التحركات الأممية المعقدة في المشهد السوداني ورهانات التحول المدني!!

بيكا هافيستو- المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان

بيكا هافيستو- المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان


تقرير – أشرف عبدالعزيز
أثارت التحركات الأخيرة للمبعوث الأممي الخاص إلى السودان، الدبلوماسي الفنلندي بيكا هافيستو، موجة واسعة من النقاشات السياسية والتحليلات الإعلامية، لا سيما بعد لقائه بـقيادات بارزة من حزب المؤتمر الوطني المحلول في العاصمة الكينية نيروبي. يأتي هذا الحراك في وقت حساس تسعى فيه الأمم المتحدة إلى تلمس مسارات لإنهاء الأزمة السودانية المعقدة، وبناء جبهة مدنية قوية قادرة على قيادة المرحلة المقبلة، بالتزامن مع جهود الوساطة المستمرة بين الأطراف المتحاربة لتقريب وجهات النظر وتأسيس ركائز صلبة للانتقال السياسي والتحول الديمقراطي.


التوافق حول الحكم المدني والخطوط الحمراء


أظهرت تصريحات المبعوث الأممي في إيجازه الصحفي بالعاصمة هلسنكي وجود إجماع متزايد وملحوظ بين الأطراف الرئيسية الفاعلة في المشهد السوداني حول ضرورة إنهاء الحكم العسكري والتوجه نحو نظام مدني كامل، معتبراً أن هذا الهدف يمثل القضية الوحيدة التي تبدو المجموعات المختلفة متحدة ومجمعة بشأنها في الوقت الراهن. وفي المقابل، حملت تصريحات هافيستو إشارات واضحة إلى وجود اشتراطات صارمة وخطوط حمراء ترسمها قوى دولية وإقليمية تتعلق برفض تمثيل جماعة الإخوان المسلمين أو قوى الإسلام السياسي في الترتيبات الانتقالية القادمة، حيث أكد أن هذه التوجهات تؤخذ بعين الاعتبار والتحضير بجدية داخل مفاوضات وقف إطلاق النار والعملية السياسية الجارية، مدعومة بموقف حازم من الآلية الرباعية التي تتمسك بخارطة الطريق المعتمدة كمسار ملزم وغير قابل للتراجع.

أبعاد الموقف الدبلوماسي


تشير كواليس هذه التحركات إلى أن الأمم المتحدة تسعى حثيثاً لتقوية المكون المدني وتطوير أدائه من خلال اجتماعات موسعة ومتتالية عُقدت في العاصمة الألمانية برلين وتلك المقررة للشهر المقبل، وذلك لتفادي التحفظات الواسعة التي أبدتها قوى سياسية ومدنية سودانية في أوقات سابقة على أداء البعثة الدولية والوساطات السابقة. ومع ذلك، يواجه الحراك الحالي تحديات إجرائية وهيكلية مستمرة، حيث تلفت المصادر إلى أن طاقم الموظفين العامل مع البعثة الأممية لم يشهد أي تغييرات جوهرية أو تحديثات في كوادره منذ فترة المبعوث السابق الدبلوماسي الجزائري رمطان لعمامرة، مما يضع آليات التنفيذ تحت مجهر الرقابة والتقييم من قِبل الفاعلين المحليين.


قراءة تحليلية


في قراءة نقدية لمضمون التصريحات والسياق الذي نُشرت فيه، يرى المحلل السياسي والكاتب الصحفي مكي المغربي في حديثه لـ “راديو دبنقا” أن الوسيلة الإعلامية التي أجرت الحوار، وهي صحيفة ذا ناشونال الإماراتية، نجحت في إبراز وتسليط الضوء على حديث المبعوث الأممي بالطريقة التي تخدم الخط السياسي والتوجه العام لدولة الإمارات العربية المتحدة، مشيراً إلى أن الصحيفة لا تلام على هذا الأسلوب التحريري الذي يتماشى مع أجندتها. ويضيف المغربي أن ما تم نشره على لسان بيكا هافيستو قد قيل بالفعل، لكنه لا يمثل سوى جزء محدد وموجه من موقفه الكلي، موضحاً بناءً على مصادر مطلعة أن المبعوث التقى في الواقع بمعظم السياسيين السودانيين بمختلف توجهاتهم بما في ذلك الإسلاميون، وأن التسريبات تشير إلى عدم قدرته على الالتزام بأي أجندة إقصائية من جهة أخرى تحاول تقييد لقاءاته وحركته الدبلوماسية.


أسباب التحفظات الرسمية


يستطرد المحلل مكي المغربي في تحليله مشيراً إلى أن هناك تحفظات واضحة ومعلنة تحيط بشخص المبعوث الأممي الجديد لأسباب تجمع بين ما هو سياسي ودبلوماسي وما هو ثقافي وشخصي. وتتمثل العقبة السياسية والدبلوماسية الأساسية في وجود موقف حكومي سوداني رسمي ومؤسس يرفض صيغة المبعوث الخاص، حيث تطالب الحكومة في السودان بالتعامل مع مدير مكتب طبيعي للأمم المتحدة يمارس مهامه وفق الأطر التقليدية المتعارف عليها دون صلاحيات مبعوث خاص يتدخل في المسارات السياسية. وعلى الصعيد الآخر، يوضح المغربي أن هنالك تحفظات أخرى ذات طابع ثقافي واجتماعي تتعلق بالحياة الخاصة للمبعوث الفنلندي، والتي تحولت إلى معطى عام ومادة للتداول والنقاش السياسي والعلني عقب ترشحه السابق في الانتخابات الرئاسية بالفنلندا، مما يضفي مزيداً من التعقيد والوجاهة على مواقف بعض الأطراف السودانية المحافظة تجاه شخصه وتحركاته في المنطقة.

Welcome

Install
×