تقرير: ملايين الأسر في شمال دارفور وجنوب كردفان تعيش على وجبة واحدة يومياً
تقرير التصنيف المرحلي للأمن الغذائي - نوفمبر 2025-
أمستردام: 13 أبريل 2026: راديو دبنقا
كشف تقرير أصدرته منظمات غير حكومية اليوم أن ملايين الأسر في شمال دارفور وجنوب كردفان، وهما المنطقتان الأكثر تضرراً من الحرب، لا تستطيع الحصول إلا على وجبة واحدة في اليوم.
وأكد التقرير، الذي أصدره المجلس النرويجي للاجئين إلى جانب منظمات “العمل ضد الجوع”، و”كير الدولية”، و”لجنة الإنقاذ الدولية”، و”فيلق الرحمة”، أن الأسر، في كثير من الأحيان، تفوّت وجبات الطعام لأيام كاملة، وقد لجأ الكثيرون إلى أكل أوراق الشجر وعلف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة، مع ارتفاع حاد في معدلات سوء تغذية الأطفال.
وأشار التقرير إلى أن المطابخ الجماعية التي أُنشئت لإعداد الوجبات ومشاركتها تواصل العمل رغم تضاؤل الموارد.
وأكد التقرير أن الصراع المستمر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع جعل مسار الغذاء، من المزارع عبر الأسواق إلى أطباق الأسر، محفوفاً بالمخاطر، مع عواقب مدمرة.
وتقول امرأة نازحة في شمال دارفور: “الغذاء متوفر في الخارج، لكن التجار لا يستطيعون الوصول إلينا لأن الطرق غير آمنة.”
وأكد تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، الصادر في نوفمبر 2025، وجود مجاعة في الفاشر وكادوقلي، وحدد خطر حدوث مجاعة في 20 محلية أخرى. ووفقاً لخطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية لعام 2026، فإن أكثر من نصف سكان السودان (61.7%)، أي 28.9 مليون شخص، يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وقد أدت ما يقرب من ثلاث سنوات من الصراع إلى تآكل النظام الغذائي في السودان بشكل منهجي، مما أدى إلى جوع جماعي. كما وثقت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة “حرب فظائع” ضد المدنيين، بما في ذلك استخدام التجويع والعنف الجنسي كأسلحة حرب. وقُتل آلاف المزارعين، ودُمرت الأراضي الزراعية، وباتت الأسواق عرضة للهجمات والإغلاق والضرائب الجشعة.
وأشار التقرير إلى أن المجتمعات السودانية تتكاتف بتضامن وإبداع غير عاديين؛ حيث يزرعون تحت النار، ويتقاسمون الطعام حتى عندما لا يكفي لأسرة واحدة.
زراعة الغذاء تحت النار
يقول مزارع من جنوب كردفان: “زرعنا ونحن نعلم أننا قد نُقتل قبل الحصاد. عدم الزراعة كان يعني الموت أيضاً.”
قبل اندلاع الحرب، كان 65% من السكان في السودان يعتمدون على الزراعة في كسب عيشهم. واليوم، أجبر العنف العديد من المزارعين في دارفور وكردفان على التخلي عن حقولهم أو التوقف عن الزراعة. وأفاد أكثر من نصف المزارعين، البالغ عددهم 400، الذين استطلعت منظمة “كير” آراءهم عام 2025، بأنهم لم يتمكنوا من حصاد محاصيلهم بأمان بسبب الصراع.
ومع فرار الرجال لتجنب التجنيد الإجباري، توسعت أدوار النساء في الزراعة، لكن الصراع ضاعف من الحواجز الهيكلية التي يواجهنها ومخاطر الحماية. ورغم ذلك، تعمل النساء في العديد من الأسر كمزارعات وتاجرات ومقدمات رعاية في آنٍ واحد للحفاظ على توفير الغذاء.
ويعاني المزارعون من نقص حاد في البذور الأساسية وسوء جودتها، في ظل غياب خدمات الإرشاد الزراعي. كما دمرت أسراب الجراد والآفات المحاصيل، وارتفعت أسعار البذور والأسمدة والوقود في الأسواق المحلية إلى أكثر من الضعف. وأدى انهيار الائتمان الرسمي إلى لجوء المزارعين إلى الاقتراض غير الرسمي للحصول على البذور، مما يغرقهم في الديون.
الطرق والأسواق تحت النار
تقول تاجرة في جنوب كردفان: “التجار يخشون الطريق؛ يتعرضون للضرب أو السرقة أو تُفرض عليهم ضرائب تحت تهديد السلاح، لذا يجلبون طعاماً أقل أو لا يأتون على الإطلاق.”
في شمال دارفور وجنوب كردفان، أدت الهجمات المباشرة على المدنيين، والمضايقات في نقاط التفتيش، والتهديدات ضد التجار إلى تعطيل حركة الغذاء، ورفع الأسعار، وإجبار الأسواق على الانكماش. كما تفرض أطراف النزاع والجماعات المسلحة رسوماً وضرائب غير رسمية على كل شاحنة في نقاط التفتيش، مما زاد التكاليف والمخاطر بشكل كبير.
حالياً، يتم نقل معظم الإمدادات من تشاد أو جنوب السودان أو ليبيا، وهي طرق مكلفة ومحفوفة بالمخاطر. ومع محدودية الخيارات، لم تعد الأسر قادرة على الوصول إلى مجموعة متنوعة من الأطعمة؛ إذ أصبحت اللحوم والخضروات والزيت والسكر من الكماليات.
المجاعة في المناطق المحاصرة
تشير تقارير حقوق الإنسان إلى أن أطراف النزاع تعمدت استخدام الجوع كسلاح من خلال تدمير المحاصيل ونهب الأسواق وتقييد الوصول الإنساني. وتعد مدينة الفاشر مثالاً صارخاً، حيث استهدف الحصار شرايين الحياة في المدينة.
وبحلول مايو 2024، حوصرت المدينة بالكامل، وانقطعت جميع الطرق، وتعرضت الأسواق للقصف. وفي كادوقلي والدلنج بجنوب كردفان، عانت المجتمعات من عزلة طويلة، وتم احتكار مخزون الذرة وبيعه بأسعار باهظة. وعلى الرغم من إعلان الجيش فك الحصار في فبراير 2026، فإن طرق الإمداد لا تزال تتعرض لهجمات مستمرة.
المائدة: تناول كميات أقل، أكل أوراق الشجر، المجاعة
تقول امرأة نازحة: “لم نعد نسأل ماذا سنأكل، بل نسأل: من سيأكل؟”
ويشير التقرير إلى أنه عندما يصل الغذاء إلى الأسرة السودانية، تكون سلسلة طويلة من العنف والصدمات الاقتصادية قد شكلت ما هو متاح وتكلفته. وتتكيف الأسر عبر تقليل الوجبات إلى وجبة واحدة يومياً، أو البقاء لعدة أيام دون طعام.
ويعيش كثيرون على عصيدة الذرة المخففة بالماء، بينما تُعد النساء أكثر عرضة لسوء التغذية، كما أن الأسر التي تعولها نساء أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي بثلاث مرات. ومع تفاقم الأزمة، تضطر الأسر إلى بيع أصولها الحيوية، مثل الماشية والأدوات، للبقاء على قيد الحياة. وفي أسوأ الحالات، يلجأ الناس إلى أكل أوراق الشجر والأعشاب وعلف الحيوانات وقشور الفول السوداني.
توصيات
ودعا التقرير إلى تمويل غرف الطوارئ والمطابخ الجماعية، مشيراً إلى أن تعقيد التصاريح والقيود البيروقراطية يعيق أيضاً وصول المساعدات الإنسانية الدولية.
كما دعا أطراف الصراع إلى الوفاء بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي الإنساني وإعلان جدة، لحماية المدنيين والمرافق المدنية، وإنهاء استخدام التجويع كسلاح حرب، ووقف الهجمات على الحقول والأسواق وأنظمة المياه والمطابخ الجماعية.
وشدد على ضرورة تسهيل وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وآمن وسريع ومن دون عوائق عبر الخطوط والحدود، وإبقاء الأسواق عاملة، وتفكيك نقاط التفتيش غير القانونية التي تفرض ضرائب جشعة.
ودعا الجهات الإنسانية (الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية) إلى زيادة التمويل والموارد للمستجيبين المحليين والمنظمات النسائية، واعتماد نهج “النقد أولاً” في المناطق التي تعمل فيها الأسواق، وتقديم دعم للسوق المحلي والتجار لضمان توفر السلع، إلى جانب التأكد من أن جميع التدخلات تركز على المساواة بين الجنسين وحماية النساء والفتيات.
وشدد كذلك على دمج الإجراءات الذكية مناخياً (مثل البذور المقاومة للجفاف) في برامج الطوارئ.
ودعا التقرير الدول الأعضاء والجهات السياسية والمانحين إلى استخدام الضغط الدبلوماسي للتأثير على أطراف النزاع لمنع المزيد من الفظائع، وتعزيز المساءلة، ودعم آليات التحقيق في انتهاكات القانون الدولي الإنساني.
كما دعا إلى تمويل نُهج متعددة السنوات تربط بين المساعدات المنقذة للحياة، والتعافي الاقتصادي، والزراعة، مع إعطاء الأولوية للحلول التي تقودها جهات محلية، وزيادة الاستثمار في البرامج التي تستهدف النساء والفتيات.


and then