تحركات إقليمية لمنع تعميم حظر السلاح في السودان وتوقعات باستخدام “الفيتو” الروسي

اجتماع مجلس الأمن - اكتوبر 2025-لقطة شاشة من البث المباشر للاجتماع

اجتماع مجلس الأمن - اكتوبر 2025-لقطة شاشة من البث المباشر للاجتماع

أمستردام: الخميس 10 سبتمبر 2026م – راديو دبنقا

استبقت كل من مصر والسعودية جلسة مجلس الأمن الدولي المقرر انعقادها اليوم الخميس بتحركات إقليمية ودولية مكثفة، كلٌّ على حدة، رغم تنسيق المواقف تجاه السودان؛ حيث بحث وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع نظيره الروسي قضايا الحرب والسلام في السودان.

وربما شملت المشاورات حث روسيا على استخدام حق النقض (الفيتو) لإجهاض مشروع القرار الأمريكي القاضي بتعميم حظر السلاح في جميع أنحاء السودان، كما التقى السفير المصري بروسيا نائب وزير الخارجية الروسي لبحث القضايا ذاتها.

ويعقد مجلس الأمن الدولي اليوم الخميس جلسة ساخنة للتصويت على مشروع قرار يتعلق بتمديد العقوبات المفروضة على السودان، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إدخال تعديلات على بنود القرار، بما يوسع نطاق حظر توريد الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان، بدلاً من اقتصاره على إقليم دارفور.

إحراج دول الفيتو

ويأتي المقترح الأمريكي بتوسيع حظر الأسلحة على السودان في أعقاب جلسة عاصفة لمجلس الأمن الدولي في 24 أغسطس 2026، شهدت مداولات حادة بشأن استمرار الحرب وتدفق الدعم العسكري الخارجي إلى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

وخلال اليومين الماضيين، جرت أحداث ذات صلة بجلسة اليوم؛ حيث نشرت صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» في تقريرين استقصائيين متزامنين أدلة ووثائق سرية تشير إلى استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية خلال المعارك الجارية ضد قوات الدعم السريع.

وحمل تزامن نشر التقريرين دلالات واضحة، ربما لإحراج الدول المساندة للسودان — مثل روسيا والصين — اللتين قد تستخدمان حق النقض (الفيتو) لإجهاض قرار تعميم حظر السلاح، باعتبار أن التقرير قدم أدلة تدين الجيش السوداني باستخدام أسلحة محرمة دولياً.

شلل مجلس الأمن

وفي هذا السياق، اعتبر مدير مركز الفكر الديمقراطي ورئيس تحرير مجلة الحداثة، الدكتور شمس الدين ضو البيت، أن مجلس الأمن الدولي يعاني شللاً أصبحت حالته مستدامة. ورأى أن الدول الخمس “دائمة العضوية” دأبت على عرقلة أو إيقاف أي مشروع قرار باستخدام حق النقض (الفيتو).

وقال ضو البيت لـ”راديو دبنقا” إن هذا الحق (الفيتو) أصبح عامل شلل لمجلس الأمن الدولي، وتابع قائلاً: “لذلك أعتقد أنه من المفهوم جداً ألا يصدر أي قرار، أو أن تقف على الأقل روسيا أو الصين في مواجهة هذا القرار، أو ألا يحصل على الأصوات التسعة المطلوبة لتمريره حتى إن امتنعت أي دولة عن استخدام الفيتو”.

وأضاف: “لكن المتوقع من سجل مجلس الأمن في التعامل مع القضية السودانية، أن روسيا ستقف ضد قرار توسيع حظر السلاح ليشمل كافة أنحاء السودان”. وأردف: “إذا رجعنا للسجل طوال هذه الحرب، وخاصة في ما يتعلق بحروب أخرى كانت فيها قضايا متفق عليها أو مطلوب اتخاذ قرار متوافق عليه أمام مجلس الأمن، نجد أن الفيتو الروسي كان ضد ذلك وأفسد تلك القرارات”.

وقلل من احتمال خروج القرار المرتقب بتوسيع حظر السلاح في جميع أنحاء السودان، معتبراً أنه حال تم التصويت عليه سيكون شكلياً، وتابع: “مسألة توسيع حظر السلاح ستكون شكلية أكثر من كونها إجراءً يحد من العنف ويحمي المدنيين في السودان”.

فرصة للسودانيين

من ناحية أخرى، رأى دكتور شمس الدين ضو البيت أن هذه التطورات تشكل فرصة أمام السودانيين كي يراجعوا مواقفهم من “العامل الدولي” في ما يتعلق بالأزمة السودانية والحرب الحالية المستمرة منذ أبريل 2023.

ودلل على حديثه بأن هذه ليست المرة الأولى التي يرتفع فيها الاهتمام والترقب لما سيحدث في نيويورك من تصويت لمجلس الأمن حول هذه القضية، وما يصاحب ذلك من آمال كبيرة لدى المنتظرين أو أصحاب المخاوف.

وأعرب ضو البيت عن اعتقاده بأنه قد آن الأوان لكي يصل السودانيون إلى قناعة بأن العامل الدولي يُفترض أن يكون عاملاً مساعداً وداعماً للجهود الوطنية فقط، وأن الأمل والمسؤولية الأكبر في وقف الحرب وتحقيق السلام والاستقرار تقع على عاتق السودانيين في المقام الأول، بمختلف قواهم السياسية والحزبية والمدنية والأهلية.

واعتبر أن المسؤولية تشمل القوى الشبابية الجديدة التي أنجزت ثورة غير مسبوقة في ديسمبر 2018 – أبريل 2019، مضيفاً: “أنا أعتقد أن المسؤولية الأولى في وقف الحرب تعتمد على السودانيين أنفسهم”.

وشدد رئيس تحرير مجلة الحداثة على أنه إذا لم يتصدَّ السودانيون لمسؤولية مقاطعة الحرب والتوافق على موقف واحد لمواجهة طرفيها، فإن العامل الدولي لن يجد حلاً ولن يكون هو الأساس في وقف الحرب.

فشل القرار في دارفور

وحول جدوى تعميم حظر السلاح على كل السودان رغم فشل تنفيذ القرار في دارفور، أرجع د. شمس الدين ضو البيت استمرار تدفق السلاح نحو دارفور — رغم قرار الحظر السابق — إلى كون هذه المسألة واحدة من الإشكاليات الهيكلية المتعلقة بالقرارات الدولية.

وقال إن مجلس الأمن أصبح منذ فترة طويلة مؤسسة تعاني من الشلل غير قادر على تنفيذ القرارات التي يصدرها، معتبراً أن هذا الأمر واضح بصورة تاريخية في ما يتعلق بعشرات القرارات التي صدرت ضد إسرائيل بخصوص احتلالها للأراضي الفلسطينية. وتابع: “تجد أنه لم يتم تطبيق أي قرار من هذه القرارات، وهذه إحدى المشاكل الرئيسية للقرارات الدولية”.

لكنه رأى أن أفضل القرارات الدولية التي صدرت عن مجلس الأمن بشأن القضية السودانية كان قرار نشر قوات حفظ السلام التابعة للقوة المشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي (يوناميد) في حرب دارفور، مؤكداً أن هذا القرار كان الخطوة الأفضل لأنه أوقف نزيف الدماء وحمى المدنيين لعدة سنوات.

وأضاف أن الأمر كان سيختلف كثيراً لو كانت قوات “يوناميد” لا تزال موجودة في دارفور، و”ما كانت لتحدث المجازر والانتهاكات الواسعة التي تقع ضد المدنيين الآن”.

فوائد قانونية

غير أن د. شمس الدين ضو البيت رأى أن قرار توسيع الحظر على كافة الأطراف ينطوي على جانب قانوني قد يسمح للدول بمعاقبة الجهات المتورطة في توريد السلاح، سواء أكانت عقوبات مالية أم اقتصادية أم غيرها، بمرجعية قانونية صادرة عن مجلس الأمن.

وأوضح أن هذا القرار يمكن أن يسهم في تخفيف تدفق السلاح إلى السودان، مؤكداً أن وصول هذه الكميات الهائلة من السلاح كانت له آثار قاتلة على المدنيين، وتسبب في استمرار الانتهاكات وفقدان أعداد كبيرة من السودانيين لأرواحهم، خاصة مع استخدام التقنيات الجديدة مثل المسيرات التي أصبحت الطابع الرئيسي في حرب السودان.

وقال ضو البيت: “أنا شخصياً أتمنى أن يتمكن مجلس الأمن من توسيع حظر الأسلحة ليشمل كل السودان برغم أن فرص مروره ضعيفة، وذلك حتى يوفر آلية تضغط على كافة الأطراف التي تصدر الأسلحة إلى السودان، وتدفعها إلى التفكير ملياً قبل الإقدام على هذه العمليات”، مبيناً أن الشعب السوداني — ولا سيما النساء والأطفال — متضرر لأبعد الحدود من انهمار السلاح.

تحركات لاستخدام الفيتو

وعبر رئيس تحرير مجلة الحداثة عن حزنه للأخبار المتداولة حول اتصالات جرت بين مسؤولين ووزراء خارجية في دول بالمنطقة مع وزارة الخارجية الروسية بخصوص الحرب في السودان، وقال: “هذه المسألة محزنة لأبعد الحدود؛ لأنها دليل على أن قضية الحرب والسلام والتحول الديمقراطي في السودان أصبحت في أيدٍ أجنبية وليست بأيدي السودانيين”.

وجدد ضو البيت تمسكه بأنه لا يمكن للخارج — مهما كانت صلته بالسودان — أن يحل محل السودانيين أنفسهم في إدارة شأنهم، وتحديد نهاية للحرب، وإيجاد فرص للاستقرار. وشدد قائلاً: “أرى أن هذه مسؤولية السودانيين، ومحزن جداً أن يكون أمر الحرب والسودان بالكامل الآن في أيادٍ أجنبية”.

وعبر عن اعتقاده بأن هناك عناصر داخلية يهمها استمرار الحرب، ومن هذا المنطلق قد تكون روسيا حليفاً لها، مشيراً إلى أن المتابع للمواقف الروسية لا يرى أنها أسهمت بأي شكل في مساعي إيقاف الحرب.

ولفت إلى أنه حتى المبادرات التي أُطلقت حتى الآن — بدءاً من مبادرة جدة، ومبادرة الرباعية الدولية، والمنامة، واللجنة الخماسية — كان الدور الروسي فيها، إن وجد، هامشياً، مؤكداً أن معظم الجهد جاء من دول مبادرة الرباعية، معتبراً إياه الجهود الأكثر فاعلية لإيقاف الحرب.

(وتضم دول مبادرة الرباعية: أمريكا، السعودية، الإمارات، ومصر؛ بينما تضم مبادرة اللجنة الخماسية: الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، منظمة الإيقاد، وجامعة الدول العربية).

وأكد أن الساعين لمواصلة الحرب هم من يتواصلون الآن مع روسيا، وبصورة أقل مع الصين. مشيراً إلى أن سجل التعامل الروسي مع القضية السودانية في مجلس الأمن كان دائماً داعماً لاستمرار الحرب وللجهات التي ترغب في ذلك.

بينما اعتبر أن مواقف الصين معروفة بنزوعها إلى الابتعاد عن القضايا الساخنة واتخاذ موقف الانكفاء (Low Profile)؛ إذ لا تتدخل بصورة مباشرة وتفضل البقاء في الظل، مبيناً أن من يريد استمرار الحرب يركز جهوده مع روسيا.

الساعون لمواصلة الحرب

وأكد مدير مركز الفكر الديمقراطي أن روسيا من المحتمل جداً أن ترفض في جلسة اليوم أمام مجلس الأمن تمرير مشروع قرار توسيع حظر الأسلحة بشتى الذرائع؛ مشيراً إلى أنها ستتحدث عن حق الدولة في مواجهة التمرد وعن المؤسسات الرسمية، بالرغم من أنها كانت داعمة للطرف الآخر في وقت سابق كحليف لها في ما يتعلق بالذهب والأوضاع في وسط أفريقيا.

وأضاف أن السجل الروسي لا يعكس رغبة حقيقية في التحول الديمقراطي أو إيقاف الحرب أو تحقيق الاستقرار في السودان، معتبراً أن الدوافع الأساسية للموقف الروسي تتمثل في مصالح ضيقة متعلقة بالحصول على نفوذ في البحر الأحمر، وقضايا الذهب، والأوضاع في وسط أفريقيا، فضلاً عن المناكفات المستمرة بينها وبين الولايات المتحدة، مشيراً إلى أنه ليس في أيٍّ من هذه الدوافع مصلحة للسودانيين أو أمنهم واستقرارهم.

وخلص إلى أن هذه القضايا لا تهم روسيا، وبالتالي فمن المتوقع جداً ممن يريد استمرار الحرب وعدم الاستقرار في السودان أن يتجه لطلب المساعدة الروسية في مجلس الأمن لعرقلة القرارات الدولية.

Welcome

Install
×