صدمة لطالبة من “ذوي الإعاقة” في طرابلس لعدم امتحانها ضمن “الحالات الخاصة”

مركز امتحانات الشهادة السودانية في طرابلس- ابريل 2026- صفحة مدرسة الاخوة السودانية الليبية في طوابلس

مركز امتحانات الشهادة السودانية في طرابلس- ابريل 2026- صفحة مدرسة الاخوة السودانية الليبية في طوابلس


طرابلس، 23 أبريل 2026م – راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري

حرصت إيمان، ذات التسعة عشر ربيعًا، على الجلوس لامتحانات الشهادة “المؤجلة” لهذا العام من إحدى مدارس الجالية السودانية في العاصمة الليبية طرابلس. وكانت تعبر مسافات برفقة والدها للوصول إلى مركز الامتحان بكل عزيمة وإصرار، وهي تتطلع لإحراز أعلى الدرجات للدخول إلى الجامعات، متغلبة على قسوة الغربة والظروف الصعبة والضغوط النفسية التي أوصلتها إلى هناك.

إيمان واحدة من ذوي الإعاقة، إذ تعاني من إعاقة “نطقية وسمعية”، أي من فئة الصم والبكم. لكن هذه الإعاقة لم تكن سببًا للعزلة والانزواء، بل عززت فيها روح الإرادة والثقة بالنفس والتمسك بحياة أفضل، وحفزتها على حب العلم والدراسة، وغرست فيها الأمل في تحقيق النجاح والرغبة في دخول الجامعة ومواصلة تعليمها مهما كانت الظروف والتحديات التي تمر بها.

وهي كغيرها من الذين غادروا الخرطوم مضطرين نتيجة لظروف الحرب المدمرة، عبرت رحلة معاناة وقلق وخوف من المجهول، بمعية أسرتها، ذاقوا خلالها صنوفًا من العذاب والقسوة، والتنقل من ولاية إلى أخرى، إلى أن وصلت إلى ليبيا مع أسرتها.

عكفت إيمان على المذاكرة والتحصيل الأكاديمي في المنزل، ودرست جميع مواد امتحانات الشهادة السودانية ذاتيًا، من دون معلمين، حرصًا منها على مواصلة تعليمها. وقد جلست للامتحانات بكل ثقة وثبات، غير أنها حُرمت من حقها في الحصول على امتحانات تراعي حالتها، وهو حق كفله القانون الذي نص على وضع امتحانات للحالات الخاصة لذوي الاحتياجات.

صدمة وانهيار


إيمان علي آدم كانت تؤدي امتحاناتها على أكمل وجه، وهي في غاية الرضا والسعادة رغم كل هذه الظروف العصيبة التي تعيشها، لكنها اصطدمت أثناء جلسة امتحان التربية الإسلامية، وهو أول امتحان، بأن هذه الورقة غير مطابقة لما درسته من منهج؛ ورقة لا تخاطب لغتها ولا تتكيف مع حالتها، بل كانت من نوع النسخة العامة، بينما لذوي الاحتياجات الخاصة امتحانات تراعي حالتهم كما جرت العادة.

كادت إيمان أن تنهار نفسيًا من هول الصدمة التي تعرضت لها، فقد شعرت بأنها فقدت مستقبلها بالكامل، لولا تدخل والدها لاحتواء الموقف وتشجيعها على الجلوس لإثبات حضورها، وأداء الامتحان بورقة من نوع النسخة العامة حتى لا تُحسب ضمن الغياب، على أن يُعالج الأمر لاحقًا. اقتنعت وعادت للجلسة، غير أن الأمر تكرر في امتحان اللغة العربية، ما يؤكد وجود خلل واضح داخل الوزارة التي تتحمل المسؤولية.

عاد والد إيمان مع ابنته إلى المنزل وهو في حالة من الغضب والحزن، فجلس وسطّر مذكرة مطولة إلى وزير التربية والتعليم وإدارة الامتحانات والمسؤولين عن ذوي الاحتياجات الخاصة، سرد فيها تفاصيل ما حدث، بداية من التسجيل ونهاية بما جرى في جلستي الامتحان.

مذكرة عاجلة للوزير


يقول علي آدم، والد الطالبة إيمان، لـ”راديو دبنقا”: إن ابنته تعرضت لانتهاك جسيم بحرمانها من حقوقها التعليمية أثناء أدائها لامتحانات الشهادة السودانية لهذا العام، معتبرًا ما حدث إخلالًا صريحًا بمبدأ تكافؤ الفرص في التعليم، وانتهاكًا لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الحصول على ترتيبات تيسيرية معقولة أثناء التقييم والامتحانات.

ووصف ما حدث بأنه يمثل تقصيرًا إداريًا جسيمًا يصل إلى حد الإهمال، خاصة مع ثبوت إمكانية توفير امتحانات خاصة، حيث تم بالفعل توفيرها في مواد أخرى مثل (التصميم الفني، الديكور، تاريخ الفنون).

وأشار آدم إلى أنه استوفى كافة إجراءات التسجيل وسداد الرسوم المطلوبة، وأخطر إدارة المدرسة السودانية بطرابلس بصورة واضحة ومسبقة بأن الطالبة من فئة الصم والبكم (إعاقة سمعية ونطقية)، وتحتاج إلى امتحانات مُكيّفة تتناسب مع حالتها، خاصة في مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية. وتابع قائلًا: “رغم ذلك، تم تسليمها أوراق الامتحانات بالنسخة العامة دون أي تكييف أو مراعاة، ما حرمها فعليًا من القدرة على الإجابة”.

وحول المسؤولية الإدارية جراء ما حدث، قال آدم إن المسؤول في إدارة المراقبة (الكنترول) المكلف من السودان أفاد بعدم علمه بوجود امتحانات خاصة لذوي الإعاقة، مضيفًا أن هذا التصريح يكشف خللًا خطيرًا في التأهيل والتوجيه من قبل الوزارة.

وأشار إلى أن وكيل المدرسة قال إنه “لا توجد امتحانات خاصة، ولم ولن تُرسل”، وهو إجراء باطل قانونًا.

ووفقًا لكل ما حدث، يرى آدم أن الأضرار المترتبة على قضية ابنته كبيرة، إذ تعرضت لضرر نفسي بالغ أثر على أدائها في بقية الامتحانات، فضلًا عن ضياع فرصة تعويض عامين دراسيين فقدتهما بسبب ظروف الحرب في السودان، معتبرًا أن الضرر الأكبر يتمثل في المساس بحقها الأساسي في التعليم العادل والمتكافئ.

حزمة مطالب قانونية


وضع آدم حزمة من المطالب القانونية بناءً على ما تعرضت له ابنته من “انتهاك جسيم”، فتمسك بحقه في فتح تحقيق إداري عاجل وشفاف، وتحديد المسؤولين عن هذا التقصير ومساءلتهم، مع إعادة النظر في المواد التي لم تُراعَ فيها حالة الطالبة وفق ترتيبات تيسيرية معتمدة لذوي الإعاقة.

كما طالب بإصدار توجيهات ملزمة لكافة مراكز الامتحانات داخل وخارج السودان بضرورة توفير امتحانات مُكيّفة للحالات الخاصة بصورة عامة، وتعويض ابنته معنويًا وأكاديميًا عن الضرر الذي لحق بها، مشددًا على موافاته برد رسمي مكتوب خلال فترة لا تتجاوز (14) يومًا من تاريخ استلام الشكوى.

ولم يغفل آدم الإشارة إلى “الإجراءات التصعيدية”، موضحًا أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة ومنصفة، فإنه سيضطر إلى رفع القضية إلى الجهات الحقوقية الدولية المختصة، بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان والمنظمات المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، معتبرًا ما حدث انتهاكًا للالتزامات الدولية ذات الصلة.

وأكد علي آدم، ولي أمر الطالبة إيمان، أن هذه الشكوى ليست مجرد مطالبة فردية، بل دفاع عن حق أصيل تكفله القوانين والمواثيق الدولية، معربًا عن أمله في أن تجد الاستجابة اللازمة من الجهات المختصة.

معالجة إدارية


من جهتها، قالت مديرة معهد الصم في السودان ومسؤولة ملف الإعاقة خارج السودان، الدكتورة بلقيس السماني الشيخ، تعليقًا على هذه الواقعة، إن جميع الحالات الخاصة داخل وخارج السودان جلست لامتحانات التربية الإسلامية واللغة العربية، وكذلك الجغرافيا والتاريخ.

وأضافت أن “الصم بالتحديد” يتم امتحانهم في ورقتي لغة عربية خاصة وتربية إسلامية خاصة، مشيرة إلى أن هذا حق كفله لهم القانون ولا يُعد تفضلًا من أحد.

وبصورة عامة، ترى الخبيرة التربوية أن امتحان التربية الإسلامية الخاص جاء أصعب من الامتحانات السابقة، موضحة أن الامتحان هذا العام جاء بأسلوب مختلف عما كان معتمدًا سابقًا، حيث لم يعد قائمًا على الأسلوب الموضعي كما في السابق.

وأشارت إلى أن الطلاب داخل وخارج السودان من أصحاب الحالات الخاصة عمومًا أدوا امتحانات خاصة في اللغة العربية والتربية الإسلامية والجغرافيا، مؤكدة أن الصم تحديدًا يتم امتحانهم بمناهج خاصة في هاتين المادتين. وأضافت: “هناك طلاب صم في القاهرة والسعودية”، مشددة على أن الامتحان الخاص حق قانوني معتمد منذ عام 2003.

وطالبت بلقيس السماني مدير مركز الامتحانات (الكنترول) في ليبيا بكتابة تقرير باسم الطالبة بالكامل ورقم جلوسها واسم المركز، مع توضيح أنها من فئة الصم لكنها امتحنت بالنسخة العامة، معربة عن أملها في أن تتم مراعاتها في التصحيح، معتبرة أن الامتحان العام يفوق قدراتها.

حالات متعددة


وقالت السماني إن الحالات الخاصة متعددة وكثيرة ومشكلاتها شائكة، موضحة أن الممتحنين من أصحاب هذه الحالات يتم إجلاسهم لامتحانات خاصة في مواد معدلة، تشمل التربية الإسلامية واللغة العربية والجغرافيا والتاريخ.

وأضافت أن هناك معالجات في التصحيح لمادة اللغة الإنجليزية، خاصة في سؤال “الإنشاء والتعبير” والأدب الإنجليزي، حيث يتم توزيع درجاتها على بقية الأسئلة، مع إعداد تقرير بذلك في أي مركز امتحانات.

وأشارت إلى أن الحالة الثانية تتعلق بمادة الرياضيات في المساق الفني، حيث تتم معالجة موضوع حساب المثلثات الذي أُلغي من المنهج، وتوزيع درجاته على بقية الأسئلة.

وأضافت أن المساق النسوي يشمل مادتين تم تعديلهُما، هما اللغة العربية والتربية الإسلامية (امتحان خاص)، إلى جانب معالجات في مادتي اللغة الإنجليزية والرياضيات، كما توجد معالجات لثلاث مواد نسوية تشمل الديكور والتصميم الفني وتاريخ الفنون، بينما للمساق الصناعي معالجات أخرى، علمًا بأن ممتحني هذا المساق يجلسون للامتحانات في السودان ومصر فقط.

وأعادت الخبيرة التربوية التأكيد على أن هذه المعالجات ضرورية وتمثل حقًا لأصحاب الحالات الخاصة بنص القانون، مشيرة إلى أن هذه الفئة تواجه تحديات متعددة، لا تقتصر على الصمم، بل تشمل صعوبات التعلم، والتأخر الدراسي، والتشتت الذهني، وبطء التعلم، إضافة إلى حالات التوحد.

وختمت بالدعوة إلى ضرورة معالجة مشكلات هذه الفئات وتحفيزهم ودعمهم، معربة عن أملها في إيجاد حلول مناسبة تسهم في دفعهم إلى الأمام.

Welcome

Install
×