استمرار تداعيات”استقالة رباح”.. خريجو جامعة الخرطوم يطالبون بالتحقيق

البروفيسور علي رباح أمين الشئون العلمية بجامعة الخرطوم الذي تقدم باستقالته-وسائل التواصل


امستردام: الخميس 8 يناير2026: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
فجرت استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم البروفسير علي رباح جدلاً واسعاً، على خلفية قضية “تزوير الشهادات الجامعية” وأثارت المخاوف والقلق على مستقبل ومصير العديد من الطلاب و الخريجين حول سلامة السجل الأكاديمي من التدخلات الخارجية وزعزعة الثقة في الشهادات الجامعية في السودان.
 
وقد شكلت هذه القضية لحظة فارقة ومنعطف خطير في تاريخ الجامعة الممتد لأكثر من مئة عام والمشهود لها بالنزاهة والمسؤولية الأكاديمية ولخريجيها بالكفاءة.

توافق مواقف الخريجين

وفي هذا السياق، أصدر مؤتمر خريجي جامعة الخرطوم، ومجلس إدارة خريجي الجامعة بأمريكا الشمالية “يوكتا” بيانين منفصلين، توافقا فيه على ضرورة 
تشكيل لجنة تحقيق مستقلة حول ما ورد في استقالة أمين الشؤون العلمية وعبرا فيه عن بالغ القلق إزاء ما ورد في الاستقالة، داعين لحماية وصون الجامعة من أي تدخلات خارجية كما أشادا بموقف بروفسير علي رباح الذي وصفاه بـالمبدئي والأخلاقي وأمانته الأكاديمية.

وقال مؤتمر خريجي جامعة الخرطوم في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا” إنَّ صون نزاهتها الأكاديمية ليست شأنًا إداريًا داخليًا فحسب، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة، تمس حقوق الطلاب والخريجين، وثقة المجتمع في مؤسساته التعليمية.

ودعا المؤتمر الجهات المختصة في إدارة الجامعة ووزارة التعليم العالي إلى فتح تحقيق مهني مستقل وشفاف حول ما ورد في خطاب الاستقالة، ومخاطبة الرأي العام بنتائجه في حدود ما يحفظ الأمن المعلوماتي والمؤسسي.

كما أعلن عن عزمه تكوين لجنة من خريجي الجامعة من ذوي الاختصاص لدراسة القضية من منظور مهني وأخلاقي، ورفع توصياتها للجهات ذات الصلة.


وأكد دعمه الكامل لكل الجهود الرامية إلى تحصين السجل الأكاديمي، واستكمال مشروع التحول الرقمي، وحماية الشهادات الجامعية من أي عبث أو تلاعب.

حماية السجلات

من جهته أكد مجلس إدارة خريجي الجامعة بأمريكا الشمالية “يوكتا” في بيان صحفي اطلع عليه “راديو دبنقا” دعمه الكامل لكل الجهود التي تبذل لصون نزاهة واستقلال جامعة الخرطوم وحماية سجلاتها الأكاديمية من أي عبث أو تلاعب.

وشدد المجلس على أن حماية سمعة الجامعة مسؤولية جماعية تقع على عاتق إدارتها وأساتذتها وطلابها وخريجيها على حد سواء. وأبدى مجلس إدارة “يوكانا” استعداده لتقديم الخبرات المطلوبة لتحقيق هذا الهدف.  

وكان البروفسير علي رباح قد عزا الاستقالة  التي نشرها للرأي العام عبر المنصات واطلع عليها “راديو دبنقا” إلى تعرّضه لضغوط خارجية صريحة ومباشرة لإرغامه على السكوت عن محاولة تزوير الشهادات الأكاديمية، ووصول طرف ثالث غير مشروع إلى سجل الجامعة بوزارة التعليم العالي، إلى جانب التراجع عن مسار التحول الرقمي وإيقاف مشروع الشهادات الإلكترونية.

وقال إن استقالته “تعبير صريح عن موقف مبدئي وأخلاقي وإنساني..وعندما يصبح البقاء في الموقع مشروطًا بالتفريط في الأمانة، فإن الرحيل يصبح فعلًا أخلاقيًا لا انسحابًا”.

وأكد أن حماية السجل الأكاديمي ليست مسألة إدارية فحسب، بل هي قضية أمن قومي وصون لسمعة الجامعة محليًا وعالميًا.

مجلس الجامعة يحقق

وفي ذات السياق أعلن مجلس جامعة الخرطوم عن تكوين لجنة من أساتذة وخريجي جامعة الخرطوم للتحقيق في الأسباب الواردة في استقالة أمين الشؤون العلمية بالجامعة د.علي رباح على خلفية قضية تزوير الشهادات الجامعية.
وأشاد مجلس جامعة الخرطوم في بيان صحفي بتوقيع رئيس المجلس بروفيسور سلمان محمد أحمد سلمان، اطلع عليه “راديو دبنقا” بموقف البروفيسور علي رباح بتقدمه باستقالة من الجامعة على خلفية تزوير الشهادات، ووصف موقفه بالوطني، الأكاديمي، الشجاع، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد. 


وأعطى القرار، اللجنة صلاحية الاطلاع على كل الملفات والسجلات ومقابلة والتحدث مع كل الأشخاص الذين تعتقد اللجنة أن لديهم من المعلومات التي قد تساعدها في أداء مهمتها، وحدد فترة عمل بشهر واحد لتصدر تقريرها.

172 مؤسسة تعليم عالي

من جهتها قالت وزارة التعليم العالي في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا” إنَّ حماية قواعد بيانات الدولة تُعد إجراءً سياديًا وطنيًا يهدف إلى صون حقوق الطلاب والخريجين، سيما بعد تعرض عدد من مقار المؤسسات التعليمية للتخريب بفعل قوات الدعم السريع، في إشارة إلى فترة سيطرتها على ولاية الخرطوم.

وأشارت وزارة التعليم العالي بأنه بناءً على طلب رسمي مكتوب، قامت بتزويد أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم بنسخ كاملة من بيانات الطلاب والخريجين لضمان استمرارية عمل أمانة الشؤون العلمية.

وقالت في الوقت الذي رفض فيه أمين الشؤون العلمية المستقيل إيداع شهادات تفاصيل خريجي الجامعة في قاعدة البيانات المركزية قبل الحرب بدعوى “الاستقلالية”، الأمر الذي انعكس سلباً على استخراج شهادات التفاصيل بعد اندلاع الحرب، وهذا ما يؤكد عدم صحة طرحه الذي ألحق ضررًا مباشرًا بمصلحة الطلاب والخريجين.

 ونوهت إلى أن ذات “الاستقلالية” قد تنازل عنها بطلبه لتزويد الجامعة ببيانات المقبولين والخريجين من الوزارة، وهو ما أتاح استئناف العمل وفتح نافذة استخراج الشهادات العامة بالجامعة.
وشكلت وزارة التعليم العالي لجنة للتحقيق برئاسة الدكتور عوض حاج علي حول الاتهامات التي وردت في منشور أمين الشئون العلمية.

إشادة بالاستقالة


من جهته أشاد وزير التربية والتعليم السابق، البروفيسور محمد الأمين التوم، بموقف أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، البروفيسور علي رباح، الذي تقدم باستقالة نشرها للرأي العام، وأثارت جدلًا واسعًا بسبب ما تضمنته من حديث عن تزوير الشهادات الجامعية وتغوّل نافذين في الشأن الأكاديمي.

وقال التوم لـ«راديو دبنقا»: «أحيّي البروفيسور علي رباح، فأنا أعرفه جيدًا، ولا يحتاج مني إلى شهادة على استقامته وخلقه، فذلك واضح من الاستقالة نفسها. وهي بلا شك خطوة ليست سهلة، وكما أشار هو، فإنها تتعلق بقضايا تمسّ الأمن القومي».

وأشار وزير التربية والتعليم السابق إلى أنه من الواضح أن هناك هجمة خارجية وضغوطًا مورست عليه، لكن من مارسوا تلك الضغوط لم يدركوا قدر هذا الرجل، لأنه ليس من النوع الذي يمكن أن يُطلب منه فعل شيء فيستجيب له بسهولة. وتابع قائلًا: «لذلك أوجّه له التحية، فموقفه شجاع ويشبهه كثيرًا، ويمكن القول في النهاية إنه يشبه جامعة الخرطوم، لأن جامعة الخرطوم ليست إرثًا ولا مجرد اسم».
وأكد أن هذا هو ما يُنتظر منه ومن كل من ينتمي إلى جامعة الخرطوم انتماءً حقيقيًا، سواء كان طالبًا أو خريجًا أو عضو هيئة تدريس
.


وقال الخبير والباحث الأكاديمي: “أما رأيي في هذه الاستقالة، فهو أن الأمر بالغ الخطورة، ويتطلب اهتمام جميع المعنيين بمستقبل البلاد، وأن يهتموا بالقضية التي طرحها رباح، والتي كانت سببًا مباشرًا في استقالته“.

الاستقالة إرث المقاومة:

وأوضح أن الاستقالة نفسها لا تقدم تفصيل صريح عمّا حدث تحديدًا، لكنها تشير إلى التعرض للسجل الأكاديمي، وصفها بالقضايا الخطيرة، وتؤثر – كما ذكر في الاستقالة – على مستقبل الطلاب والخريجين. وتابع قائلاً:” عندما أربط هذه القضايا مع بعضها،  فإنها تذكرني بمشكلة حدثت قبل فترة في قطاع التعليم العالي، وتحديدًا في مؤسسات التدريس، وتتعلق بما يُعرف بقضية التحقق من السجلات الأكاديمية“.

وأضاف قائلاً: “لشرح هذه المسألة، نفترض مثلًا أن خريجًا من جامعة الخرطوم، سواء على مستوى البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه، تقدّم لوظيفة في مكان ما، ولنقل على سبيل المثال في مؤسسة أو جامعة خارج السودان، كأن تكون في الخليج أو في بريطانيا. فعادةً ما تقوم الجهة التي تقدّم إليها، وعندما تبدي رغبة في النظر في إمكانية توظيفك، بأول خطوة تتمثل في التحقق من الشهادة، وهو ما يُعرف بعملية التحقق“.

وأشار إلى أن السودان خلال الثلاثين عاماً الماضية من حكم الحركة الإسلامية “النظام السابق” كانت سمعة مؤسسات التعليم العالي في عهده في “الحضيض”، وقال إن كان أول ما بدأ الكشف عن التزوير في دولة الأردن، موضحاً بأن جرى اكتشاف وجود عدد من الشهادات في إحدى الجامعات، أمسك عن ذكر إسمها، وأضاف: “لكن جامعة بعينها، ثبت أن شهاداتها كانت مزوّرة، وذلك على مستوى التعليم العالي، بما في ذلك شهادات الدكتوراة“.

وذكر بأن ذات الأمر تكرر اكتشافه في المملكة العربية السعودية، “وحسب ما أعرف”، وحتى عام 2025، وقال منذ عام 1990 ــ 1991تقريبًا، أوقفت جامعة الملك سعود في الرياض توظيف خريجين من بعض الجامعات السودانية، في الفترة من عام 1990 إلى عام 2000، وأرجع السبب في ذلك لم يكن التزوير وحده، وإنما تدني المستويات الأكاديمية بصورة كبيرة، في حين أنه قبل التسعينيات كان هناك إقبال شديد وإصرار من عدد من المؤسسات والجامعات الخليجية عمومًا على البحث عن السودانيين واستقطابهم.

التحقق من الشهادات


وبالعودة إلى الموضوع المتعلق بالتحقق من الشهادات، رأى الوزير السابق بروفسير محمد الأمين التوم، أنه من المفترض على الجامعة التي تنظر فيه وترد على استفسارات الآخرين بشأن الشهادات الصادرة عنها. غير أنه استدرك قائلاُ: في الفترة الأخيرة لوحظ أن أصبحت هنالك جهات أخرى تتولى هذه المهمة، وتحديدًا في وزارة التعليم العالي.

وفي هذا السياق،  أضاف قائلاً إنَّ جامعة الخرطوم في فترة إدارة البروفيسورة علي رباح، احتجوا على هذا الإجراء، وطالبوا بأن تكون عملية التحقق حصرًا ومن اختصاص المؤسسة نفسها، أي جامعة الخرطوم، خاصة وأن داخل الجامعة أمانة الشؤون العلمية، وهو مهامها واختصاصها الأصيل.

وأوضح قائلاً: “حسب ما أذكر، فقد شُكلت لجنة تحقيق داخل جامعة الخرطوم، وهذه اللجنة أكلمت مهمتها وأنجزتها ورفعت تقريرها إلى مدير الجامعة، وأعلنت أنها تملك أدلة قاطعة. ووفق ما أُعلن أيضًا، فإن مدير الجامعة رفع التقرير بدوره إلى الوزارة، إلى الوزير المختص، لكن لم يحدث أي إجراء لاحق، وبقي الأمر دون معالجة، رغم أن هذه القضية مرت عليها فترة طويلة جدًا.

وعبر الخبير التربوي والباحث الأكاديمي عن اعتقاده بأن البروفيسور علي  رباح رأى أن هذه القضية وصلت إلى درجة لايمكن القبول بها،وأصبح لزاماً عليه إما أن يصمت أو أن ينخرط في هذه الجريمة ، فاختار الاستقالة، بعدما أصبح الخيار المطروح أمامه، لكنه اعتبر ذلك تفريطًا في سمعة الجامعة، وتفريطًا في الأمن القومي، لأن جامعة الخرطوم ليست مثل أي مؤسسة بل لها خصوصيتها، ولها تاريخها، ولها إرثها، ولها قيمتها بالنسبة للبلاد.

قضية رأي عام


وحذر بروفيسور محمد الأمين التوم بأن من هنا تتضح خطورة هذا الموضوع، مشدداً على أن الاستقالة أصبحت قضية رأي عام. مناشداً جميع أجهزة الإعلام الوطنية أن تهتم بهذا الملف اهتمامًا أكبر، وأن تبحث فيه بدقة، وأن تذهب إلى وزارة التعليم العالي وإلى إدارة جامعة الخرطوم لتسأل عمّا يحدث، لمعرفة التفاصيل، لأن الشفافية المعدومة لا تمنح بل  تُنتزع.

وجدد التوم تهنئته لأمين الشؤون العلمية على موقفه بالتقدم بالاستقالة، على ماوصفه بالموقف العظيم، معرباً عن أمله لتكاتف الجهود من أجل حماية الجامعة، محذراً من أن الجامعة حالياً مهددة منوهاً على أن الاستقالة ليست كافية لحسم هذه القضية، فإذا استقال علي رابح فمن الذي سيتم تعينه خلفاً له، وقال يمكن أن يتم تعيين أي شخص، في ظل ظروف الحرب الدائرة الآن، الحركة الإسلامية عادت للهيمنة على كل المؤسسات والخدمة المدنية وتسيير دفة الدولة.

وكرر مناشدته للجميع وخاصة الجهات الإعلامية بالاهتمام بهذه القضية مشيراً إلى أن هذه الاستقالة تنبه الجميع بأن جامعة الخرطوم في خطر وإن لم تتكاتف الجهود لحمايتها فإن الجامعة مهددة بصورة فعلية.

Welcome

Install
×