تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

( نساء ملهمات ) : منال سعيد : (الأم البديلة)

يونيو ٢٧ - ٢٠٢١ الخرطوم / راديو دبنقا
منال سعيد
منال سعيد

 


 " كان عمره ست سنوات عندما اتت اسرة لتتبناه ... تربى مع ابني نديده في السن فجمعت بينهما الأخوة ينامان ويستيقظان ويلعبا سويا .. عندما ذهب اصبنا جميعنا أنا وابني ووالدي بحالة نفسية وكان ابني يبكي طوال اليوم على مدى أيام وقال لي ابي : إنت لازم تسيبي الشغل دا، لشدة احساسه بالحزن المتكرر " .
 احاسيس الحزن وآلام الفراق اصبحت عادة متكررة تعيشها واسرتها على مدى ثمانية عشر عاما منذ أن اصبحت اما بديلة لأطفال فاق عددهم الخمس وعشرين طفلا بما فيهم أطفال الحالات الطارئة الذين تتم استعادتهم بعد التبني لأسباب.
الأم البديلة منال سعيد فضل المولى تأكد إلي ثقة حسن تنشئتها عندما التقيت ابنها الوحيد الذي استقبلني خارج منزلهم بمنطقة الديم – الخرطوم مرحبا بشوشا تلمس حب أهل الحي له، مضيافا داخل منزل جده الذي يجمعه ووالدته صديقته منال وطفلين اخوة له الى حين.


الميلاد والنشأة 


منال سعيد من مواليد الديم- الخرطوم في العام ١٩٦٥ ، درست المرحلة الإبتدائية بمدرسة عبدون حماد، ثم بدأت مسيرة حياتها العملية في التشكل منذ المرحلة الثانوية فدرست بمدرسة النيلين التجارية الثانوية ونالت بكالاريوس التجارة من جامعة النيلين . واتجهت لمجال دراسة الفندقة وادارة الفنادق وعملت بعدها بفندق مرديان نهاية الثمانينات لثلاث سنوات . لتدخل بعدها مجال البزنس فأسست شركة (كمبيوتر سيرفس) في العام ١٩٩٥ إحدى اوائل شركات الكمبيوتر التى استمرت حتى اغلاقها عام ٢٠٠٣ على أثر مضايقات شركات موالية لحكومة العهد البائد في تنافس غير شريف. 


من البزنس للمجال الإنساني


زيارة واحدة لدار المايقوما للأطفال فاقدي السند في العام ٢٠٠٤ كانت كافية لتغيير مسار منال من مجال البزنس الى مجال العمل الإنساني . قالت منال عن تلك الزيارة " ذهبت زيارة لدار المايقوما للقريب من المنزل ودخلت أحد العنابر كان هناك حوالى عشرين طفلا حديثي الولادة يصرخون في آن واحد مع وجود إثنين فقط من الأمهات .. احسست بعاطفة الأمومة تجذبني لأطفال لا يجدون صدرا يضمهم عندما يبكون خاصة وان بينهم مرضى وذوي احتياجات خاصة بسبب انعدام العناية الطبية في فترة الحمل" . مان يوما عاشت فيه منال نزاعا نفسيا بين احساسها تجاه اولئك الأطفال وضرورة مساعدتهم ورعاية والدها الكفيف بالمنزل، الى أن فرجت بقدوم منظمة (هوب اند هومز Hope & Homes) البريطانية التي تعمل على مشروع (الأم البديلة)، ويهدف الى رعاية الأطفال فاقدي السند داخل المنازل بين الأسر في فترة ما قبل التبني. فكانت منال سعيد بين اوائل الملتحقات في الدفعة التدريبية الأولى التي ضمت ٢١ أما لتدريبهن وإعدادهن نفسيا واجتماعيا وتربويا ودينيا. وعقب التدريب الذي دام لأسبوع كانت منال بين سبع أمهات تم اختيارهن مبدئيا من بين المتدربات لتطبيق التجربة مبدئيا. تحكي منال سعيد عن تجربتها " كنت ضمن سبع أمهات واستلمت طفل كان عمره ستة أشهر ... استلمه باسمه ولا امنحه انا ولابد أن تكون ملامحه تقارب ملامح الأم .. وظل تحت رعايتي بالمنزل حتى أتت اسرة لتبنيه وكان عمره عام ونصف .. " . وخلال فترة الرعاية تلك تتكفل المنظمة بكافة احتياجاته فضلا عن حافز يمنح للأم البديلة. 
طفل بعد آخر وأحيانا طفلان يمرون على دار منال بين ستة أشهر الى تسع أعوام تدوم امومتها لهم وسط اسرتها الصغيرة وصولا لأسرتها الممتدة، تقول منال " اصطحبهم معي الى أي مكان وأي مناسبة ولا أتركهم خلفي أبدا... يعاملون كأولادي دون تمييز في الحي أو وسط الأهل ".  أمر التبني ورعاية الأطفال فاقدي السند في بيئة منال ليس بالأمر الغريب ويجد التقبل من الكل .. وتذكر منال سعيد " داخل الحي في الديم بين كل منزل وآخر هناك أطفال متبنون أو توجد أم بديلة ، فمبدأ التجربة يطبق دوما في المنطقة القريبة من دار الرعاية ... كذلك داخل الأسرة الكبيرة، فهناك من كبروا وتزوجوا وكونوا اسرا ولم نكن ندري أنه لا تربطنا به صلة دم ". 


مسئولية ذاتية ورضى


أمر الرعاية كأمهات بديلات دام بصورة مستقرة طوال عهد منظمة (هوب اند هومز) الى أن انهى عملها بالسودان في مشروع درب وأهل مئات الأمهات البديلات طوال أربع سنوات استمرت تأهيلا ودعما. لتبدأ مرحلة من رحلة المعاناة بعد أن آل المشروع إلى وزارة الرعاية الاجتماعية . ومع ذلك استمرت رعاية منال سعيد للأطفال كواجب عليها ، تقول  " اصبحنا نتقاضى ٣٥٠ جنيها تدفع أحيانا وتأخر احايين أخرى لما يقارب الثلاثة أشهر وأحيانا لا تدفع أصلا، يقولون (احتسبوها) علما بأننا نعمل بتجديد التعاقد سنويا .. اعتمدت بعد الأعوام الاربعة الأولى على اخواتي يدعمنني من خارج السودان من حليب ومستلزمات الأطفال ... ومؤخرا عدل الدعم المقدم من الوزارة الى ١٠ الاف جنيه وكما تعلمون لا تساوي شيئا وأظل اعتمد على اخواتي..' . 


 التبني وحكايات الفراق


على مدى ثمانية عشرة عاما عاشت منال سعيد عشرات القصص والحكايات مع ٢٥ طفلا غير الحالات الطارئة، مروا على دارها منحتهم فيها الأمومة حنوا ورعاية .. تحملت خلالها مرارة لحظات فراقهم وذهابهم عن حضنها ليتبنوا من أسر هي في الغالب خارج الخرطوم .. هي تعلم أن ابناءها اولئك سوف لن تراهم ثانية ومع ذلك تؤدي رسالتها برضى وايمان تام، تقول " هي عملية غير مرهقة اؤديها برضى تام عن نفسي وضميري واحس براحة نفسية لا توصف ". حكايات آلام الفراق تتوالى دون نهاية تستحضر اكثرها مرارة في ذاكرتها " كانا طفلين رضيعين احتضنتهما معا، ونشاء كأخوين، ظلا معي والتحقا بالمدرسة وكانا متفوقين جدا يشهد لهما أهل الحي والأهل بالتهذيب .. يقبلانني على رأسي ويدي عند الذهاب وبعد العودة من المدرسة الخاصة التي عودتهما على ذلك السلوك مع كل أم .. إلى أن ظهرت اسرة من خارج العاصمة لتبنيهما ... اخبرتهما أنهما سيذهبان مع خالتهما وسألحق بهما بعد ذلك ، ظلت أمهم بالتبني معنا اسبوعين بالمنزل حتى تم اقناعهما ثم ذهبا ولم اسمع عنهما بعد ذلك .. كان فراقهما مريرا حارا . عادة ما تحرص الأمهات بالتبني على عدم التواصل معي مرة أخرى رغم وعودهن .. بعضهن يأتين بعد سنوات مع أطفالهن الذين لا يتذكرونني  ".  وما يحدث عادة في حالة التبني، تأتي الباحثة الاجتماعية أولا للأم البديلة بخلفية عن الأم المتبنية التي تظهر بعد ذلك لرؤية الطفل والتعرف عليه، ولابد من أن تمضي مدة اسبوع الى اسبوعين بمنزل الأم البديلة حتى يعتاد الطفل عليها. وفي تلك المرحلة تجلس الباحثة مع الأم لتعريفها بأسلوب التربية الذي كان متبعا مع الطفل حتى لا يتسبب اختلاف الاسلوب بصدمة له. 


اسلوب تربوي خاص


تتبع منال سعيد اسلوب تربوي سلس اساسه المسئولية رغم صغر سن الطفل خوفا لاحتمالات ما يمكن أن يواجهه رغم المتابعات. تقول " اهيئ الطفل على اعتماده على نفسه واحرص على الحاقه بالروضة من سن ثلاث سنوات حتى يتعلم الحديث والتعامل مبكرا ويعتمد على نفسه في كل اشياءه الخاصة.. احرص على ذلك معهم أكثر من حرصي على ابني ... واتخذ من وسيلة الحرمان كعقاب ولا اتبع اسلوب الضرب ابدا ..." .
تحت رعاية منال سعيد الآن طفلان، احدهما فى التاسعة من العمر والآخر في الثالثة عشرة وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة ، وعلى الرغم من ان سنه تقتضي الحاقه (ببيت الأولاد) إلا ان نزعة الامومة بداخل منال أبت إلا أن يكون تحت رعايتها بالمنزل ولو ظل معها دوما ابنا لها. 
هم يصحبونها الآن في نشاطها الطوعي بجمعية (Blue Heart) وتتقلد منال سعيد فيها منصب الأمين العام وتنظم حاليا حملات نظافة بمختلف انحاء العاصمة بمدنها الثلاث. كما تنشط أيضا وسط لجان المقاومة بحي الديم.


عودة الي النظرة العامة