انتقادات حقوقية لإجراءات تقييد الناشط منيب عبدالعزيز بالسلاسل الحديدية
منيب عبدالعزيز المعتقل في الولاية الشمالية منذ 19 ديسمبر 2025- وسائل التواصل
دنقلا- الأحد 8 فبراير 2026م – راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
بدأت بمحكمة جنايات دنقلا العامة، حاضرة الولاية الشمالية، أمس الأحد، أولى جلسات محاكمة الناشط منيب عبدالعزيز، برئاسة القاضي محمد علي، بتهم تحت المواد (62، 66، 69) من القانون الجنائي، إلى جانب المادتين (24، 26) من قانون جرائم المعلوماتية، وذلك على خلفية مخاطبته جمعًا من المصلين في مسجد مقاصر بمدينة دنقلا، بمناسبة مرور الذكرى السابعة لثورة ديسمبر.
وقال فخر الدين محمد زبير، رئيس هيئة الدفاع عن المتهم منيب، لـ”راديو دبنقا”، إن المحكمة عقدت أمس الجلسة الأولى في القضية عقب إحالة البلاغ من النيابة إلى المحكمة، مشيرًا إلى أن الجلسة شهدت تقديم طلبين أساسيين من طرفي القضية.
وأوضح أن الشاكي (المُبلِّغ) تقدّم بطلب اعتراض على قرار النيابة المتعلق بشطب الاتهام تحت المواد (26، 50، 51) من القانون الجنائي، غير أن هيئة الدفاع ردّت بأن الجهة المختصة بالنظر في مثل هذا الاعتراض هي النيابة العامة، وليس المحكمة، طالما أن المسألة لم تُحال رسميًا إلى ولاية المحكمة. وأضاف أن المحكمة استجابت لاعتراض هيئة الدفاع وقررت رفض طلب المُبلِّغ.
وفي المقابل، ذكر فخر الدين أن هيئة الدفاع تقدمت بطلب للإفراج عن المتهم بالضمانة، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل تطورًا إيجابيًا في مسار القضية، دون الخوض في تقييم نهائي لصحة الإجراءات في هذه المرحلة.
وكانت تنسيقية لجان مقاومة دنقلا قد أعلنت في بيان أن قوة أمنية وعسكرية نفذت عملية مداهمة بمدينة دنقلا، أسفرت عن تطويق منزل منيب عبدالعزيز بمنطقة مقاصر واحتجازه قسرًا. وذكرت أن عملية الاعتقال تمت بطريقة وصفتها بالمهينة، معتبرة أنها تمثل انتهاكًا للحقوق الأساسية.
وجرى اعتقال الناشط الشاب على خلفية مشاركته في إحياء الذكرى السابعة لثورة ديسمبر المجيدة في ديسمبر الماضي، وهو ما أثار موجة من الاستنكار في الأوساط الحقوقية والمدنية داخل السودان وخارجه، في ظل تصاعد القلق من استمرار التضييق على الحريات العامة.
انتصار وخطوة إيجابية
وقال المحامي فخر الدين محمد الزبير إنهم حققوا انتصارًا وخطوة إيجابية مهمة تمثلت في شطب المواد (50 و51 و26) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م في مرحلة النيابة، وهي مواد تُعد من “المواد الخطيرة” التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.
وتتعلق المادتان (50 و51) بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، وقد تصل العقوبة فيهما إلى الإعدام أو السجن المؤبد، إضافة إلى المادة (26) الخاصة بالاشتراك الجنائي أو المعاونة أو التحريض، وعقوبتها السجن أو الغرامة.
وحول إحضار منيب مقيّدًا بالكامل بالسلاسل الحديدية في اليدين والقدمين، أوضح رئيس هيئة الدفاع أن إجراءات الإحضار تمت لأسباب وصفها بـ”الأمنية”، لكنه أشار إلى أن النقاش القانوني الذي دار بعد الجلسة قد يفتح الباب لتغيير طريقة الإحضار في الجلسات المقبلة.
وأبان فخر الدين أن المحكمة حددت جلسة يوم 15 من الشهر الجاري للفصل في طلب الضمانة، مشيرًا إلى أن المحكمة، ولظروف خاصة بها، حددت هذا التاريخ للنظر في الطلب سواء بالموافقة أو الرفض.
وأضاف أن التقييم الشامل لمسار القضية سيكون أوضح بعد جلسة 15 من الشهر الجاري، والتي من المقرر أن تصدر فيها المحكمة قرارها بشأن طلب الضمانة.
ورأى رئيس هيئة الدفاع فخر الدين زبير أن الأهم بالنسبة لهم هو تحقيق تقدم تدريجي في مسار القضية منذ الجلسة الأولى، معتبرًا أن الأولوية هي مناقشة الإفراج بالضمانة في الجلسة القادمة، بدلًا عن إثارة مسألة إحضاره مقيّدًا بالسلاسل الحديدية.
إرسال هاتفه إلى بورتسودان
وقال رئيس هيئة الدفاع إن النيابة، بعد شطب المواد (26 و50 و51) لعدم وجود أساس جنائي، قامت بإضافة مواد جديدة، باعتقاد وجود بينة مبدئية، تحت المادة (62) المتعلقة بإثارة التذمر بين القوات النظامية، وعقوبتها السجن مدة لا تتجاوز خمس سنوات، كما يجوز الحكم بالغرامة.
وأشار إلى أن المادة (66) تنص على نشر الأخبار الكاذبة، وعقوبتها السجن مدة لا تتجاوز ستة أشهر أو الغرامة أو العقوبتين معًا، فيما تتعلق المادة (69) بالإخلال بالسلام العام، وعقوبتها السجن لمدة شهر أو الغرامة.
أما المادتان (24 و26) من قانون جرائم المعلوماتية، فأوضح فخر الدين أنهما تتعلقان بنشر الأخبار الكاذبة، وعقوبتها السجن لمدة سنة أو الجلد أو العقوبتين معًا، بينما تتعلق المادة (26) بالإساءة والسباب، وعقوبتها السجن ستة أشهر أو الجلد أو العقوبتين معًا.
ومن جهته، قال أحد المتابعين لقضية منيب، من الحاضرين لجلسة المحاكمة، لـ”راديو دبنقا”، إن الحاضرين عبّروا عن استيائهم من مشاهدة منيب مقيّدًا بالسلاسل الحديدية (الكلباش)، مشيرًا إلى أنه بمجرد إسقاط المواد الخطيرة (26 و50 و51) كان ينبغي أن يُحضر دون قيود.
وكشفت مصادر أن النيابة اطلعت على حسابات منيب الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، واستندت إلى منشورات في صفحته على منصة “فيسبوك”، كما قامت بإرسال هاتفه إلى مدينة بورتسودان لفحصه والاطلاع على بياناته الشخصية.
وأضافت المصادر أن البلاغات المفتوحة في مواجهته لا صلة لها بالقضية الحالية، مشيرة إلى أن المنشورات كانت سابقة للمخاطبة التي قام بها.
لاتوجد جريمة
من جهته، اعتبر وجدي صالح، المحامي، أنه في حقيقة الأمر لا توجد أي جريمة، ولا يوجد أي فعل ارتكبه منيب عبدالعزيز يمكن أن يشكّل جريمة بموجب القانون الجنائي.
وقال صالح لـ”راديو دبنقا” إن الاتهامات التي وُجهت لمنيب في المرحلة الأولى جاءت تحت المادة (26)، والمتعلقة بالمعاونة على ارتكاب جريمة، مضيفًا: “لن تستطيع النيابة على الإطلاق أن تأتي بواقعة واحدة يمكن أن تشكّل معاونة لارتكاب جريمة”.
وأضاف: “أما العقوبة الواردة في المادة (26) فهي عقوبة التحريض، والمقصود بذلك أنهم يريدون القول إنه يحرّض الناس على ارتكاب جريمة”، وقد ربطوا ذلك بالمواد (50) و(51) المتعلقة بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، غير أن ذلك لا يستند إلى أي وقائع يمكن أن تسند هذا الاتهام.
واعتبر المحامي والمدافع الحقوقي أن كل ما جرى هو اتهام سياسي الغرض منه إسكات صوت الثوار في ذكرى ثورتهم، وأن هذه الاتهامات لا تجد ما يسندها قانونًا.
أما الاتهام المتعلق بجرائم المعلوماتية، فرأى وجدي صالح أن الخطاب الذي بثه منيب، والموجّه للسودانيين، لا يشكّل جريمة، حتى بموجب قانون جرائم المعلوماتية، لأنه خطاب يدعو إلى رفض الحرب، مضيفًا: “لا أعتقد أن هناك قانونًا في العالم يجرّم من ينادي بالسلام أو يطالب بوقف الحرب”.
ادعاء أمني
وأكد وجدي صالح أن هذه الادعاءات معتادة في الأنظمة الانقلابية التي تحاول إسكات أي صوت معارض، مؤكدًا أن ذلك لن ينجح طالما أن الثورة مستمرة وروحها حاضرة لدى الثوار.
وشدد على أن منيب لم يرتكب أي جريمة بموجب القانون الجنائي السوداني أو أي قانون سوداني آخر، معتبرًا أن ما جرى بحقه اعتقال غير مشروع، وأن كل المحاولات لإضفاء صبغة قانونية عليه مردودة ولا تجد سندًا قانونيًا.
وأشار صالح إلى أن ما حدث لمنيب هو ادعاء أمني صادر عن الأجهزة الأمنية، وليس قضية قانونية مكتملة الأركان، لافتًا إلى أن ذلك يأتي في سياق نمط متكرر من المحاكمات، خاصة في الولاية الشمالية، مستشهدًا بما يتعرض له الدكتور أحمد الشفاء.
وفيما يتعلق بإحضار المتهم مقيّدًا بالسلاسل الحديدية، قال وجدي صالح إن تقييد المتهم بالأغلال لا يجوز إلا في الجرائم الخطيرة أو في الحالات التي تُقدَّر فيها مخاطر حقيقية، مثل احتمال الهروب، مؤكدًا أن هذا الإجراء لا يجوز استخدامه بصورة تعسفية أو بقصد الإذلال، متسائلًا باستنكار: إلى أين يمكن أن يهرب شخص مثل منيب؟


and then