المدير السابق لسلطة الطيران المدني السوداني إبراهيم عدلان

أمستردام : 21 يناير 2026: راديو دبنقا

تقرير: سليمان سري

تسارع حكومة السودان، الخطى في العودة إلى الخرطوم وقد انتقل بالفعل الجهاز التنفيذي عد السيادي وبعض الوزارات، وذلك بعد أن أصبحت آمنة وخلوها تماماً من عناصر قوات الدعم السريع من مدن العاصمة الثلاث، عدا بعض التفلتات من هنا وهناك.

وبدأت حكومة الولاية في استعادة الخدمات وتأهيل البنى التحتية لاستئناف العمل في مؤسسات الدولة، تزامن ذلك مع العودة الطوعية والتي كان أكثرها من خارج البلاد رغبة في الاستقرار وبحثاً عن سبل كسب العيش وإنهاء رحلة النزوح الطويلة “المؤلمة”.

وتركزت اهتمامات الحكومة أكثر في إعادة تشغيل مطار الخرطوم الذي تعرض لتدمير ممنهج، تحتاج عملية إعادة تأهيله وتشغيله ميزانية ضخمة وكلفة مالية عالية وعمل شاق حتى يعود كما كان.

ورغم خلو الخرطوم من قوات الدعم السريع من العاصمة المثلثة إلا أنها لم تغب بالكامل بارسالها سرب من المسيرات استهدفت بها مطار الخرطوم كغيره من القطاعات الحيوية والاستراتيجية لقطع الطريق أمام أي محاولة لإعادة تشغيله، بينما تمضي الحكومة في خطتها لتشغيل المطار غير آبهة لتلك الهجمات.

لكن في نهاية الأمر ستنطلق الطائرات من مدرج مطار الخرطوم قريباً.وتبقى حماية وتأمين مطار الخرطوم هو التحدي الذي يواجه وينتظر “حكومة الأمل”.

غير أن الخبير في المجال الجوي ومدير سلطة الطيران الأسبق إبراهيم عدلان يحذر من أي محاولة للاستعجال في تشغيل المطار في الظروف الحالية دون تأمين كامل، يمنح كرت، أو فرصة كبيرة للدعم السريع لاستهدافه مرة أخرى.

ثم يحذر، مرة أخرى، من التأكد بشكل كامل من أن المسيّرات لن تشكل تهديدًا أو تنال من مطار الخرطوم، وأن يكون المطار مؤمّنًا تأمينًا كاملًا، وبحمايه عالية، سواء كان على مستوى الأجواء أو على الأرض.

بينما يرى في مقابلة مع “راديو دبنقا” أن مايجري ليس إعادة تأهيل بقدر ما هو إعادة تشغيل فإن الأولى لديها متطلبات كثيرة وميزانية مكلفة، بينما إعادة التشغيل تتم باستغلال البنية التحتية المتوفرة حالياً.

إعادة تشغيل وليس تأهيل:

يعتقد المدير السابق لسلطة الطيران إبراهيم عدلان إن ما يجري في مطار الخرطوم حاليًا من عمليات صيانة، يُعد مرحلة أو نقطة ضمن مراحل إعادة التأهيل، حيث إن الخطوة الأولى تتمثل في إعادة التشغيل.

وهو في الأساس، وفقاً لعدلان، إعادة تشغيل وليس إعادة تأهيل كاملة، إذ إن التأهيل الشامل يتطلب عملًا كبيرًا، وميزانية ضخمة، حيث يشمل إنشاء صالات جديدة، وتوفير جميع متطلباتها من سيور “لتمرير الحقائب” وكاونترات وغيرها من التجهيزات.

أما ما تم إنجازه حاليًا، كما يشير خبير الطيران، فهو إعادة تشغيل الصالة التي كان العمل يتم فيها سابقًا، وهي صالة الحج والعمرة، بعد تأهيلها وتهيأتها لتكون الصالة التي ستُدار منها عمليات الوصول وعمليات المغادرة.

اثار الدمار في مطار الخرطوم جراء المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع – إرشيف

عدم الاستعجال:

ويحذر من أن الاستعجال في تشغيل المطار غير مناسب، وتابع قائلاً: ” لا أعطي فرصة لحالة عدم الاستقرار على طبق من ذهب”. لذلك، مشدداً على أن لا بد أولًا من التأكد بشكل كامل من أن المسيّرات لن تشكل تهديدًا أو تنال من مطار الخرطوم، وأن يكون المطار مؤمّنًا تأمينًا كاملًا، وحمايه عالية، سواء كان على مستوى الأجواء أو على الأرض، وكل الحركة غير مرغوب فيها لاتمكنه من الوصول إلى المطار.

وباعتقاد خبير الطيران أن هناك العديد من الطرق والوسائل لتحقيق ذلك التأمين، من بينها أنظمة رادارية مخصصة تُعرف باسم أنظمة مكافحة المسيّرات (Anti-Drone Systems)، والتي تمنح إنذارًا مبكرًا قبل مسافة تتراوح بين 60 إلى 70 كيلومترًا عند اقتراب أي حركة غير مرغوب فيها. وعندما يُستخدم مصطلح “ترافيك”، فالمقصود به أي حركة قادمة، ويمكن تركيب هذه الأنظمة في محيط مطار الخرطوم، وبعد ذلك يمكن للجهات المختصة الشروع في العمل.

ويحذر مدير سلطة الطيران الأسبق إبراهيم عدلان في المقابلة مع راديو دبنقا من أي محاولة للاستعجال في تشغيل المطار في الظروف الحالية دون تأمين كامل، ربما تمنح كرتا ، أو فرصة كبيرة للدعم السريع لاستهدافه مرة أخرى. ولذلك، يرى لتفادي حدوث أي اختراق في موقع حساس كهذا، يجب التأكد تمامًا من أن المجال الجوي آمن، وأن بيئة التشغيل آمنة بما يضمن استمرارية العملية الطيرانية في مطار الخرطوم.

اتفاقية شيكاغو:

ويقول: إنه بحكم اتفاقية شيكاغو لعام 1944، وهي الاتفاقية التي تحكم عمليات الطيران المدني في العالم، تُعد الجهة المختصة هي المسؤولة عن الطيران المدني في السودان، من حيث إصدار التراخيص، ومراقبة الامتثال للمعايير، وتطبيق جميع اللوائح ذات الصلة. وبناءً على ذلك، فهي الجهة المشرفة إشرافًا كاملًا على عمليات التحقيق في حوادث الطيران.

يؤكد أنه بعد الحرب لا بد من إعادة تقييم شاملة، استعدادا للمنظومة كاملة، والعمل على استعادة القدرات سواء كانت قدرات بشرية أو قدرات جاهزية، حتى يعود الجميع إلى النقطة التي كانوا عليها، ويتمكنوا من تقديم المطلوب منهم عالمياً في مجال الطيران المدني والمجال الجوي.

ويتوقع المدير الأسبق لسلطة الطيران إبراهيم عدلان أن يكون هناك اقتراب جديد أو طرق جديدة في إدارة العملية الطيرانية في السودان، تتم هذه العملية بصورة تدريجية”.

ويضيف قائلاً: ” حجم الدمار لدينا كبير، كما أن واحدة من المشكلات الأساسية التي تم رصدها هي مشكلة الاستمرارية بالنسبة للمراقبين الجويين، حيث إن ما يقارب 90% منهم لم يعملوا لمدة تتراوح بين ثلاث إلى ثلاثين سنة”.

ويشير عدلان إلى أن المراقب الجوي يجب أن تكون لديه نوعية محددة من التدريب، ونوعية معينة من التراخيص، إضافة إلى امتحانات دورية تشمل الفحوصات الطبية، ومتطلبات الاستمرارية. ويخضع المراقب الجوي لامتحانات في حركة جوية حية داخل بيئة تشغيل حقيقية، ويُطلب منه تقديم المطلوب منه كمراقب جوي.

ويقول: لدينا ثلاثة مستويات للمراقبة الجوية، وهي مستوى البرج، ومستوى الاقتراب، ومستوى المنطقة. ويشير إلى أن الأخير ينقسم إلى قسمين: شمالي وجنوبي، ولكل قسم تصنيفه الخاص وترخيصه الخاص.

ويشدد خبير الطيران على أن للعمل في الاقتراب، لا بد أن يكون المراقب قد عمل سابقًا في البرج، ثم أمضى فترة معقولة في الاقتراب ضمن حركة جوية حقيقية، وبعد ذلك يخضع المراقب الجوي نفسه لامتحانات شفهية وامتحانات تتعلق بكيفية تعامله مع الحركة الجوية.

ويؤكد بأنه يتم ذلك تحت إشراف مراقب جوي معتمد خلال فترة التدريب في الاقتراب، حيث يتولى هذا المراقب مسؤولية تقديم التوصية النهائية بأن هذا الشخص قد أكمل امتحاناته واجتازها بنجاح. كما يوجد امتحان شفهي آخر يعتمد على الأسئلة والأجوبة، ويشمل حتى كيفية التعامل مع حالات الطوارئ.

ويحذر من أن هنالك مشكلة أساسية، لأن هذا الأمر لم يتم خلال الفترة الماضية، حيث انقطع مسار التدريب، والمراقب الجوي يحتاج إلى تدريب مستمر، فكل يوم هناك بيئة جديدة، وكل يوم هناك أمن جديد، وكل يوم هناك مسار جديد.

مطارات تعمل بالحد الأدنى:

أوضح خبير الطيران إبراهيم عدلان في المقابلة مع “راديو دبنقا” أن المطارات المؤهلة في الولايات، جميعها تعمل بالحد الأدنى، ويشير إلى أن مطار بورتسودان يُعد من أكثر المطارات تأهيلاً، حيث يستطيع تحمل ظروف الطيران المرتبطة بالحرارة العالية والضغط الجوي المرتفع.

ويؤكد أن هذه المدرجات لديها مواصفات ومعايير فنية معينة، مؤكداً أنه ليس أي مدرج قادراً على استقبال أو تحمل أي نوع من الطائرات، إذ تختلف قدرة المدرج بحسب مقاييسه الفنية.
ويشير إلى أن مدرج مطار الخرطوم يحمل تصنيف “PCI 85”، وهو تصنيف مخصص لاستقبال الطائرات الكبيرة، ما يؤكد أن المدرجات مجهزة ومؤهلة للعمل واستقبال وتشغيل هذا الحجم من الطائرات. بينما تبقى القدرة على المناولة الأرضية هل الصالات قادرة على استقبال طائرات كبيرة وكم عددها يمكن استقبالها في نفس الوقت.

ويرى أن ذلك يتطلب وجود نظام صارم لتنظيم الحركة الجوية، من خلال تحديد مسافات زمنية ومكانية دقيقة بين الطائرات، لمنع حدوث تكدس أو ازدحام في الحركة الجوية أو على أرض المطار.

ويشدد على ضرورة وجود دقة عالية جداً في حساب مواعيد الإقلاع والهبوط، بحيث تكون محسوبة بالدقيقة، منذ لحظة وصول الطائرة وحتى مغادرتها، سواء للطائرات القادمة أو المغادرة إلى وجهاتها المختلفة.

ويشير إلى أن نظام تنظيم الحركة الجوية هذا يُعد نظاماً عالمياً معمولاً به في جميع المطارات الدولية. ويؤكد على ثقته الكبيرة في قدرة العاملين في مطار الخرطوم، على تنظيم حركة الطيران بصورة ممتازة، تضمن انسيابية التشغيل ومنع حدوث أي تكدس أو ازدحام جوي.

مشكلة الاستمرارية:

وتُعد مشكلة الاستمرارية الزمنية، وفقاً لخبير الطيران، من أبرز التحديات التي قد تواجه المراقبين الجويين، وهو أمر قد ينطبق أيضًا على زملائنا في الممرات الجوية أو الهندسة الخاصة بالملاحة الجوية، إلا أن هذا الجانب يُعد تطبيقيًا أكثر من كونه نظريًا.

ويقول عدلان: فعالميًا، يُطلب من المراقب الجوي اتخاذ قرارات حرجة وأساسية في جزء من الثانية، وهي قدرات يجب تنميتها بشكل مستمر. وهذه واحدة من المشكلات التي قد تواجه العاملين في هذا المجال. لكنه عبر عن ثقته في قدرة الإدارة على التعامل مع هذا الموضوع على وجه السرعة، وأن تكون عملية التدريب مستمرة بإخضاع جميع المراقبين الجويين لبرامج تدريب منتظمة.

ويضيف بقوله: أما فيما يتعلق بالرادار، فلا توجد مشكلة حاليًا، إذ يتوفر مصدر شبه جاهز يتمثل في “المحاكي أوالسيميليتر”، والذي كان ملحقًا بمركز المراقبة الجوية، وقد تم العمل عليه سابقًا، وهو مجهز بنفس المواد والمعدات الموجودة في المركز. ويمكن أن يعود للعمل بصورة أوسع حالما يتم فتح المجال الجوي السوداني.

الانتقال إلى إفريقيا:

وفيما يتعلق بموضوع الانتقال من مكتب الشرق الأوسط إلى مكتب أفريقيا، فإن هذا الأمر يُعد في الحقيقة واحدة من القضايا التي كنت أعمل عليها في السابق، بأنه لابد من هذا الانتقال، انطلاقًا من قناعة كان مفادها أن الوضعين أو البيئتين تختلفان بطبيعتهما تماماً، تُعد أفريقيا هي المستقبل، كما أنها تحظى بعناية واهتمام أكبر، وتحصل على الدعم والإعانات بصورة أوسع، ونحن محتاجين لهذه الإعانات.”وفقاً لخبير الطيران إبراهيم عدلان”.

ويقول عدلان: “مع كامل الاحترام والتقدير لأعضاء مكتب الشرق الأوسط والشراكات والتعاون بيننا، إلا أن هناك مشكلات تقنية قائمة، وأرى أن وجودنا ضمن المكتب الأفريقي سيكون أكثر فائدة للبلاد، وأكثر نفعًا من حيث الاستفادة من مؤسسات الاتحاد الأفريقي، والمنظمات الأفريقية المختلفة ذات الصلة في إفريقيا”.

نظام سوداني خاص:

ويقول الخبير عدلان : نحن محتاجين لعمل في هذا الإطار المحلي، في السابق عملنا “سوكارز” وهي ذات الملاحق نفسها، غير أننا قمنا بتكييفها وتعديلها بما يتناسب مع جمهورية السودان.
ففي السابق، كان هناك ما يُعرف بـ قانون الجو السوداني (Sudan Air Act)، وهو القانون الذي كان يحكم العمل، ثم انتقلنا لاحقًا إلى الالتزام الكامل بالمنظمة، وأصبحنا نخضع لتدقيقات لمنظمة بصورة دورية.

ويرى أن السودان يسير في اتجاه علمي، ويعتقد بأنه في حاجة إلى التطوير يمكن أن يتحقق من خلال إدخال بعض عناصر الهيئة أو الإطار التنظيمي للإياسا، على أقل تقدير، بما يتيح تقديم خدمة بمعايير من العالم القريب من واقع السودان.

كما يؤكد أن معظم الدول العربية فيها إياسا وكل طيرانها يعمل بهذا التظام وهو أمر إيجابي، خاصة في مجالات الصلاحية الجوية وصلاحية الطائرات، حيث يتيح ذلك قدرة كبيرة على تنفيذ مهام واسعة بكفاءة عالية و”تخطينا مرحلة كبيرة”.

مطار الخرطوم
حريق بمطار الخرطوم – 16 ابريل 2023 – المصدر(:فيسبوك

هيئة مستقلة:

يستبعد مدير سلطة الطيران المدني الأسبق إبراهيم عدلان في المقابلة مع دبنقا أن يكونوا مطالبين بإنشاء هيئة مستقلة خاصة بالطيران المدني لكونها أصلاً موجودة، معتبراً أن الطيران المدني هيئة مستقلة، يتبع إدارياً لوزارة الدفاع ليس فنياً، لكنه تمنى أن يتبع لمجلس الوزراء أو رئاسة الجمهورية بعيداً عن أي تأثيرات من أي وزارة مؤكداً على احترامه لوزارة الدفاع.

ويقول أن في العام 2013 تم فصل بين الجسمين السيادي والخدمي، وأصبح بعدها هنالك شركة المطارات لوحدها وجهاز يسمى بالسلطة، هذا الفصل الذي تم شابته بعض الخلافات والمشاكل، ويدعو لقيام ورشة كبيرة لتقييم هذه التجربة لمعرفة كيفية تسيير العمل في المستقبل.

يشير إلى أن واحدة من الأشياء التي تم التوصية عليها ولم يتم تنفيذها إنشاء شركة المراقبة الجوية وفصلها عن الطيران المدني باعتبارها جهاز خدمي.ويرى أن الخدمة المقصودة تقدم للطيران العالمي العابر أو الواصل أو الطيران القائم من السودان.

ويعيب على هذا الفصل “الخصخصة” تسمية القطاع بالشركة ويقول أنه من الخطأ ذلك لأنها تكون محكومة بقانون الشركات لعام 1925م المعدل 2015م، في حين أنك تابع للمنظمة العالمية وبقوانينها ومعاييرها.

ويرى أن النقطة الثانية تتعلق بالطيران المدني، حيث تتحصل الجهة المسؤولة على الرسوم من عائدات عبور الطائرات فوق الأجواء السودانية وغيرها من الموارد، وكان من المفترض أن تُستخدم هذه الموارد في تطوير قطاع الطيران.

ويشير عدلان إلى أن هذا الوضع يستلزم إيجاد صيغة مناسبة تجمع بين الشركة والسلطة، بحيث تكون الجهتان في إطار واحد، ولكن مع الفصل بينهما من حيث المهام. ويبيّن أن هذا الفصل المقصود هو فصل وظيفي أو مهني يتعلق بتوزيع المهام والمسؤوليات، وليس فصلاً مادياً أو جسدياً.

ويقول إنَّ التجربة في مجملها كانت كبيرة، وتحتاج إلى تقييم كامل وشامل، موضحاً أن التقييم يجب أن يتم حتى نهايته، مع وضع نقاط مراجعة واضحة كان من المفترض تنفيذه، ويشير إلى أن التجربة تشتمل على جوانب إيجابية ينبغي التمسك بها، وأخرى سلبية أو معقدة تحتاج إلى إصلاح.

Welcome

Install
×