إعادة صياغة العقيدة العسكرية: تحليل لتصريحات ياسر العطا حول إصلاح معايير القبول بالكلية الحربية


تقرير ؛ أشرف عبدالعزيز
​تمثل التصريحات الأخيرة للفريق أول ركن ياسر العطا، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة، نقطة تحول جوهرية في الخطاب الرسمي للمؤسسة العسكرية السودانية، حيث كشف عن توجه جديد لاعتماد نظام المحاصصة السكانية العادلة في القبول للكلية الحربية والمؤسسات الأمنية والشرطية. هذا التوجه الذي يربط بين نسب القبول والتعداد السكاني لكل ولاية يهدف بالأساس إلى استعادة صفة “القومية” للقوات المسلحة، وضمان تمثيل كافة المكونات السودانية في هيكل القيادة العسكرية، مع التشديد على عدم التنازل عن الشروط المهنية والجسدية المعهودة للانتساب. ولم يقتصر حديث العطا على الجانب التنظيمي، بل امتد ليشمل البعد العملياتي بالتأكيد على وجود خطط استراتيجية لتحرير مناطق كردفان ودارفور بالإضافة إلى بادرة سياسية تمثلت في التعهد بإنهاء الملاحقة القانونية للصحفية داليا إلياس، مما يعكس رغبة في تهدئة الجبهة الإعلامية بالتزامن مع الإصلاحات الهيكلية.

​جذور الخلل واستعادة المعايير التاريخية:

​يرى الخبير العسكري الطيب عثمان يوسف أن هذه الخطوة ليست مجرد ابتكار جديد، بل هي عودة ضرورية للمسار الصحيح الذي كان متبعاً قبل عام 1989. ففي الحقب السابقة، كان الاختيار يتم عبر لجان تجوب الأقاليم وتجري معاينات أولية في رئاسات الأقاليم لضمان تمثيل شامل لكافة السودانيين. ويؤكد يوسف أن هذا النظام اختل بشكل حاد بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة، حيث تحول المعيار من الكفاءة والتمثيل الجغرافي إلى الولاء التنظيمي للجبهة الإسلامية، مما حصر القبول في فئات اجتماعية وقبائل محددة تدين بالولاء للنظام السابق. ويشدد يوسف على أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يتجاوز فكرة التمثيل القبلي إلى تطهير المؤسسة من “الجانب العقائدي” والولاءات الحزبية للمؤتمر الوطني، لضمان تعافي الكليات العسكرية من الاختلالات التي جعلت الجندية في بعض الفترات مهنة تفتقر للمعايير الدولية نتيجة التدخلات السياسية في التشكيلات القتالية.

​تحديات الشرعية والواقع الميداني المأزوم:

​من منظور قانوني وسياسي، يطرح السفير عادل شرفي رؤية نقدية لهذه التصريحات، فبينما يقر بإيجابية الهدف من حيث المبدأ، إلا أنه يصف القرار بأنه يفتقر للشرعية القانونية لصدوره عن سلطة لا تستند إلى توافق دستوري وديمقراطي. ويرى شرفي أن إصلاح العقيدة العسكرية ومناهج الكليات الحربية يجب أن يكون جزءاً من “اتفاق قومي شامل” يخضع فيه الجيش للسلطة المدنية ويرفض الانقلابات. ويشير شرفي إلى عقبات واقعية تحول دون تنفيذ “التمثيل العادل” في الوقت الراهن، أبرزها الحرمان التعليمي الواسع في مناطق دارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث لم يتمكن الطلاب هناك من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية أو استخراج الأوراق الثبوتية بسبب الحرب. ويحذر شرفي من أن استمرار سيطرة عناصر النظام البائد على مفاصل القرار العسكري قد يؤدي إلى استغلال نظام “النسب الولائية” لاستقطاب كوادر مؤدلجة من مختلف الولايات، مما يعمق أزمة تسييس الجيش بدلاً من حلها.

​القومية بين الطموح السياسي والمعوقات الهيكلية:

​تضع هذه التحولات المؤسسة العسكرية أمام اختبار حقيقي لمصداقية شعارات “القومية”، فبين ترحيب الخبراء بالعودة إلى نظم ما قبل 1989 وتحفظاتهم على توقيت القرار في ظل غياب التوافق المدني، تبرز معضلة التوفيق بين المعايير الأكاديمية الصارمة وبين واقع الولايات المتضررة من النزاع.
إن نجاح رؤية الفريق العطا في خلق جيش يجد فيه كل سوداني نفسه يتطلب أكثر من مجرد توزيع نسب مقعدية، بل يستلزم تهيئة بيئة تعليمية وقانونية متساوية، وضمان استقلالية لجان الاختيار عن أي نفوذ حزبي أو أيدلوجي، لضمان ألا تتحول “عدالة القبول” إلى مجرد غطاء لتوسيع القاعدة التنظيمية في ظل استقطاب سياسي حاد يعصف بالبلاد.

Welcome

Install
×