التعليم عبر الإنترنت في الجامعات السودانية.. هل يصلح كحل مستدام؟

المكتبة الرئيسية في جامعة الخرطوم- وسائل التواصل

المكتبة الرئيسية في جامعة الخرطوم- وسائل التواصل

أمستردام: راديو دبنقا – 30 يوليو 2026م

أجمع عدد من طلاب الجامعات السودانية المشاركين في برنامج “قضايا الشباب” على راديو دبنقا، على أن التعليم الجامعي عبر الإنترنت كان حلاً اضطرارياً فرضته الحرب، وأسهم في استمرار الدراسة ومنع ضياع الأعوام الأكاديمية، إلا أنهم أكدوا في الوقت نفسه أنه لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً عن التعليم الحضوري، لما يواجهه من تحديات أكاديمية وتقنية واجتماعية.

واستعرض المشاركون تجاربهم الشخصية مع التعليم عن بعد، متحدثين عن الصعوبات التي واجهوها، إلى جانب بعض الإيجابيات التي ساعدت في استمرار العملية التعليمية رغم ظروف الحرب والنزوح.

صعوبات لغياب التواصل المباشر

وقالت نبيلة خالد آدم صالح، طالبة السنة الرابعة بتخصص البنوك والتمويل في جامعة نيالا، لبرنامج “قضايا الشباب”، إن الدراسة عبر الإنترنت لا يمكن أن تعوض الدراسة داخل قاعات الجامعة، موضحةً أن الطلاب يواجهون صعوبة كبيرة في فهم بعض المقررات بسبب غياب التواصل المباشر مع الأساتذة، حيث تُنشر المواد الدراسية دون أن تتاح للطلاب فرصة كافية لطرح الأسئلة أو الحصول على التوضيحات اللازمة.

وأضافت أن هناك حاجة دائمة إلى الشرح المباشر من قبل الأستاذ، وهو ما يفتقده التعليم الإلكتروني، مشيرةً إلى أن هذا النمط من الدراسة كان مقبولاً فقط باعتباره حلاً مؤقتاً فرضته ظروف الحرب. ودعت نبيلة إلى إعادة فتح الجامعات في المناطق الآمنة، معربةً كذلك عن مخاوفها من إجراء الامتحانات عبر الإنترنت، لكونها تجربة جديدة لم يخضها الطلاب من قبل.

لا يصلح للتخصصات العلمية

من جانبها، وصفت مرام بدر الدين، طالبة الصيدلة بجامعة الخرطوم، تجربتها مع التعليم الإلكتروني بالإيجابية نسبياً، مؤكدة أنه وفر لها مرونة كبيرة في متابعة المحاضرات وإعادتها أكثر من مرة حتى تتمكن من استيعابها بصورة أفضل.

وأوضحت أن أهم ما حققه التعليم عن بعد هو الحفاظ على استمرارية الدراسة في ظل الحرب، حيث أصبح التعليم الحضوري مستحيلاً بالنسبة لكثير من الطلاب بسبب الأوضاع الأمنية وتوزعهم داخل السودان وخارجه. لكنها شددت على أن التعليم الإلكتروني لا يصلح بديلاً دائماً، خاصة في التخصصات العملية والطبية التي تعتمد على التدريب داخل المعامل، مشيرة إلى أن مشكلات الإنترنت والكهرباء وتوفر الأجهزة ظلت من أبرز العقبات.

ضعف الإنترنت

أما أحمد ياسر صلاح، الطالب بجامعة المستقبل، فأكد أنه لا يرى فائدة كبيرة للدراسة عبر الإنترنت مقارنة بالدراسة الحضورية، مشيراً إلى أن ظروف النزوح إلى دول مثل أوغندا حرمت كثيراً من الطلاب من أجهزتهم الإلكترونية، فضلاً عن الصعوبات الاقتصادية التي تحول دون توفير الإنترنت والأجهزة اللازمة للدراسة.

وأضاف أن الحرب حرمته وزملاءه من خوض التجربة الجامعية التي طالما حلموا بها، بما تحمله من صداقات وأنشطة وخبرات حياتية، معرباً عن أمله في انتهاء الحرب وعودة الطلاب إلى جامعاتهم لاستكمال تعليمهم بصورة طبيعية.

بدورها، قالت فيي محمد، طالبة كلية الهندسة، إن التعليم عن بعد ساعد في استمرار الدراسة ومنع ضياع السنوات الأكاديمية، لكنه واجه تحديات كبيرة؛ أبرزها ضعف الإنترنت، وانقطاع الكهرباء، وعدم توفر الأجهزة المناسبة، خاصة خلال فترة النزوح. وأوضحت أن تخصص الهندسة يعتمد بدرجة كبيرة على الجانب العملي الذي يشكل نحو 70 في المئة من الدراسة، الأمر الذي جعل التعليم الإلكتروني عاجزاً عن تعويض التدريب العملي داخل المعامل.

حل مؤقت

من جهتها، أكدت نبأ عثمان محمد أحمد عمر، طالبة الصيدلة بجامعة الخرطوم، أن التعليم الحضوري يظل الأفضل، لأنه يساعد على فهم المحاضرات بصورة مباشرة، ويتيح المراجعة أولاً بأول، ويخفف من أعباء المذاكرة والاستعداد للامتحانات. وأضافت أنها عانت خلال سنتها الرابعة التي درستها بالكامل عبر الإنترنت، حيث اضطرت إلى إعادة مشاهدة المحاضرات مرات عديدة، والبحث عن شروحات إضافية عبر الإنترنت حتى تتمكن من استيعاب المواد الدراسية.

كما رأى أحد الطلاب المشاركين أن التعليم الجامعي عبر الإنترنت يمثل حلاً مؤقتاً فرضته الظروف، لكنه لا يصلح بديلاً دائماً، موضحاً أن الدراسة عبر الهاتف أو الأجهزة الإلكترونية تجعل كثيراً من الطلاب أكثر عرضة للتشتت وضعف التركيز، كما أنها لا تغطي جميع المقررات الدراسية بالكفاءة المطلوبة، فضلاً عن غياب التفاعل المباشر داخل القاعات الدراسية.

وتحدثت ضحى علي بابي الزين، طالبة كلية الآداب بقسم الإعلام وعلوم المعلومات والمكتبات في جامعة الخرطوم، عن تجربتها مع التعليم عن بعد، مؤكدة أن القلق على المستقبل الدراسي كان أول ما واجه الطلاب مع اندلاع الحرب. وقالت إن التعليم الإلكتروني وفر لها مرونة في إدارة الوقت، وساعدها على تطوير مهارات البحث والتعلم الذاتي، لكنه في المقابل حرمها من الاستفادة المباشرة من خبرات الأساتذة، ومن النقاشات العلمية داخل القاعات الدراسية، إضافة إلى فقدان الجانب العملي للمقررات.

وأضافت أن أكثر ما افتقدته خلال هذه الفترة هو الحياة الجامعية بكل جوانبها الاجتماعية والثقافية، مؤكدة أن الجامعة ليست مجرد محاضرات وامتحانات، بل هي أيضاً فضاء لبناء العلاقات الاجتماعية واكتساب الخبرات وصناعة الذكريات.

تحديات لوجستية وتقنية

وفي السياق نفسه، استعرض الأستاذ محمد آدم، أحد أساتذة الجامعات السودانية، تجربة التدريس عبر الإنترنت، موضحاً أنها بدأت بعد عدة أشهر من اندلاع الحرب؛ في البداية عبر تطبيق “واتساب”، قبل الانتقال إلى استخدام منصات مجانية مثل “جوجل ميت” لشرح المحاضرات والتواصل مع الطلاب.

وأشار إلى أن الجامعات السودانية لم تتمكن من استخدام منصات تعليمية متطورة بسبب ضعف التمويل وغياب الدعم الحكومي، إلى جانب استمرار مشكلات الإنترنت وارتفاع تكلفته، وعدم توفير تدريب كافٍ للأساتذة والطلاب على استخدام أنظمة التعليم الإلكتروني، الأمر الذي انعكس سلباً على انخفاض نسبة حضور الطلاب للمحاضرات المباشرة.

ورغم تلك التحديات، رأى محمد آدم أن التجربة أثبتت قدرة الجامعات والطلاب على التكيف مع الظروف، مؤكداً أن التعليم الإلكتروني يمكن أن يستمر مستقبلاً كوسيلة داعمة للتعليم الحضوري، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المواصلات، لكنه لا يمكن أن يحل محل الدراسة داخل الجامعات، خصوصاً في التخصصات التي تعتمد على التطبيق العملي والتفاعل المباشر بين الطلاب والأساتذة.

وتعكس هذه الشهادات حجم التحديات التي فرضتها الحرب على قطاع التعليم العالي في السودان، كما تكشف في الوقت نفسه عن تمسك الطلاب باستكمال مسيرتهم الأكاديمية، رغم الظروف الإنسانية والاقتصادية والأمنية المعقدة التي يعيشها آلاف الطلاب داخل السودان وخارجه.

Welcome

Install
×