صراع النفوذ والهيمنة على “الساحل الإقليمي”.. الحرب على إيران وتأثيراتها على السودان

هجوم بسرب من المسيرات على الإمارات - 28 فبراير 2026-وسائل التواصل

هجوم بسرب من المسيرات على الإمارات - 28 فبراير 2026-وسائل التواصل


امستردام: 4 مارس2026 : راديو دبنقا

لاشك أن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران لديها انعكاسات وتداعيات محتملة على أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي على المستوى الإقليمي وربما بصورة أكبر على السودان، باعتبار أن إيران تمثل أكبر حليف له في المنطقة، بجانب أن إيران، الداعم الرئيسي للجيش السوداني “لوجستياً وعسكريا” في حربه على قوات الدعم السريع.
وأجمع خبراء ومحللون أن السودان ربما يكون الخاسر الأكبر حال خسرت إيران هذه الحرب، باعتباره قد فقد حليفاً استراتيجياً، كما توقعوا أن يعودالسودان إلى طاولة المفاوضات عبر مبادرة دول الآلية الرباعية.


لكن حال صمدت إيران في وجه هذه الهجمة الأمريكية ـ الإسرائيلية، فإنَّ الأوضاع في السودان لن تتغير كثيراً بل ستكون كما هي عليه الآن في مقاومة ورفض مبادرة دول الآلية الرباعية، واستمرار الحرب إلى مالانهاية لكنه سيتحول إلى ساحة حرب بـ”الوكالة”.

من جهة أخرى، من المتوقع أن تؤثر الحرب في حال استمرارها على الأمارات التي تتهم بتقديم الدعم والتمويل لقوات الدعم السريع.

فقدان العون العسكري


ويرى السفير د. الصادق المقلي، في هذا الصدد، أن هذه الحرب سوف تشل القوة الصلبة لإيران و إن لم تفضي إلى إسقاط النظام فإنها بالضرورة سوف تضعف الموقف التفاوضى مع الولايات المتحدة خاصةً في الملف النووي. ولم يستبعد أن تقننع إيران نهائيا عن تصنيع السلاح النووي، بل ربما تسلم الفائض من اليورانيوم في هذه الحالة الي أمريكا و تكتفي بالاستخدام السلمي للمفاعلات النووية.

ويقول المقلي في حديثه لـ”راديو دبنقا”: ثانيا هذه الحرب التي دون شك رغم مقاومة إيران إلا أن نهايتها سوف تدق آخر مسمار في نعش حلفائها في المنطقة، كما أن حكومةٍ الأمر الواقع في بورتسودان سوف تفقد أي عون عسكرى أو إقتصادي من إيران.

ويضيف قائلاً: “بالتالي سوف يلقي هذا المعطى بظلال سالبة علي توازن القوى في الحرب و ربما تصب في اتجاه اقتناع الحكومية السودانية، بترك الخيار العسكري و القبول بالمبادرات السلمية و علي رأسها “مبادرة الرباعية” معتبراً أنها الوحيدة المطروحة حاليًا لإنهاء الحرب في السودان.

وتضم المبادرة الرباعية دول الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.

لا شك أن إسرائيل، كما يشير المقلي، رغم ما تتكبده من خسائر بشرية و مادية في هذه الحرب ، إلا أنها سوف تكون من المستفيدين منها سيما و أنها كما سلف ذكره، فنهاية الحرب ستكون اسكات صوت وكلاء إيران في المنطقة، و تكسير أجنحتهم.

ويشير بذلك إلى كل من سوريا، لبنان وحماس في فلسطين، بل وحتي المناصرين لها في الأردن و العراق ، يضيف: “وبالتالي تؤمِّن إسرائيل نفسها ضد أي تهديدات من قبل أعدائها في الشرق الأوسط”.

ويقول السفير المقلي: من جهة أخرى، نتيجة هذه الحرب، أيضاً تصب إقتصاديا و استراتيجيا في صالح واشنطن، إذ أن ما يتعرض له حلفاؤها في كافة دول الخليج، سوف يدفع هذه الدول إلى المزيد من عقد الصفقات في مجال التسلح مع الولايات المتحدة الأمريكية.

الدروس المستقاة


ويؤكد الخبير الدبلوماسي د. الصادق المقلي أن أهم الدروس المستقاة من هذه الحرب، أنها حررت شهادة وفاة للقانون الدولي الإنساني و أفرغت تماماً هئية الأمم المتحدة من قيمها وأهدافها و المبادئ التي أسست عليها منذ صرخة ميلادها في سانفرانسسكو عام 1945م

ويقول: “فالعالم اليوم. في ظل الإدارة الأمريكية الترامبية، يشهد تكريس القطبية الآحادية، المتمثلة في قبضة الولايات المتحدة و هيمنتها العسكرية و الاقتصادية و المصرفية في العالم”.

وتابع قائلاً: وهي تضرب بعرض الحائط كل الأعراف و المواثيق الدولية، و خرج من رحم “المذهب الترامبي” ما سمي بمجلس السلام و فرض السلام بالقوة، بل حتى إسقاط الأنظمة بالقوة، و دونكم فنزويلا و حالياً إيران”.

إيران وإسرائيل وجهان:


من جهته يعتقد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد سيدأحمد عتيق أن إيران هي الوجه الآخر من إسرائيل في المنطقة فهي لاتختلف عنها في شئ.

ويقول في حديثه لـ”راديو دبنقا” إذا كانت إسرائيل تستهدف من تصرفاتها الأخيرة تقسيم المقسم في المنطقة وإقامة دويلات عنصرية وطائفية وجهوية في المنطقة تبرر بها أولاً لنفسها، ثانياً تستطيع من خلالها أن تسيطر على المنطقة وتقودها، فإنَّ إيران، أيضاً، تقوم بنفس الدور.

ويشير إلى أن التشيع ليس ديناً بل لنشر المذهب بالشكل الذي يمكنها من السيطرة على المنطقة من خلال العرب الذين لديهم رغبة الذهاب في ركبها، لتقيم بهم دول طائفية وعنصرية وجهوية لتسود عليهم لتعيد أمجاد حلمها في العودة للنظام الفارسي القديم، أن إسرائيل من جهة وإيران من جهة.

ويقول لقد غاب عن بال الإيرانيين أن أمريكا استغلت نظامهم “نظام الملالي” بعد أن انتهى دورهم في إسقاط النظام العراقي وكانوا من قبل لعبوا دوراً في حصار شعبه، لكن جاءت عليهم أمريكا الآن بصواريخها وأساطيلها البحرية والجوية وصنيعتها في المنطقة إسرائيل. لتؤكد أن العمل تحت مظلة أمريكا ليس لديه أي ضمانات.

ويضيف: لتؤكد للعراقيين الذين يأملون في أمريكا لتخليصهم من إيران سيجدون أنفسهم منفذين للأوامر الأمريكية والصهيونية، أي قابلين بالاحتلال الأمريكي بديلاً للاحتلال الإيراني ومن يرفض ذلك فمصيره التصفية.

ويؤكد المحلل السياسي محمد عتيق أن الحرب الحالية ليس لإجبار إيران للعودة لطاولة التفاوض مشيراً إلى أنها لم تعد موجودة، بل إنَّ الهدف لإجبار إيران على الرضوخ لهذا الوضع.

ويقول إن رضوخ إيران من عدمه رهين بنتائج الحرب نفسها، ويرى أن أمن واستقرار الإقليم في الخليج العربي والبحر الأحمر سيكون حسب الهوى “الإمريكي والصهيوني”.
وتوقع أن يكون المشهد السوداني كما هو عليه من مبادرات الرباعية وغيره بانحراف الثورة في السودان بما يلبي تطلعات الغرب والقوى المتحالفة معها داخلياً.

الرد الإيراني السريع


يرى استاذ علم الاجتماع السياسي د.عبدالناصر علي الفكي أن حدة المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتوسعت من عمليات محدودة إلى حرب استراتيجية واسعة ذات أهداف بعيدة المدى.

ويقول في حديثه لـ”راديو دبنقا”: ” إنَّ إيران اختارت الرد السريع والشامل بتوسيع رقعة المواجهة لتشمل قصف قواعد أمريكية في الخليج. ولأول مرة تتعرض دول المنطقة لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة، في تطور يُعد الأول من نوعه من حيث اتساع النطاق الجغرافي” وفقاً لاستاذ علم الاجتماع السياسي د.عبدالناصر علي الفكي.

ويعتقد الفكي أن منطقة أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي تعاني من مشكلات تاريخية متراكمة، ولم يستبعد أن يحدث تحول بأن تتشكل التحالفات بين المجموعات الإسلامية مثل مجموعة الشباب الصومالي، بعضها يمكن أن تكون مؤيد لهذا المشروع وتأتي من أماكن بعيدة مثل بوكو حرام.

ويمضي إلى القول بأن انعكاسات الحرب الدائرة الآن لديها تداعيات كبيرة على السودان، لا سيما وأنه، منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م، ويرى أنه كلما طال أمد الصراع فيها واستمر، كلما كان لديها محاور وتشكلت تحالفات جديدة.

الانشغال عن الحلفاء


يعتقد استاذ علم الاجتماع السياسي د.عبدالناصر علي الفكي أن إيران ليس لديها في الوقت الحالي أي قدرة على دعم حليفها السودان، مرجحاً انشغالها بالدفاع عن أراضيها ومؤسساتها السيادية.

ويرى أن الموقف العام لهذه الحرب رغم تداخلات المحاور الإقليمية والدول الحدودية للسودان، إلا أنه توقع أن يحدث نوع من الانكفاء على الداخل، وعلى رأسها مصر والسعودية، على اعتبار أن مصر، محازية ومجاورة لإسرائيل، المنطقة الملتهبة الآن، وقد تتجنب أي انخراط مباشر في ظل اتساع رقعة الحرب في إيران.

بينما اعتبر الفكي أن ذات الأمر سينعكس على السعودية خاصة في ظل التهديدات التي تتعرض لها من الحوثيين في اليمن، وقربها من الصواريخ البالستية التي يطلقونها وكيف تابع الجميع أنها حققت أهدافاً في عمق الدولة السعودية.

ويعتقد أنه على مستوى الدول الداعمة في الخليج للحرب في السودان سيحدث تأثير عليها وستخفف من الدعم سواء من حيث الإسناد اللوجستي أو الإمدادات بالأسلحة وغيرها أو حتى بالمواقف الدولية، هي الآن أًصبحت منشغلة بنفسها ومنكفئة على ذاتها، بما أنه يمكن أن يحدث شكل من الإهمال وتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية.

وخلص استاذ علم الاجتماع السياسي عبدالناصر الفكي إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة قد تشهد إعادة رسم المواقف والخرائط الجيوسياسية، ولم يستبعد أن تكون الحرب الإيرانية هي بداية ترتيب هذه التحالفات الإقليمية، سيما في البحر الأحمر وشرق أفريقيا وغربها، وُتوقع أن يكون السودان من بين الدول الأكثر تأثرًا بهذه التفاعلات الدولية الجديدة، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك أزمته الداخلية مع المحاور الإقليمية.

حدث ما كان متوقعا:


” كما كان متوقعاً، اندلعت الحرب ولم يكن مفاجئًا في نظر أي متابع حصيف وقارئ للأحداث، باعتبارها جزء من مسار تصاعدي للصراع الموجود في العالم، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها النظام العالمي وانتقاله من مرحلة الأحادية القطبية إلى تعددية الأقطاب”.. “هذا من وجهة نظر القيادي بحزب البعث العربي الاشتراكي “الأصل” د. أحمد بابكر”.

ويعتقد بابكر في حديثه لـ”راديو دبنقا” أن المواجهة الحالية لا تتعلق بإيران وحدها، بل ترتبط بإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، باعتباره منطقة حيوية وموقعها الجيوسياسي ومسيطرة على مفاصل الطاقة والتجارة العالمية.

ويقول أن التحركات الأمريكية السابقة في مناطق منتجة للنفط، مثل ما حدث في فنزويلا، التي يرى أنها كانت تمهيدًا لضمان استقرار إمدادات الطاقة تحسبًا لأي مواجهة واسعة في الخليج.

ويمضي إلى القول بأن الأهداف الاستراتيجية للحرب تتجاوز ملف “البرنامج النووي” أو اتهامات دعم الإرهاب، لتصل إلى إعادة ترتيب الإقليم سياسيًا وأمنيًا، بما قد يشمل تغيير النظام في طهران أو إعادة توظيف دوره ضمن معادلة إقليمية جديدة. ويشير إلى أنها إيران بشكل مستمر كانت “الفزاعة” لدول الخليج وتم استخدامها في مفهوم تصدير الثورة “نظام الشاه” قبل 1979.

تحذيرات

في المقابل، يحذر القيادي البعثي، من مخاطر استخدام إيران في استهداف وتدمير البنى التحتية في دول الخليج، وما قد يترتب عليه من إدخال المنطقة بالكامل في منظومة أمنية أكثر التصاقًا بالتحالف الأمريكي–الإسرائيلي، وإنهاء ما تبقى من هوامش التوازن السابقة.

على المستوى الدولي، كما يضيف، يُتوقع أن يؤدي استمرار الحرب إلى اصطفاف دولي وانقسام بين معسكرين وتكوين حلفين في العالم : الأول تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، والثاني سيكون داعماً لإيران ويضم قوى رافضة للهيمنة الغربية مثل الصين وروسيا وربما كوريا الشمالية، ما يعيد العالم إلى صيغة صراع قطبي أكثر وضوحًا.

أما بالنسبة للسودان، فيرى القيادي البعثي د. بابكر أنه سيكون خاسرًا في مختلف السيناريوهات. ففي حال توقفت الحرب سريعًا، قد تُفرض تسويات إقليمية تنعكس على الداخل السوداني دون مشاركة حقيقية من القوى الوطنية.

ويقول أما إذا طال أمد الصراع، فثمة مخاوف من تحول السودان إلى ساحة صراع بالوكالة ضمن إعادة رسم النفوذ في المنطقة.

ويخلص إلى أن المخرج الوحيد يكمن في بناء رؤية وطنية سودانية مستقلة، تقودها قوى مدنية فاعلة، لتجنب الارتهان لأجندات خارجية في مرحلة إقليمية ودولية توصف بأنها الأكثر اضطرابًا منذ عقود.

Welcome

Install
×