أجساد النساء ميدان صراع في حرب السودان
نساء نازحات فرو من الفاشر الى طويلة : الامم المتحدة
كمبالا : 26 يناير 2026: راديو دبنقا
كشفت إفادات نسوية وحقوقية متطابقة أن الحرب الدائرة في السودان، وبعد أكثر من ألف يوم على اندلاعها، لم تعد مجرد صراع عسكري بين أطراف متحاربة، بل تحولت إلى حرب مفتوحة على أجساد النساء والفتيات، استخدم فيها العنف الجنسي والانتهاكات الجسيمة كأدوات للإذلال وكسر المجتمعات، وسط انهيار منظومات الحماية والعدالة، واستمرار الإفلات من العقاب.
وأكدت المتحدثات في إفادات (لراديو دبنقا) عبر برنامج كنداكات وميارم أن النساء أصبحن في قلب هذا الصراع، سواء في مناطق المواجهات المباشرة أو في مناطق النزوح والمعسكرات، حيث تتقاطع الانتهاكات الجسدية والنفسية مع الفقر والجوع وانعدام الأمن.
سلاح حرب ممنهج
قالت المديرة الإقليمية للمنظمة السودانية للبحث والتنمية سورد دكتورة عائشة الكارب إن هذه الإفادة تستند إلى خلاصات بحوث وقراءات وتجارب عملية راكمتها المنظمة، إلى جانب تجارب منظمات نسوية أخرى تعمل في السياق نفسه، مؤكدة أن الحرب الجارية في السودان لم تُدار بالسلاح والرصاص والمدفعية فقط، بل أُديرت وبشكل ممنهج عبر أجساد النساء.
وأوضحت في إفادة (لراديو دبنقا) أن جسد المرأة السودانية تحول خلال هذه الحرب إلى أداة ورسالة وساحة صراع حقيقية، تُمارس عليها مختلف أشكال العنف والانتهاكات الجسيمة، مشيرة إلى أن ما يحدث لا يمكن النظر إليه باعتباره انتهاكات فردية عشوائية، بل هو نمط من الانتهاكات الاستراتيجية ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية العميقة.
وأضافت أن العنف الجنسي استُخدم في هذه الحرب كسلاح منظم ومقصود، ولم يكن مجرد نتيجة جانبية لغياب الانضباط العسكري، بل كان هدفه الأساسي إذلال المجتمعات المحلية وكسر ما يُعرف بمفهوم الشرف في البنى والمجتمعات الذكورية. وأشارت إلى وجود استهداف إثني وجغرافي واضح، حيث تُستهدف النساء على أساس خلفياتهن القبلية أو مناطق سكنهن، لا سيما في دارفور ومناطق النزاع الأخرى، مع انتشار خطاب يربط بين السيطرة العسكرية والسيطرة على أجساد نساء الطرف الآخر.
وبيّنت الكارب أن الجسد في هذه الحرب لم يكن هدفاً للنساء كأفراد فقط، بل كرموز للهوية الاجتماعية، حيث يُستخدم الاغتصاب والانتهاك الجنسي كعقاب جماعي موجّه إلى المجتمع بأكمله. ولفتت إلى أن هذه الانتهاكات مركبة ومتعددة المراحل، تبدأ بالترهيب، ثم الاعتداء الذي يصاحبه في كثير من الأحيان إهانات لفظية عنصرية أو جندرية، وتتبع ذلك وصمة اجتماعية وتشريد قسري، في سياق انهيار شبه كامل لمنظومات الحماية والعدالة الرسمية.
وأشارت إلى أن التهديد بالاغتصاب، أو التفتيش المهين، أو إجبار النساء على خلع ملابسهن في الارتكازات، يُعد جزءاً من عملية مستمرة تهدف إلى تحطيم إرادة المرأة وكرامتها، مؤكدة أن هذه الممارسات تتم في ظل غياب تام للمساءلة، ما يعمّق معاناة النساء ويزيد من شعورهن بعدم الأمان.
وفي امتداد لهذه الإفادات، تحدثت الكارب لراديو دبنقا عن ما وصفته بجدار الصمت والوصمة، موضحة أن الناجيات يواجهن تحدياً كبيراً يتمثل في الصمت القسري الذي يفرضه المجتمع، حيث تُحمّل الضحية في كثير من الأحيان مسؤولية ما جرى لها، باستخدام مفاهيم مثل العار والسمعة لإسكاتها. وأضافت أن هذا الصمت يخدم الجناة، ويسمح لهم بالإفلات من العقاب، كما يمنع النساء من الوصول إلى الخدمات الطبية والنفسية الضرورية.
وأكدت أنه رغم هذا الاستهداف الممنهج والبشع، لم تقف النساء السودانيات في موقع الضحية المستسلمة، بل لعبن دوراً محورياً في تنظيم شبكات دعم سرية، وقُدن استجابات مجتمعية في ظل غياب الدولة، مثل غرف الطوارئ والمطابخ الجماعية، مشيرة إلى أن الشهادة والسرد يمثلان فعلاً من أفعال المقاومة وتحويلاً للجسد من ساحة حرب مفروضة إلى موقع للذاكرة الجماعية.
الصحة المنهارة والفقر وجه آخر للحرب
وفي السياق ذاته، قالت الناشطة النسوية وعضو حزب المؤتمر السوداني حنان حسن لراديو دبنقا إن الحرب في السودان، وبعد أكثر من ألف يوم بكل ما صاحبها من فظائع، استهدفت النساء بشكل خاص، من خلال العنف الجنسي والانتهاكات التي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي للحياة في مناطق الصراع.
وأوضحت أن النساء في الحروب والنزاعات المسلحة يُستهدفن بطرق منهجية ومباشرة، حيث تحولت أجساد النساء إلى ساحة حرب حقيقية، بفعل العنف الجنسي الذي يُمارس بشكل منتظم ومتعمد من قبل أطراف النزاع، بما في ذلك الاغتصاب، والتحرش الجنسي، والاسترقاق الجنسي، وغيرها من الأفعال التي تُستخدم كأدوات لتدمير المجتمع وتقويض روحه المعنوية وكسر نسيجه الاجتماعي.
وأشارت إلى أن الإحصائيات المتعلقة بالعنف الجنسي في مناطق النزاع بالسودان لا تزال غير مكتملة بسبب ضعف التوثيق وصعوبة الوصول إلى الضحايا، إلا أن الأدلة والشهادات التي جُمعت من النساء الناجيات تؤكد أن الاغتصاب الجماعي والخطف والممارسات المروعة الأخرى أصبحت جزءاً من الاستراتيجيات العسكرية التي تستخدمها المجموعات المتنازعة، مخلّفة آثاراً نفسية واجتماعية طويلة الأمد.
وبيّنت أن النساء اللواتي يتعرضن للعنف الجنسي يعانين من صدمات نفسية معقدة، قد تؤدي إلى اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب، كما تعيش كثيرات منهن في عزلة اجتماعية قسرية، لا سيما في المجتمعات التي لا تتقبل الحديث عن هذا النوع من الانتهاكات، أو التي تلقي باللوم على الضحية بدلاً من الجاني.
وأضافت لراديو دبنقا أن الأثر الاجتماعي للعنف الجنسي في بعض المجتمعات السودانية يكون بالغ القسوة، إذ تتعرض النساء الناجيات للوصم الاجتماعي، ويُنظَر إليهن أحياناً باعتبارهن عاراً على الأسرة أو المجتمع، ما يزيد من التهميش والاضطهاد الذي يواجهنه بعد الانتهاك نفسه.
كما أشارت إلى التحديات الصحية الخطيرة التي تواجه النساء الناجيات، حيث تعاني بعضهن من أمراض صحية مزمنة، بما في ذلك الأمراض المنقولة جنسياً والحمل غير المرغوب فيه، وفي ظل انهيار النظام الصحي وغياب الخدمات الطبية في مناطق النزاع، يصبح الحصول على العلاج والرعاية اللازمة أمراً شبه مستحيل.
وأضافت أن الحرب أدت كذلك إلى فقدان النساء لأمنهن الاقتصادي، إذ فقدت كثيرات مصادر رزقهن، سواء في الزراعة أو الحرف أو الأعمال الصغيرة التي كن يعتمدن عليها لتأمين سبل العيش، ما زاد من هشاشة أوضاع النساء ووضعهن في دائرة الفقر والعوز والاستغلال.
لا للحرب ونعم للسلام بلا شروط
بالمقابل أكدت عضوة مبادرة نساء ضد الظلم سعدية عيسى اسماعيل دهب لراديو دبنقا أن الموقف المبدئي هو لا للحرب ونعم للسلام المستدام دون شروط، مشيرة إلى أن استمرار الانتهاكات والنزاعات والاغتصابات والتجويع لأكثر من ألف يوم يمثل مأساة إنسانية تقع في المقام الأول على أجساد النساء والفتيات، بما في ذلك ذوات الإعاقة، إضافة إلى الأطفال.
وأوضحت أن الاستغلال والاستهداف الجنسي يُستخدمان كسلاح بين الأطراف المتحاربة للإخضاع والإذلال والتخويف والترهيب، وأن هذه الانتهاكات كثيراً ما تستمر لتحقيق مكاسب وأهداف عسكرية أو سياسية أو عرقية، أو بهدف إحداث تغيير ديموغرافي قسري عبر إجبار السكان ونسائهم على الفرار من مناطقهم.
وأضافت لراديو دبنقا أن الأمم المتحدة وثّقت في تقاريرها عدداً كبيراً من الانتهاكات والعنف الجنسي الذي تعرضت له النساء، مؤكدة أن النساء أصبحن ساحات مباشرة للمعارك، كما رصدت منظمات ومبادرات عديدة انتشار العنف الجنسي والعنف المبني على النوع الاجتماعي، وهو ما خلف غبناً اجتماعياً وآثاراً نفسية عميقة.
وبيّنت أن بعض الناجيات قد يُقتلن نتيجة العادات والتقاليد السائدة، أو يضطررن إلى الفرار والانغماس في مسارات خطرة مثل الاتجار بالبشر أو الدعارة، إضافة إلى ما تسببه هذه الانتهاكات من تدمير واسع وصدمات نفسية واضطرابات وخوف وقلق دائم، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي تلاحق النساء.
وأشارت إلى أن هذه الانتهاكات تنعكس كذلك على الرباط الاجتماعي، خاصة في حالات إنجاب أطفال مجهولي الهوية، حيث يتم في بعض الأحيان التخلص من هؤلاء الأطفال أو تركهم بعد الولادة خوفاً من العار والوصمة، في ظل انهيار تام في الخدمات الصحية وارتفاع معدلات الوفيات والإجهاضات المقصودة وغير المقصودة.

الحرب على الثورة والنساء معاً
ومن زاوية أخرى، أشارت رئيسة مبادرة لا لقهر النساء أميرة عثمان لراديو دبنقا إلى أن الحرب في السودان منذ لحظاتها الأولى كانت موجهة ضد الثورة وضد النساء، مؤكدة أن أجساد النساء لم تتحول إلى ساحة حرب فحسب، بل إن الحرب نفسها شُنّت عليهن منذ بدايتها. وأضافت أن النساء كنّ يؤمنّ بأن الثورة أنثى، وأنها قامت لتحقيق مطالب الحرية والسلام والعدالة، وهي مطالب جوهرية إذا تحققت ستنعكس مباشرة على أوضاع المرأة السودانية وحقوقها، وتؤسس لبيئة آمنة وعادلة تُصان فيها كرامة النساء.
وأوضحت أن إشعال الحرب واستمرارها جرى تبريره بخطاب يدّعي الدفاع عن الشرف وحماية النساء، في الوقت الذي تصاعدت فيه الانتهاكات بحقهن على نطاق واسع، مشيرة إلى أن الروايات التي ترد عن نساء أقدمن على الانتحار خوفًا من الاغتصاب، أو عن أسر قتلت بناتها وزوجاتها بذريعة حمايتهن من الانتهاك، تعكس مرحلة شديدة القسوة والانحطاط. واعتبرت أن العجز عن حماية النساء تحوّل إلى استقواء عليهن وانتهاك صريح لحقهن في الحياة.
وشددت عثمان على أن الحرب انتهكت الحق الأعلى الذي أجمعت عليه الدساتير والأديان والمعتقدات كافة، وهو الحق في الحياة، موضحة أن القتل لم يعد يقتصر على القتل المباشر، بل اتخذ أشكالًا أخرى عبر الإذلال، والانتهاك، والاستعباد الجنسي، والعنف الجسدي والنفسي، وصولًا إلى استهلاك النساء إنسانيًا وجسديًا، وتجريدهن من قيمتهن، في مشهد وصفته بالبيع في الأسواق.
وانتقدت في المقابلة مع راديو دبنقا ما يتعرض له النساء في مناطق النزاع، مبينة أن النساء يُحاسبن ويُتهمن بالتعاون مع أحد أطراف الحرب لمجرد بقائهن في مناطق خاضعة لسيطرته، حتى في الحالات التي تدخل فيها القوات إلى تلك المناطق بعد سيطرة طرف آخر. وتساءلت عن الخيارات المتاحة أمام النساء في ظل غياب أي بدائل آمنة، موضحة أن النزوح يعني الانتقال إلى أماكن لا تتوفر فيها أبسط مقومات الحياة الكريمة، حيث لا حق في العمل، ولا السكن، ولا العلاج، ولا الغذاء.
وأكدت أن النساء لا يملكن سوى العودة إلى رفع شعار أرضًا سلاح، مع الدعوة الواضحة إلى وقف هذه الحرب التي وصفتها بالمخزية، مشددة على أن السلام قادم لا محالة مهما طال أمد الحرب. وأضافت أن المسؤولية لن تسقط بالتقادم، وأن ما ارتُكب من انتهاكات لن يُمحى، مؤكدة أن المحاسبة ستطال جميع جنرالات الحروب تاريخيًا، ولن تتوقف عند حرب أبريل وحدها.
ودعت إلى معالجة الغبن التاريخي المتراكم في مختلف أنحاء السودان نتيجة الحروب والتهميش والقهر والتمييز، مؤكدة ضرورة تحقيق عدالة حقيقية تراعي حقوق الضحايا وتجبر ضررهم.
مقايضات جنسية مقابل الغذاء
من جانبها أكدت الناشطة السياسية والمدافعة عن حقوق الإنسان منى عبد المنعم سلمان لراديو دبنقا أن الحرب الدائرة في السودان تحولت إلى حرب ممنهجة على أجساد النساء، وأن ما يحدث اليوم هو امتداد لنمط قديم بدأ في دارفور وانتقل إلى الخرطوم وولاية الجزيرة، ما يثبت أن المرأة السودانية لم تجد الأمان في أي بقعة من البلاد.
وأوضحت لراديو دبنقا أن الانتهاكات شملت اقتحام المنازل والاختطاف واستخدام النساء كرهائن أو كوسيلة للإهانة، إضافة إلى إجبار بعضهن على مقايضات جنسية مقابل الغذاء، في ظل غياب كامل للحماية والمساءلة، مؤكدة أن الحرب لم تسلب النساء الأمان في الشوارع فقط، بل سلبتهن الأمان داخل ذواتهن.
وبيّنت أن الحرب امتدت لتطال المعيشة والكرامة الإنسانية، حيث فقدت كثير من النساء القدرة على دفع إيجارات السكن أو تأمين الوجبات اليومية، واضطررن للعيش في أماكن تفتقر لأدنى مقومات الأمان، في ظل تراجع الدعم القادم من الخارج بسبب تضاعف أعباء النزوح.
وأضافت أن النتيجة المباشرة لهذا الواقع هي وجود نساء وفتيات لا يجدن حق الوجبة، ويواجهن الجوع وخيارات قاسية للبقاء على قيد الحياة، معتبرة أن جسد المرأة أصبح الجبهة التي يُهزم فيها المجتمع السوداني يومياً.
انتهاكات من داخل المعسكرات
وفي إفادة من داخل معسكر بيالي بأوغندا، قالت الناشطة والمدافعة عن حقوق الإنسان رفيعة أحمد آدم لراديو دبنقا إن المعسكر يضم أعداداً كبيرة من الأمهات الوحيدات، من أرامل ومطلقات ونساء فقدن الاتصال بأزواجهن ولا يعلمن مصيرهم، ويعانين معاناة شديدة في المعيشة في ظل غياب فرص العمل والاعتماد على دعم محدود من المنظمات.
وأضافت لراديو دبنقا أن قرار برنامج الغذاء العالمي بإخراج أعداد كبيرة من المستفيدين من الدعم أثّر بشكل كبير على أوضاع النساء والأطفال داخل المعسكر، وبدأت تظهر حالات سوء تغذية وسط الأطفال والنساء، إلى جانب انتشار واسع للتحرشات في المدارس، خاصة مدارس الأساس، من قبل رجال كبار وشباب، في ظل غياب الرقابة الأسرية، ما أدى إلى تعرض فتيات صغيرات لمخاطر جسيمة.


and then