعاد القرار ومصالح الإدارة الأمريكية:

في مقابل الترحيب الحكومي يقدم الكاتب والمحلل السياسي قرشي عوض قراءة مغايرة وأكثر عمقًا لطبيعة القرار الأمريكي والتحركات الدولية مشيرًا إلى أن القرار لا يحمل جديدًا حقيقيًا في متنه سوى تكرار الأرقام والتوثيقات المعروفة سلفًا للانتهاكات والنزوح والمساعدات ويرى عوض أن القرار يتضمن ثغرات وتناقضات جوهرية تحول دون كونه مشروعًا حقيقيًا للحل بل أداة لإدارة الأزمة وتوجيهها.

وينتقد عوض في تحليله عدة نقاط أساسية تبدأ من توصيف النزاع ذاته حيث يرفض إطلاق مصطلح الحرب الأهلية على ما يحدث في السودان مؤكدًا أن الحرب تظل صراعًا بين مجموعات سياسية وعسكرية تسعى لاقتسام السلطة والثروة وخصوصًا معدن الذهب وأن المجتمع السوداني بقبائله وتاريخ تعايشه الطويل لم يستقطب بالكامل خلف طرفي النزاع مستشهدًا بعدم انحياز كامل سكان كردفان للدعم السريع أو سكان الجزيرة وسنار للجيش.

كما يسلط المحلل الضوء على ما يصفه بالتجنب الأمريكي المتعمد للإشارة بوضوح إلى الجهات الخارجية الإقليمية التي تغذي الحرب وتمولها مؤكدًا أن الحل الحقيقي يكمن في فرض عقوبات صارمة على الممولين وبشكل خاص دولة الإمارات العربية المتحدة لإجبارها على وقف دعم الدعم السريع بدلاً من الاكتفاء بالدعوات العامة لإنهاء الدعم المادي.

وفيما يتعلق بالمسار السياسي يشير عوض إلى أن القرار تجنب بوضوح المطالبة بحكم مدني ديمقراطي انتقالي صريح واستعاض عنه بعبارة حكم شفاف وهي صياغة فضفاضة قد تفتح الباب لشراكة جديدة بين العسكريين والمدنيين وهو ما يرفضه الشعب السوداني الذي ثار في 2019 ضد الحكم العسكري بكافة أشكاله.

وينتهي التحليل إلى أن التحرك الأمريكي الحالي نحو التدخل وترتيب الأزمة لا ينبع من رغبة مبدئية في إحلال السلام بقدر ما هو استجابة لمخاوف استراتيجية من تحول السودان إلى أرض خلاء ودولة ضعيفة تفتح الباب للتنافس الدولي وتنشط فيها جماعات الإرهاب وعصابات المخدرات على شواطئ أهم الممرات المائية في العالم فضلاً عن ارتباط الإستراتيجية الأمريكية بإعادة ترتيب المنطقة بما يضمن أمن إسرائيل ومحيطها الجغرافي.

Welcome

Install
×