في دول اللجوء صدمات الحرب تطارد الاطفال السودانيين!
اطفال فارون مع اسرهم من الفاشر تقطعت بهم السبل وهدهم التعب والارهاق الشديد على الطريق بحثا عن مكان امن : وسائل التواصل الاجتماعي
كمبالا: 22 يناير 2026: راديو دبنقا
تقرير: عبد المنعم مادبو
خلال أيام الانتخابات العامة الأوغندية، لم يكن تحليق طائرات التأمين في سماء العاصمة كمبالا حدثًا عابراً بالنسبة لكثير من اللاجئين السودانيين الأطفال والنساء، بل شكل محفزاً مباشرا لاستدعاء صدمات الحرب التي لم تندمل بعد.
فمع تكرار أصوات الطائرات في سماء المدينة على مدى ثلاثة أيام متتالية، استعاد بعض الاطفال والنساء السودانيين المشاهد التي عاشوها اثناء قصف الطائرات الحربية مدنهم. بالنسبة لهم، لم يكن تحليق تلك الطائرات في سماء كمبالا لتحقيق الأمان، انما كان مصدر خوف واعادة صدمة. فكان الأطفال يهرعون للاختباء كلما سمعوا صوت محرك الطائرة، ونساء ارتبكن أمام مشاهد أعادت إليهن الإحساس بالعجز والترقب، في انعكاس واضح لعمق الأثر النفسي الذي خلّفته الحرب.
في هذا التقرير يتناول راديو دبنقا الأبعاد النفسية لتجربة الانتخابات الأوغندية ــ التي جرت الاسبوع الماضي ــ على اللاجئين السودانيين في كمبالا، وكيف أعادت محركات الطائرات أعراض صدمات الحرب لدى الأطفال والنساء رغم فرارهم الى بلد آخر.
ويروي محمد ياسين، وهو لاجئ سوداني مقيم في مدينة كمبالا، تفاصيل الأيام الصعبة التي عاشها أطفاله الثلاثة خلال فترة الانتخابات العامة الأوغندية، بسبب التحليق المتكرر للطائرات في سماء المدينة.
ويقول ياسين لراديو دبنقا إن أصوات الطائرات كانت كافية لإعادة أبنائه إلى حالة الصدمة والرعب التي عاشوها سابقا في مدينة نيالا بجنوب دارفور، حين كانوا شهودًا على القصف الجوي الذي استهدف المدينة خلال الأشهر الأولى من العام 2024م.
ويضيف “كلما تحلق الطائرة فوق منزلنا، يهرب الأطفال للبحث عن مكان يختبئون فيه، وهم في حالة خوف شديد، ظناً منهم أن الطائرة ستلقي قنابل”.
وذكر أنه كان يضطر في كل مرة إلى طمأنة الأطفال، وشرح أن تلك الطائرات ليست حربية ولا تشكل خطرا، غير أن المشهد كان يتكرر في اليوم التالي بالطريقة ذاتها، وتابع “استمر الوضع على هذا النحو طوال الأيام الثلاثة التي استمرت فيها التحليقات الجوية”

وأشار ياسين إلى أن وجودهما كوالدين مع الأطفال داخل المنزل ساهم في تخفيف حدة الخوف، لكنه نبه الى أن ما حدث يعكس الأثر العميق والمستمر للحرب على نفسية الأطفال.
وأضاف “غادرنا السودان بحثًا عن الأمان وإبعاد أطفالنا عن أجواء الحرب ومخاطرها، إلا أن الصدمة ظلت حاضرة، وتعود إلى الواجهة مع أي مشهد أو صوت يعيد إلى الأذهان ذكريات القصف والنزاع”
وروت لاجئة مقيمة في كمبالا لراديو دبنقا مشهداً يعكس تفاوت أثر الصدمة النفسية داخل الأسرة الواحدة جراء تحليق الطائرات في سماء كمبالا أثناء أيام الانتخابات العامة الأوغندية.
تقول اللاجئة التي فضلت حجب اسمها “اثناء تحليق الطائرة على علو منخفض فوق الحي الذي تسكن فيه، كان الأطفال يواصلون اللعب بشكل طبيعي، من دون أن تبدو عليهم علامات خوف أو قلق. غير أن المشهد كان مختلفًا تماما بالنسبة لجارتها أم الأطفال القادمة من مدينة ام درمان.
وأشارت ــ في حديثها لراديو دبنقا ــ الى ان الام بمجرد سماعها صوت الطائرة خرجت مسرعة في حالة ارتباك شديد، تركض في الحي وهي في حالة ذهول واضح، حتى إنها خرجت دون وعي بتفاصيل مظهرها المعتاد كإمرأة منقبة. وكانت تتحرك جيئة وذهابا في حالة من الهلع، ساعية إلى إخراج أطفالها من المكان، معتقدة أنهم في خطر وشيك.
لكن الأطفال، على عكس والدتهم، رفضوا مغادرة مكان اللعب، ولم يستجيبوا لمحاولاتها المتكررة. وتضيف اللاجئة “كان واضحاً أن الخوف لم يكن عند الأطفال، بل عند الأم نفسها، التي بدا عليها الرعب بشكل ظاهر”.

هذه المشاهد تعكس الأثر المتراكم لتجارب القصف الجوي التي عاشها السودانيون خاصة النساء والاطفال، وكيف يمكن لمثيرات سمعية وبصرية، مثل صوت الطائرات، أن تعيد استحضار الصدمة النفسية حتى بعد الوصول إلى مكان يُفترض أنه آمن.
في سياق متصل تروي دكتورة ابتسام محمود احمد، استشاري علم نفس وقائد مبادرة ثورة التغيير السلوكي، واقعة صادمة عايشتها في أحد شوارع القاهرة، تعكس حجم الأثر النفسي العميق الذي لا يزال يلاحق الأطفال السودانيين الفارين من الحرب.
وتقول إنها كانت تسير في الطريق حين فوجئت بصوت دراجات نارية مرتفع يشبه إطلاق النار، ما دفع طفلين سودانيين كانا برفقة والدتهما إلى الصراخ الهستيري وهم يرددون “الدعم السريع جاء”.
تقول دكتورة ايتسام لراديو دبنقا ان الطفلين سقطا أرضاً وتشبثا بوالدتهما في حالة من الذعر الشديد، بينما بدت الأم في حالة صدمة كاملة.
وتضيف أنها سارعت لاحتضانهما وطمأنتهما بأنهما في مصر، وأنه لا وجود لأي تهديد، قبل أن تصطحب الأسرة إلى أقرب متجر حتى يهدأ الأطفال ويستعيدوا وعيهم تدريجياً.
وأشارت الى انه بعد تحدثت مع الأم، تبيّن لها أن الأسرة وصلت إلى مصر قبل نحو شهر واحد فقط، بعد أن شهد الطفلان أحداث عنف قاسية في ولاية الجزيرة، من بينها ذبح جدهما أمام أعينهما.
وتوضح أن هذه التجربة تفسر ردّة فعلهما العنيفة تجاه أي صوت مفاجئ، وتؤكد أنهما يعانيان من أعراض واضحة لاضطراب ما بعد الصدمة.
وفي تعليقها على عودة مظاهر الخوف والهلع لدى بعض الأطفال والنساء السودانيين في كمبالا عقب تحليق طائرة تأمين الانتخابات الأوغندية، وتقول دكتورة ابتسام محمود احمد، إن هذا الأمر يعكس عمق الصدمات النفسية المرتبطة بتجارب الحرب.
وتوضح أن الحرب تُعد من أسوأ الكوارث البشرية المصنَّعة، وأن أثرها النفسي يختلف من شخص لآخر بحسب التجربة الفردية والاستعداد النفسي.

وتشير دكتورة ابتسام إلى أن أي تجربة صادمة يمر بها الإنسان تُسجَّل أولاً عبر الحواس، ثم تُعالَج في التفكير، قبل أن تنتقل إلى المشاعر وتنعكس لاحقاً في السلوك، سواء كان نفسياً أو حركياً.
وتضيف “عندما ترتبط التجربة المؤلمة بمشاعر الخوف أو الألم، فإن أي مثير مشابه في المستقبل ــ مثل أصوات الطائرات أو الانفجارات ــ قد يعيد استحضار المشاعر نفسها، فيما يُعرف علمياً بـ (الارتباط الشَرطي).
وذكرت أن كثيراً من الذين شهدوا الحروب يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، الذي قد يظهر في شكل نوبات خوف مفاجئة أو استرجاع قهري للذكريات المؤلمة عند التعرض لمثيرات مشابهة. وتؤكد أن هذه الحالة تستدعي تدخلاً نفسياً مهنياً، خاصة في ظل غياب التقييم والعلاج والدعم النفسي المنهجي بعد النزاعات.
وحذرت في الوقت نفسه من أن تجاهل الصدمات النفسية قد يؤدي إلى تطور اضطرابات نفسية أكثر خطورة، مثل الاكتئاب أو الذهان، لا سيما لدى الأطفال والنساء والأشخاص الذين لديهم هشاشة نفسية أو تجارب صادمة سابقة في الطفولة.
وشددت على أهمية توفير خدمات الدعم النفسي الاجتماعي للاجئين، عبر فرق مدرَّبة تستمع للمتضررين، وتقيّم حالاتهم، وتحيل من يحتاجون إلى علاج متخصص.
ونبهت الى أن هذه الحالات ليست معزولة، بل تتكرر بين أطفال سودانيين كثر في دول اللجوء، في ظل غياب برامج الدعم النفسي المتخصصة،
وترى دكتورة ابتسام أن استمرار معاناة اللاجئين من نوبات هلع عند سماع أصوات الطائرات، بعد سنوات من النزوح، مؤشر خطير على غياب خدمات الصحة النفسية. وحذرت من تجاهل هذه الصدمات وعدم علاجها بشكل مهني قد يترك آثاراً طويلة الأمد على جيل كامل من الأطفال وقد يقود إلى كارثة مجتمعية بعد انتهاء الحرب، تتمثل في تصاعد العنف والاضطرابات الاجتماعية.



and then